المغرب في قلب العاصفة العالمية: كيف يحاول فوزي لقجع تثبيت اقتصادٍ معلّق بين صدمات النفط، وضغط الأسواق، وهاجس فقدان التوازن

0
132

بين شاشةٍ تُعلن ارتفاع أسعار النفط في العالم، وربّةِ بيتٍ مغربية تُعيد حساب مصاريف الأسبوع خوفًا من زيادة جديدة في الغاز أو النقل، يتحول الاقتصاد فجأة من لغة الأرقام الباردة إلى معركة يومية تُقاس بثمن الخبز والكهرباء والتنقل. وفي اللحظة التي كانت فيها اقتصادات كبرى تُراجع توقعات نموها تحت ضغط الحرب والتضخم واضطراب سلاسل التوريد، خرج فوزي لقجع داخل مجلس المستشارين ليقول إن المغرب لا يزال يقاوم العاصفة، وإن احتياطي العملة الصعبة بلغ مستوى يكفي لتغطية ما يقارب نصف سنة من الواردات، وإن المالية العمومية ما تزال متماسكة رغم عالمٍ يتحرك على إيقاع القلق.

لكن خلف هذا الخطاب الرسمي، لا يقف المغرب فقط أمام امتحان الأرقام، بل أمام سؤال أعمق: كيف يمكن لدولة تستورد كامل حاجياتها تقريبًا من الطاقة أن تحافظ على توازنها وسط حربٍ تهز أسواق النفط والغاز؟ وكيف تحاول السلطة المالية تحويل الخوف العالمي إلى خطاب ثقة داخلي، في وقت يشعر فيه المواطن بأن كل أزمة دولية تنعكس مباشرة على جيبه؟

لقجع لم يكن يتحدث فقط عن قانون مالية أو نسب نمو، بل كان يرسم صورة لدولة تحاول أن تُقنع الداخل والخارج بأنها ما تزال قادرة على التحكم في المقود وسط عالم يفقد توازنه. فالوزير قدّم أرقامًا دقيقة حول ارتفاع احتياطي “الدوفيز” إلى حوالي 469.8 مليار درهم، معتبراً أن ذلك يعكس صلابة الاقتصاد المغربي وقدرته على امتصاص الصدمات. غير أن أهمية هذا الرقم لا تكمن فقط في حجمه، بل في رمزيته السياسية والاقتصادية؛ لأن احتياطي العملة الصعبة بالنسبة لدولة مثل المغرب ليس مجرد مخزون مالي، بل جدار حماية ضد الخوف من الأسواق الدولية، وضمانة لاستمرار الاستيراد وتمويل الغذاء والطاقة والمواد الأساسية.

المفارقة أن هذا الخطاب التفاؤلي يأتي في لحظة يعيش فيها الاقتصاد العالمي واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ سنوات. صندوق النقد الدولي نفسه خفّض توقعات النمو العالمي، ورفع تقديرات التضخم، بينما تشهد التجارة الدولية تباطؤًا حادًا بسبب التوترات الجيوسياسية، خصوصًا في الشرق الأوسط. وهنا بالضبط تظهر حساسية الموقع المغربي داخل المعادلة الدولية؛ فالمغرب ليس قوة طاقية، لكنه يتأثر فورًا بأي اضطراب في مضيق هرمز أو أي ارتفاع في أسعار النفط والغاز، لأن كل ذلك ينعكس على فاتورة الاستيراد وعلى تكلفة الدعم العمومي.

لهذا لم يكن اعتراف لقجع بارتفاع أسعار المحروقات والغاز مجرد تفصيل تقني. عندما يتحدث عن قفزة النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وارتفاع الغازوال والبوتان والفيول، فهو يشرح ضمنيًا لماذا تضطر الدولة إلى ضخ مئات الملايين شهريًا لدعم الكهرباء والنقل وغاز الطهي. الدولة هنا لا تدافع فقط عن القدرة الشرائية، بل تدافع أيضًا عن الاستقرار الاجتماعي، لأن أي انفجار كبير في الأسعار قد يتحول بسرعة إلى توتر سياسي واجتماعي.

ومن زاوية أخرى، يبدو أن الحكومة تحاول تقديم نفسها كسلطة قادرة على إدارة “اقتصاد الأزمات”. فارتفاع الموارد الجبائية، خصوصًا الضريبة على الشركات، يُستخدم لإثبات أن النشاط الاقتصادي لم يتوقف، وأن قطاعات معينة ما تزال تحقق أرباحًا قوية رغم الاضطراب العالمي. لكن هذه الأرقام تفتح بدورها نقاشًا حساسًا: هل تعكس فعلًا تحسنًا هيكليًا في الاقتصاد، أم أنها نتيجة ظرفية مرتبطة بالتضخم وارتفاع الأسعار وزيادة الضغط الجبائي؟

الواقع أن الاقتصاد المغربي يعيش اليوم مفارقة مزدوجة. فمن جهة، هناك مؤشرات إيجابية مرتبطة بالسياحة وتحويلات المغاربة بالخارج وصادرات السيارات والفوسفات والطيران، وهي قطاعات ضخت عملة صعبة مهمة داخل الاقتصاد الوطني. ومن جهة ثانية، هناك هشاشة بنيوية مستمرة مرتبطة بالتبعية الطاقية، وبالقدرة الشرائية، وبالفوارق الاجتماعية التي تجعل أثر أي أزمة عالمية أكثر قسوة على الطبقات الوسطى والفقيرة.

حتى الحديث عن موسم فلاحي جيد ومحصول حبوب مرتفع لا يخلو من دلالة سياسية واقتصادية عميقة. فالمطر في المغرب لم يعد مجرد ظاهرة مناخية، بل عنصرًا استراتيجيًا يحدد مستوى النمو والاستقرار الاجتماعي وحتى المزاج السياسي العام. لذلك عندما يربط لقجع بين ارتفاع محصول الحبوب وتحقيق نمو يفوق 5.3%، فهو يقرّ ضمنيًا بأن جزءًا مهمًا من الاقتصاد المغربي ما يزال رهينًا بالتقلبات المناخية، رغم كل شعارات التحديث والتنويع الاقتصادي.

وفي خلفية كل هذا، يظهر رهان آخر أكثر أهمية: الثقة الدولية. تجديد خط الائتمان المرن مع صندوق النقد الدولي والحفاظ على تصنيفات ائتمانية مستقرة ليسا مجرد إنجاز تقني، بل رسالة موجهة للأسواق والمستثمرين بأن المغرب ما يزال يُعتبر فضاءً قادرًا على الوفاء بالتزاماته المالية. وهذه النقطة بالذات تفسر لماذا تُولي الدولة أهمية كبيرة لصورة “الاستقرار المالي”، حتى في لحظات التوتر العالمي.

غير أن السؤال الذي يبقى معلقًا فوق كل هذه الأرقام هو: هل يستطيع الاقتصاد المغربي الاستمرار في شراء الاستقرار عبر الدعم والاقتراض والاحتياطي النقدي، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض انتقالًا أصعب نحو إصلاحات أكثر عمقًا تمس نموذج الاقتصاد نفسه؟

لأن العالم الذي يتشكل اليوم لا يشبه العالم الذي عرفه المغرب قبل سنوات. الحروب لم تعد بعيدة، والطاقة أصبحت سلاحًا جيوسياسيًا، وسلاسل التوريد تحولت إلى خطوط توتر عالمية، بينما تجد الدول المتوسطة نفسها مطالبة بأن تُوازن بين حماية المواطن، وإرضاء الأسواق، والحفاظ على التوازنات المالية في آن واحد.

وهنا يصبح تصريح لقجع أكثر من مجرد عرض لأرقام الميزانية. إنه محاولة لطمأنة بلدٍ يعيش داخل عاصفة دولية مفتوحة، حيث لم يعد السؤال الحقيقي هو كم يملك المغرب من “الدوفيز”، بل إلى متى يستطيع الاقتصاد المغربي مقاومة عالمٍ ترتفع فيه كلفة البقاء يومًا بعد يوم؟