لم تمت فاتن بن عمر العزيزي لأنها لم تكن تعرف السباحة.
ولم تمت لأنها أخطأت الطريق نحو الضفة الأخرى.
ماتت لأن فتاة شابة، تمارس كرة القدم، وتنتمي إلى نادٍ رياضي، وصلت إلى قناعة مرعبة مفادها أن البحر يمنحها فرصة للحياة أكثر مما يمنحها الوطن.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالخبر الذي تداولته وسائل الإعلام عن وفاة لاعبة فريق المغرب أتلتيك طنجة أثناء محاولتها العبور سباحة نحو سبتة المحتلة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبراً مأساوياً جديداً في سلسلة الهجرة غير النظامية، بل باعتباره إنذاراً وطنياً شديد الخطورة، لأن الضحية ليست عاطلة عن العمل، ولا مجهولة المصير، ولا شخصاً هامشياً خارج المنظومة، وإنما رياضية تنتمي إلى مؤسسة يفترض أنها تحتضن الشباب وتصنع الأمل.
وعندما تصبح لاعبة كرة قدم مقتنعة بأن البحر أقل قسوة من المستقبل الذي ينتظرها داخل وطنها، فإن السؤال لم يعد: لماذا هاجرت؟ بل أصبح: ماذا بقي من وظيفة الرياضة نفسها؟
لقد اعتادت الدولة المغربية أن تقدم الرياضة باعتبارها إحدى أهم وسائل الإدماج الاجتماعي، وأن تصفها بأنها مدرسة للمواطنة، ومجالاً لصناعة الأمل، واستثماراً في الشباب. لكن حادث وفاة فاتن يفرض مراجعة هذه المسلمات كلها، لأن المنظومة التي يفترض أن تحمي أبناءها انتهت إلى إنتاج شعور جماعي بالانسداد.
فالرياضة لا تقاس بعدد الملاعب التي تُدشن، ولا بعدد الكؤوس التي تُرفع، ولا بعدد الصور الرسمية التي تُلتقط مع الأبطال، وإنما تقاس أولاً بقدرتها على حماية الرياضي عندما تنطفئ الأضواء، وحين يعود إلى حياته اليومية باحثاً عن عمل، أو عن كرامة، أو عن مستقبل.
ومن هنا تبدأ المسؤولية.
إن المسؤولية لا تقع على البحر.
ولا على شبكات الهجرة.
ولا حتى على لحظة القرار الفردي.
المسؤولية تبدأ من منظومة رياضية ظلت لعقود طويلة تعتبر الرياضي مجرد وسيلة لتحقيق النتائج، ثم تتركه يواجه مصيره بعد انتهاء المباريات.
كم من لاعب دولي سابق يعيش اليوم في الهشاشة؟
كم من بطلة وطنية انتهت حياتها في البطالة؟
كم من رياضي رفع العلم المغربي ثم عاد ليقف في طوابير البحث عن فرصة عمل؟
إن وفاة فاتن تعيد هذه الأسئلة إلى الواجهة بقوة غير مسبوقة.
ففي الدول التي تعتبر الرياضة جزءاً من مشروعها التنموي، لا ينتهي دور المؤسسة الرياضية عند تنظيم البطولات، بل يبدأ هناك. الرياضي يُواكب تعليمياً، ويُؤهل مهنياً، ويُدمج اقتصادياً، ويحصل على حماية اجتماعية، لأن الاستثمار الحقيقي ليس في الميدالية، بل في الإنسان الذي حققها.
أما حين تتحول الرياضة إلى موسم احتفالات وانتصارات إعلامية فقط، فإنها تفقد معناها الاستراتيجي، وتتحول إلى واجهة جميلة تخفي وراءها هشاشة عميقة.
الأخطر في هذه القضية أن فاتن ليست استثناءً.
إنها مجرد الاسم الذي وصل إلينا.
أما آلاف الشباب الآخرين الذين حاولوا الوصول إلى الضفة الأخرى، فهم يحملون القصة نفسها تقريباً، وإن اختلفت تفاصيلها.
لكن وجود رياضية بين هؤلاء يوجه ضربة قاسية لكل الخطابات التي تتحدث عن نجاح سياسات الشباب والرياضة.
فالفتاة التي تمارس الرياضة يفترض أنها أكثر ارتباطاً بالمؤسسات، وأكثر اندماجاً، وأكثر إيماناً بالمستقبل من غيرها.
فإذا كانت هي أيضاً قد فقدت الثقة، فماذا عن الشباب الموجود أصلاً خارج كل المؤسسات؟
وهنا ينبغي أن تتسع دائرة النقاش.
ليست القضية قضية وزارة واحدة.
ولا جامعة رياضية واحدة.
ولا نادٍ واحد.
بل قضية منظومة كاملة.
منظومة تركز على تنظيم المنافسات أكثر من صناعة الإنسان.
وتحتفي بالأبطال أثناء التتويج، لكنها لا تسأل عنهم بعد انتهاء البطولة.
وتتحدث عن التنمية البشرية، بينما يظل آلاف الرياضيين يعيشون من دون ضمان اجتماعي، أو تأمين مهني، أو برامج لإعادة الإدماج في سوق الشغل.
الرياضة المغربية بين «المهمة» و«المهنة»… هل آن الأوان لإعلان نهاية النموذج القديم؟


