بين صورةٍ هزّت الضمير وأسئلةٍ تبحث عن الحقيقة… حين يصبح الصمت جزءاً من الأزمة
ليست كل صورة مجرد لقطة عابرة توثق لحظة زمنية، فبعض الصور تتحول إلى وثيقة سياسية وأخلاقية تختصر أزمة بأكملها. الصورة التي تداولها آلاف المغاربة، والتي يُقال إنها تُظهر رجلاً يحمل حجراً كبيراً فوق مرتفع صخري في مواجهة أحد الشبان الذين كانوا يحاولون بلوغ سبتة، لم تكتسب قوتها فقط من مضمونها البصري، بل من الرمزية التي حملتها في لحظة يعيش فيها المغرب واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية نحو الثغر المحتل. وإذا ثبتت صحة الصورة والفيديو المتداولين، فإنهما لا يثيران مجرد انفعال عاطفي، بل يفرضان أسئلة تتجاوز الواقعة نفسها إلى طبيعة إدارة الأزمة برمتها.
ففي مثل هذه القضايا، لا تتحول الصورة إلى حدث لأنها التقطت مشهداً صادماً، وإنما لأنها تختزل حالة عامة من الاحتقان واليأس وانهيار الثقة. ولهذا لم يكن النقاش الحقيقي منصباً على الرجل أو الشاب فقط، بل على ما تعكسه الصورة من علاقة مأزومة بين السلطة والمجتمع في لحظة بلغ فيها الإحباط الجماعي مستوى يدفع آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم في البحر.
وإذا كان الصحفي مصطفى الفن قد ركز في تدوينته على ما اعتبره أخطر ما في المشهد، فإن ذلك لم يكن الفعل المنسوب إلى الشخص الظاهر في الصورة بقدر ما كان الصمت الذي أعقب انتشارها. فحين تتداول وسائل التواصل الاجتماعي رواية صادمة دون أن يصدر توضيح رسمي سريع، تبدأ مساحة الفراغ في الاتساع، ويصبح الرأي العام أكثر استعداداً لتصديق الروايات المتضاربة، سواء كانت صحيحة أم مضللة. وهنا يتحول الصمت من مجرد غياب للتواصل إلى عنصر فاعل في صناعة الأزمة.
إن إدارة الأزمات الإعلامية لا تقوم فقط على التحقيقات القضائية، بل تقوم أيضاً على سرعة تقديم المعلومات الدقيقة للرأي العام. فكلما تأخر البيان الرسمي، ازدادت قوة التأويلات، وتراجعت قدرة المؤسسات على استعادة زمام السرد. وفي زمن الصورة الرقمية، لا تنتظر الروايات المتداولة انتهاء التحقيقات حتى تنتشر، بل تسبقها إلى تشكيل الانطباع الأول، وهو الانطباع الذي يصعب تعديله لاحقاً حتى لو ظهرت معطيات جديدة.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي يطرحه النقاش ليس ما إذا كانت الواقعة قد حدثت بالصيغة المتداولة أو لا، فذلك أمر يعود إلى نتائج التحقيقات المختصة، وإنما لماذا تُرك المجال مفتوحاً لكل هذا القدر من الغموض؟ ولماذا لم يصدر توضيح يحدد الوقائع المؤكدة، وينفي غير الصحيح منها، ويطمئن الرأي العام بأن أي تجاوز محتمل سيخضع للمساءلة وفق القانون؟ فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء الثقة من خلال الشفافية والتواصل.
وفي المقابل، فإن خطورة الصورة لا تنفصل عن السياق الذي وُلدت فيه. فهي جاءت بعد أيام من مشاهد غير مسبوقة لآلاف المغاربة الذين توجهوا نحو سبتة، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية خلال السنوات الأخيرة. لذلك لم يعد النقاش مقتصراً على حادثة فردية، بل امتد إلى الأسباب التي دفعت هذا العدد الكبير من الشباب إلى اعتبار البحر خياراً أقل قسوة من واقعهم اليومي. وهنا يصبح أي مشهد مرتبط بهذه الأزمة قابلاً لأن يتحول إلى رمز يتجاوز حدوده الواقعية.
كما تثير الأزمة سؤالاً آخر يتعلق بالمعلومة ذاتها. فخلال الأحداث، اعتمد جزء كبير من الرأي العام المغربي على وسائل إعلام ومصادر إسبانية لمعرفة عدد الضحايا أو المفقودين أو تفاصيل التطورات، بينما ظل التواصل الرسمي محدوداً. وهذا الخلل في تدفق المعلومات لا يترك فراغاً محايداً، بل يملؤه الآخرون، لتصبح الرواية الوطنية متأخرة دائماً عن الرواية القادمة من الخارج.
وفي النهاية، قد لا تكون الصورة هي أخطر ما في هذه القصة، بل ما كشفته من هشاشة في إدارة التواصل أثناء الأزمات. فحين يغيب التفسير الرسمي، تصبح الصورة وحدها هي التي تتحدث، وتتحول إلى حقيقة في وعي الجمهور، سواء أثبتتها التحقيقات لاحقاً أو صححتها. ولهذا فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بالتحقيق في كل ادعاء أو مساءلة أي تجاوز إن ثبت وقوعه، بل أيضاً ببناء سياسة تواصل عمومي قادرة على حماية الحقيقة من أن تضيع وسط الضجيج، وحماية صورة الدولة من أن تُرسم بالروايات المتداولة وحدها.