DW عربية تواجه رشيد البلغيتي بالسؤال الذي يشغل المغاربة… هل أجاب بلاغ الداخلية عن الأزمة أم ترك السؤال الأكبر بلا جواب؟

0
66

لم يكن الحوار الذي بثته قناة DW عربية مع الإعلامي والمحلل السياسي رشيد البلغيتي مجرد قراءة في بلاغ وزارة الداخلية المغربية الصادر عقب أحداث سبتة، بل بدا أقرب إلى محاولة لتفكيك واحدة من أكثر اللحظات السياسية والاجتماعية حساسية التي يعيشها المغرب قبل أشهر من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالسؤال الذي افتتحت به مقدمة البرنامج بدا في ظاهره بسيطاً: “هل أجاب بلاغ وزارة الداخلية عن أسئلة الشارع المغربي؟”، لكنه في عمقه كان يختبر قدرة الخطاب الرسمي على تفسير حدث تجاوز، في نظر كثيرين، حدود حادث أمني عابر، ليتحول إلى مرآة تعكس توترات اجتماعية وسياسية تراكمت على مدى سنوات.

ومنذ الدقائق الأولى للحوار، اختار البلغيتي ألا يناقش البلاغ باعتباره وثيقة إدارية معزولة، بل بوصفه الحلقة الأخيرة في سلسلة من إدارة الأزمة. فالمشكلة، بحسب قراءته، لم تبدأ بما ورد في البيان، وإنما بما سبقه من صمت رسمي طويل، في وقت كانت فيه صور الشباب المغاربة وهم يحاولون الوصول إلى سبتة المحتلة تنتشر بسرعة عبر وسائل الإعلام الدولية ومنصات التواصل الاجتماعي، بينما ظل الداخل المغربي ينتظر رواية مؤسساته الرسمية.

هنا ينتقل النقاش من مضمون البلاغ إلى فلسفة التواصل السياسي في لحظات الأزمات. فالبلغيتي يرى أن الأحداث الاستثنائية لا تُدار بالحد الأدنى من التواصل، وإنما بحضور سياسي ومؤسساتي متواصل يوازي حجم الصدمة التي يعيشها المجتمع. ولذلك لم يكن انتقاده موجهاً إلى وزارة الداخلية وحدها، بل إلى ما اعتبره غياباً شبه كامل لبقية الفاعلين السياسيين؛ من رئيس الحكومة إلى الوزراء المعنيين، وصولاً إلى الأحزاب والمنتخبين المحليين، الذين كان ينتظر منهم، في تقديره، أن يساهموا في شرح ما يجري للرأي العام بدل ترك المجال للروايات القادمة من الخارج.

ولا يقف هذا النقد عند حدود الشكل، بل يتجاوزه إلى مضمون الخطاب الرسمي نفسه. فالبلاغ، كما يقرأه البلغيتي، ركز بصورة أساسية على فرضيات ذات طابع أمني، من قبيل شبكات الاتجار بالبشر، والتحريض الرقمي، والدعوات المجهولة التي انتشرت عبر منصات التواصل. وهي فرضيات لا ينفي إمكانية صحتها، لكنه يلفت إلى أن التحقق منها يظل رهيناً بالتحقيقات القضائية والأمنية، ولا يمكن أن يتحول إلى تفسير وحيد لأزمة بهذا الحجم.

ومن هنا يطرح السؤال الذي يعتبره جوهر النقاش كله: إذا كانت هناك جهات حرضت أو استغلت الوضع، فلماذا وجدت أصلاً هذا العدد الكبير من الشباب المستعد للاستجابة؟

في هذا السؤال، يرى البلغيتي أن النقاش ينتقل من البحث عن “من دعا؟” إلى البحث عن “لماذا استجاب الآلاف؟”. فالأزمة، في تصوره، لم تبدأ على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بدأت قبل ذلك بكثير داخل الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي جعل شريحة واسعة من الشباب تعيش حالة من فقدان الأفق. ولذلك يعتبر أن أي تفسير يقتصر على العامل الأمني يظل، في النهاية، تفسيراً لوسيلة الانفجار، لا لأسبابه العميقة.

ومن هذا المنطلق، يعيد البلغيتي إدخال العامل الاجتماعي إلى قلب النقاش، مستحضراً مؤشرات البطالة، واتساع فئة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو التكوين أو الشغل، وضعف القدرة الشرائية، باعتبارها عناصر تفسر ــ من وجهة نظره ــ هشاشة المجتمع أمام أي دعوة أو إشاعة أو خبر قادر على تحويل الإحباط الفردي إلى حركة جماعية.

وهنا تتجاوز المداخلة حدود التعليق على أحداث سبتة، لتتحول إلى نقد أوسع لطبيعة النقاش السياسي في المغرب. فالبلاغ، كما يفهمه، شرح كيف تحركت الحشود، لكنه لم يقترب من السؤال الأصعب: ما الذي جعل عشرات الآلاف من الشباب يرون في المخاطرة بالبحر أو بالحدود خياراً يستحق المجازفة؟

هذا السؤال، في نظر البلغيتي، هو النقطة التي بقيت خارج البلاغ، وهي أيضاً النقطة التي ستظل، ما لم تجد جواباً سياسياً واجتماعياً، تلاحق كل أزمة مشابهة، مهما اختلفت أسبابها المباشرة أو الجهات التي تقف وراءها.

ولم يتوقف البلغيتي عند حدود انتقاد مضمون البلاغ أو توقيت صدوره، بل وسّع دائرة النقاش لتشمل ما اعتبره الغائب الأكبر عن المشهد كله: الفاعل السياسي. ففي نظره، لم تكن المفاجأة في أن تتولى وزارة الداخلية إدارة الجانب الأمني للأزمة، فهذا يدخل ضمن اختصاصها الطبيعي، وإنما في أن بقية المؤسسات السياسية بدت، خلال الأيام الأولى، وكأنها خارج المشهد بالكامل.

هذا الغياب، كما صوره خلال الحوار، لم يعد مجرد ملاحظة مرتبطة بأزمة بعينها، بل تحول إلى مؤشر على خلل أعمق في العلاقة بين الحكومة والأحزاب والرأي العام. فحين تهتز البلاد على وقع حدث استثنائي، يتوقع المواطن ــ بطبيعة الحال ــ أن يسمع صوت رئيس الحكومة، وأن يرى الوزراء المعنيين يشرحون للرأي العام ما يجري، وأن تعبر الأحزاب، سواء داخل الأغلبية أو خارجها، عن مواقفها، باعتبارها مؤسسات وُجدت لتأطير النقاش العمومي وتمثيل المواطنين في اللحظات العادية والاستثنائية على حد سواء.

غير أن البلغيتي يرى أن ما وقع كان مختلفاً تماماً. فالأيام الأولى مرت، بحسب توصيفه، من دون حضور سياسي يوازي حجم الحدث، الأمر الذي جعل الخطاب الأمني يحتكر تفسير الأزمة، بينما بقي الخطاب السياسي غائباً، وكأن الملف لم يعد شأناً حكومياً بقدر ما أصبح ملفاً تتولاه مؤسسات أخرى.

ومن هنا يطرح سؤالاً يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة النظام السياسي نفسه: ما وظيفة الأحزاب إذا كانت تغيب عن أكثر اللحظات حساسية؟ فالأحزاب، في نهاية المطاف، لا تُختبر فقط خلال الحملات الانتخابية، ولا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصدها، وإنما بقدرتها على مرافقة المجتمع في الأزمات، وصياغة المواقف، وفتح النقاش العمومي حول القضايا الكبرى.

ولهذا استحضر البلغيتي ما قال إنه يسمعه في الشارع، سواء في النقاشات السياسية أو في الأحاديث اليومية، حيث بدأ يتكرر سؤال واحد: إذا كانت الأحزاب التزمت الصمت في أزمة بهذا الحجم، فبأي خطاب ستطلب لاحقاً ثقة الناخبين؟ وكيف ستقنع الشباب ببرامج انتخابية، وهي لم تظهر، في نظر كثيرين، عندما احتاج المجتمع إلى صوتها؟

ولا يربط هذا الصمت بالأحزاب وحدها، بل يمده إلى رئاسة الحكومة نفسها. فغياب رئيس الحكومة عن واجهة الأزمة، ثم الجدل الذي رافق وجوده خارج المغرب في عطلة خاصة، لم يُقرأ، في تقديره، باعتباره مجرد خطأ في التوقيت، بل باعتباره صورة مكثفة لطريقة اشتغال السلطة التنفيذية كما يراها جزء من الرأي العام.

غير أن البلغيتي يذهب أبعد من ذلك، حين يقدم تفسيراً سياسياً لهذا الغياب. فهو يعتبر أن رئيس الحكومة لا يتحمل وحده مسؤولية الصمت، لأن المشكلة، بحسب قراءته، ليست في شخص رئيس الحكومة، بل في حدود الدور الذي تمارسه المؤسسة الحكومية داخل بنية القرار. وهنا يستند إلى ما ورد في خطاب العرش الأخير، الذي أكد أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية هي ثمرة تراكمات استراتيجية تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني.

ومن هذه الفقرة تحديداً، يبني البلغيتي استنتاجه السياسي. فهو يقرأها باعتبارها تعبيراً عن أن الخيارات الاستراتيجية الكبرى تُرسم خارج الإيقاع الانتخابي، بينما ينحصر دور الحكومات، في جانب منه، في تنفيذ تلك الخيارات أكثر من صياغتها. وهذه قراءة سياسية يتحمل صاحبها مسؤوليتها، لكنها تكشف، في الوقت نفسه، كيف ينظر جزء من المتابعين إلى توزيع الأدوار داخل المؤسسات المغربية.

وانطلاقاً من هذا التصور، يفسر البلغيتي عدم استعجال رئيس الحكومة الظهور في قلب الأزمة، معتبراً أن ملفاً بحجم الهجرة وتداعياته الأمنية والدبلوماسية يتجاوز، في نظره، صلاحيات الحكومة الحزبية، ويظل مرتبطاً بمؤسسات الدولة التي تدير الملفات السيادية.

وهكذا، لم تعد الأزمة، في خطاب البلغيتي، مجرد نقاش حول بلاغ وزارة الداخلية أو تأخر التواصل الرسمي، بل أصبحت مدخلاً لإعادة طرح سؤال أكبر: هل ما يزال الفاعل الحزبي في المغرب يمتلك القدرة على قيادة النقاش العمومي وصناعة القرار، أم أن الأزمات الكبرى باتت تكشف تقلص حضوره أمام صعود الإدارة والقطاعات السيادية؟

وهنا ينتقل الحوار من نقد الأداء الحكومي إلى استشراف ما يمكن أن تتركه هذه الأزمة من أثر على الانتخابات المقبلة، وعلى صورة الطبقة السياسية في نظر الشباب، وهي النقطة التي ستقود النقاش إلى الحديث عن مستقبل رئاسة الحكومة، وفرضية صعود أسماء جديدة، وفي مقدمتها فوزي لقجع.