الدكتور عيدودي ينفي الاستوزار… لكنه يترك باب المسؤولية مفتوحاً

0
196

«لا أساس له من الصحة» في مواجهة خبر لم يصدر عن مؤسسة.. و«خدمة الوطن مسؤولية» في مواجهة منطق المناصب

لم يحتج الدكتور عيدودي إلى كثير من الكلام لنفي خبر جرى تداوله حول ترشيحه أو تعيينه في منصب وزاري. جملته الأساسية كانت واضحة: لا أساس له من الصحة، ولم يتلقَّ أي إشعار أو تكليف بهذا الخصوص.

لكن قيمة التصريح لا تقف عند حدود النفي. فالدكتور عيدودي، صاحب هذا الموقف وصاحب الكلام الواضح بشأنه، وضع في تصريحه مسافة بين الخبر السياسي الذي يستند إلى قرار أو تواصل رسمي، وبين المعلومة التي تبدأ كتخمين وتنتهي على مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها حقيقة مكتملة.

وهذه المسافة تحديداً هي التي تستحق القراءة.

فحين يظهر اسم سياسي ضمن تشكيلة حكومية متداولة، قبل أن يكون هناك إعلان رسمي أو حتى إشعار معني بالأمر، لا يعود السؤال متعلقاً بالشخص وحده. يصبح السؤال أوسع: من أين جاءت المعلومة؟ ومن حوّل الاحتمال إلى خبر؟ ولماذا يتم تقديم أسماء الأشخاص وكأن القرارات السياسية قد اتخذت فعلاً قبل أن تتحدث المؤسسات؟

الدكتور عيدودي لم يقدم جواباً على هذه الأسئلة، لكنه أثارها عملياً من خلال نفيه، عندما قال إن الزج باسمه في أخبار غير مؤكدة يمكن أن يخلق البلبلة ويعطي صورة غير دقيقة عن موقعه ومساره داخل المشهد السياسي المغربي.

وهنا تظهر الرسالة الأولى في كلامه: الخبر السياسي ليس مجرد اسم وصورة وتشكيلة متداولة.

في السياسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالحكومة أو بمسؤوليات عمومية، للكلمة وزن مختلف. نشر اسم شخص في منصب وزاري لا يغير وضعه القانوني أو السياسي بالضرورة، لكنه قد يغير طريقة النظر إليه، ويخلق انتظارات، ويفتح باب التأويلات، وربما يضع الشخص نفسه أمام أسئلة لم تُطرح عليه أصلاً.

من هذه الزاوية، يبدو أن الدكتور عيدودي أراد أن يضع الأمور في مكانها الطبيعي: لم يتم عرض المنصب عليه، ولم يصله تكليف، وبالتالي لا يجوز التعامل مع الخبر باعتباره واقعاً.

لكن التصريح يصبح أكثر دلالة في الجزء الثاني منه.

فالرجل، بعد أن نفى الاستوزار، لم يتعامل مع المسؤولية الحكومية باعتبارها امتيازاً شخصياً أو هدفاً سياسياً ينبغي التمسك به. بل قال، بوضوح، إنه إذا رأى الحزب وقيادته في شخصه القدرة على تحمل مسؤولية من المسؤوليات، وإذا اعتُبرت تجربته ومساره قيمة مضافة لخدمة الوطن والمواطنين، فإنه مستعد لتحمل المهمة بمسؤولية وتجرد.

وهنا بالضبط يفصل الدكتور عيدودي بين المنصب كخبر متداول، والمسؤولية كتكليف مؤسساتي.

الأول لا يعترف به لأنه لم يحدث.

أما الثاني، فيتركه مفتوحاً أمام المؤسسات التي يحق لها أن تقرر، وفي مقدمتها حزبه وقيادته، وفي الإطار الذي تحكمه المصلحة العامة والآليات السياسية والدستورية.

هذه ليست مجرد صياغة للتخفيف من وقع النفي. إنها الفكرة التي أراد عيدودي أن يضعها أمام الرأي العام: رفض الإشاعة لا يعني رفض المسؤولية.

وهذا التفريق مهم لأن السياسة المغربية، كما هو حال السياسة في كثير من الديمقراطيات، تعرف دائماً مساحة بين ما يحدث فعلاً وما يتوقعه الناس، وبين ما تقرره المؤسسات وما تنتجه شبكات التواصل الاجتماعي من أسماء وترتيبات وسيناريوهات.

والدكتور عيدودي يتحدث من هذه الزاوية تحديداً.

هو لا يقول إن اسمه لا يمكن أن يكون مطروحاً لأي مسؤولية. ولا يقول إنه غير معني بالمستقبل السياسي. بل يقول شيئاً أكثر تحديداً: الخبر المتداول عن استوزاره غير صحيح، أما تحمل المسؤولية إذا جاءت عبر القنوات المؤسساتية، فهو أمر آخر.

وهنا تبرز رسالة ثانية، موجهة هذه المرة إلى حزبه وقيادته.

عيدودي يقول عملياً إن معيار المسؤولية بالنسبة إليه لا ينبغي أن يكون مجرد الرغبة الشخصية في الوصول إلى موقع، وإنما تقدير الحزب لقدرة الشخص وتجربته على تقديم إضافة حقيقية. ولذلك قال إنه يضع نفسه رهن إشارة حزبه ووطنه متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.

السؤال الذي يخرج من هذه العبارة ليس: هل سيصبح عيدودي وزيراً؟

فهذا تحديداً هو السؤال الذي رفض الرجل أن يجيب عنه لأنه لا توجد، بحسب تصريحه، معطيات رسمية تسمح بطرحه كحقيقة.

السؤال الأهم هو: كيف ينبغي أن ينظر السياسي إلى المسؤولية؟

هل تكون المسؤولية طلباً شخصياً ومنافسة على المواقع؟ أم تكليفاً يأتي عندما ترى المؤسسات أن شخصاً ما يستطيع أن يقدم قيمة مضافة؟

الدكتور عيدودي اختار في تصريحه الإجابة الثانية.

وهذه الإجابة تقود إلى رسالة ثالثة، موجهة إلى المجتمع.

فالرجل يقول إن المناصب، في نظره، ليست غاية في حد ذاتها، وإن قيمة العمل السياسي لا تقاس بالموقع الذي يشغله الإنسان بقدر ما تقاس بما يستطيع تقديمه للمواطنين وبالقضايا والمبادئ التي يدافع عنها.

وهذه الفكرة تتجاوز خبر الاستوزار نفسه.

لأن المجتمع الذي يختزل السياسة في سؤال «من أصبح وزيراً؟» قد يفقد جزءاً من النقاش الأهم: ماذا يستطيع هذا الشخص أن يفعل عندما يتحمل المسؤولية؟ وما الذي سيضيفه؟ وما الذي سيدافع عنه؟ وما الذي سيغيره في حياة المواطنين؟

عيدودي يعيد، من خلال كلامه، ترتيب الأولويات: الموقع يأتي بعد المسؤولية، وليس المسؤولية نتيجة طبيعية للموقع.

أما الرسالة الموجهة إلى الصحافة، فهي أكثر حساسية.

الدكتور عيدودي قال إنه يحترم العمل الصحفي ويقدر دوره، لكنه يرفض أن يتحول اسمه إلى مادة للإشاعات أو الحسابات السياسية.

وهنا لا يهاجم الصحافة كسلطة مهنية، بل يميز بين الصحافة التي تتحرى وتتحقق، وبين تداول معلومات غير مؤكدة تتحول بسرعة إلى «خبر».

وهذا التمييز ضروري في زمن أصبحت فيه المعلومة السياسية تتحرك بسرعة تفوق قدرة المؤسسات والأشخاص على التحقق منها.

فالصحافي يستطيع أن يقول إن اسماً ما مطروح للنقاش إذا كانت لديه مصادر ومعلومات يمكن الاستناد إليها. لكنه عندما يقدم احتمالاً غير مؤكد على أنه قرار، فإن المشكلة لا تعود في الخطأ فقط، بل في الأثر الذي يمكن أن يتركه الخبر على الشخص والمؤسسة والرأي العام.

ومن هنا تأتي رسالة عيدودي إلى الصحافة: السبق لا ينبغي أن يسبق الحقيقة.

والرسالة نفسها تمتد، بشكل مباشر، إلى نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي.

فالسوشيال ميديا لم تعد مجرد مساحة لإعادة نشر الأخبار؛ أصبحت في أحيان كثيرة مكاناً تُصنع فيه الأخبار نفسها. صورة، اسم، تشكيلة حكومية مفترضة، ثم آلاف المشاركات، وبعد ساعات يصبح السؤال لدى الجمهور: «متى سيعلن القرار؟» بدل أن يكون السؤال الأول: هل صدر القرار أصلاً؟

تصريح عيدودي يعيد هذا السؤال إلى الواجهة.

هل كل ما ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يستحق أن يتحول إلى مادة إخبارية؟ وهل كثرة التفاعل مع معلومة ما تمنحها صفة الحقيقة؟ وهل يمكن أن تتحول التكهنات السياسية، بمجرد تداولها، إلى ضغط على المؤسسات أو الأشخاص؟

الدكتور عيدودي لا يجيب عن هذه الأسئلة بشكل مباشر، لكنه يضع أمامها موقفاً واضحاً: هناك فرق بين ما يقال عن الشخص وما قيل له فعلاً.

وهذا الفرق هو جوهر تصريحه.

فما قيل عن استوزاره شيء، وما قيل له رسمياً شيء آخر. وبين الاثنين توجد مساحة واسعة لا يمكن للصحافة الجادة أن تملأها بالتخمين.

الأهم في النهاية أن الدكتور عيدودي لم يغلق الباب أمام المستقبل السياسي، ولم يفتح باب الادعاء بوجود عرض أو تكليف لم يحصل.

لقد فعل العكس تماماً: نفى الواقعة المحددة، وأبقى الاستعداد للمسؤولية مرتبطاً بقرار مؤسساتي.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن السياسة لا تُقاس فقط بما يقوله السياسي عندما يُعرض عليه منصب، وإنما أيضاً بكيفية تعامله مع منصب لم يُعرض عليه أصلاً.

الدكتور عيدودي اختار أن يقول للرأي العام: لا تنسبوا إليّ ما لم يحدث، ولا تعتبروا التكهن قراراً، وفي الوقت نفسه لا تفهموا النفي على أنه هروب من المسؤولية.

وبين العبارتين تتشكل رسالته كاملة.

هو ينفي خبر الاستوزار، ويحترم المؤسسات، ويترك لحزبه وقيادته تقدير ما إذا كان قادراً على تحمل مسؤولية من المسؤوليات، ويؤكد أن خدمته للوطن لا تتوقف على حقيبة وزارية.

لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد تصريحه ليس: هل عيدودي وزير قادم؟

فالرجل أجاب عن ذلك بوضوح: لا يوجد، بحسب كلامه، ما يؤكد هذا الأمر.

السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع الحياة السياسية المغربية أن تنتقل من ثقافة التكهن بالأسماء إلى ثقافة النقاش حول الكفاءات والبرامج والمسؤوليات؟

ذلك أن الوزير، في نهاية المطاف، ليس اسماً في لائحة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

إنه مسؤول أمام مؤسسة، وأمام حكومة، وأمام برلمان، وأمام مواطنين ينتظرون نتائج.

وهذه هي الفكرة التي يعيد الدكتور عيدودي وضعها في الواجهة، من خلال تصحيح خبر واحد: المسؤولية ليست إشاعة، والوزارة ليست صورة متداولة، وخدمة الوطن لا تبدأ من منصب ولا تنتهي بخروجه.