المالية والفلاحة والسياحة.. لماذا يتمسك «الأحرار» بمفاتيح الحكومة؟

0
97

المفاوضات حول الحكومة الجديدة دخلت مرحلة مختلفة. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمن يدخل الأغلبية ومن يبقى في المعارضة، وإنما بدأت تلامس السؤال الأصعب: من يمسك بأي وزارة؟

النتائج النهائية لانتخابات 23 شتنبر وضعت الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً. وبعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة في 29 شتنبر، انطلقت المشاورات مع الأحزاب، وكان التجمع الوطني للأحرار أول الأحزاب التي استقبلتها في 30 شتنبر بوفد قاده محمد شوكي.

وفي 5 أكتوبر، أعلن المجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة. هذه المعلومة مهمة لأنها تجعل سيناريو خروج الحزب من الأغلبية مجرد احتمال سياسي، لا نتيجة محسومة.

لكن حتى داخل فرضية المشاركة، يبقى توزيع الحقائب هو الاختبار الحقيقي للتوازن الجديد.

فالحزب الذي حكم البلاد خلال الولاية المنتهية لا يدخل التفاوض من موقع حزب يريد عدداً من المقاعد الوزارية فقط. لديه وزارات ارتبط بها لسنوات، وبعضها أصبح جزءاً من صورته السياسية والتنظيمية. وفي مقدمتها الاقتصاد والمالية والفلاحة، ثم السياحة.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: لماذا يخاف «الأحرار» من أن تقع هذه الوزارات في يد حزب آخر؟

لا توجد معطيات منشورة تسمح بالقول إن هناك «أسراراً» يخشى الحزب كشفها، ولا توجد وثائق تثبت أن التمسك بهذه الحقائب مرتبط بإخفاء ملفات بعينها. مثل هذا الاستنتاج سيكون قفزة أبعد من الوقائع.

لكن توجد حقيقة أكثر قابلية للفحص: هذه الوزارات تمنح من يتولاها موقعاً مباشراً في صناعة وتنفيذ جزء كبير من السياسة الاقتصادية للدولة، وتراكم المسؤولية داخلها يمنح الحزب خبرة وشبكات ومعرفة بالملفات يصعب اختزالها في اسم الوزير وحده.

وهنا تبدأ قصة المالية.

منذ 2007، مرت وزارة الاقتصاد والمالية بمحطات حزبية متعددة. تولى صلاح الدين مزوار، عن التجمع الوطني للأحرار، الوزارة في حكومة عباس الفاسي ابتداء من أكتوبر 2007، بعد فتح الله ولعلو. ثم انتقلت إلى نزار بركة عن حزب الاستقلال بين يناير 2012 وغشت 2013، قبل أن يعود التجمع إلى الواجهة مع محمد بوسعيد، الذي استمر في المنصب إلى 2018.

بعد ذلك جاء محمد بنشعبون، ثم نادية فتاح التي تولت الحقيبة منذ 2021، إلى جانب فوزي لقجع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية. وتؤكد الصفحة الرسمية للحكومة المنتهية ولايتها أن نادية فتاح كانت وزيرة الاقتصاد والمالية وفوزي لقجع مكلفاً بالميزانية.

هذه السلسلة تكشف شيئاً أبسط من فكرة «السر»: وزارة المالية ليست حقيبة عادية في التفاوض الحكومي.

منها تمر قوانين المالية، والموارد والنفقات، والجبايات، والاقتراض، والبرمجة المالية، وجزء كبير من العلاقة بين الدولة والاستثمار والمؤسسات العمومية. ولذلك فإن انتقالها من حزب إلى آخر يعني انتقال مسؤولية سياسية مباشرة عن أدوات أساسية في إدارة الاقتصاد.

لهذا السبب يمكن فهم رغبة أي حزب في الاحتفاظ بها من زاوية سياسية ومؤسساتية، من دون الحاجة إلى افتراض وجود ملفات مخفية.

وفي حالة التجمع الوطني للأحرار، هناك عامل آخر: الحزب يعرف هذه الوزارة من الداخل منذ سنوات متفرقة، وليس فقط منذ حكومة 2021.

وهذا ما يجعل اسم نادية فتاح حاضراً في النقاش الحالي، خصوصاً بعدما أصبحت وزارة المالية مرتبطة بها سياسياً وإعلامياً خلال الولاية المنتهية.

أما التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، والذي جرى تداوله قبل الانتخابات، وتحدث فيه عن بقاء حقيبة المالية مع «لالة نادية» في حال فوز التجمع الوطني للأحرار، فإنه يكتسب اليوم قيمة سياسية باعتباره مادة متداولة تعكس كيف كانت الحقيبة تُناقش داخل المجال السياسي قبل الاقتراع. لكن لا ينبغي تحويل التسجيل، من دون سياقه الكامل وتوثيق ظروفه، إلى وثيقة تثبت وجود اتفاق حكومي مسبق أو قرار نهائي بشأن مستقبل الوزارة.

الفارق مهم.

فالحديث عن أحقية سياسية أو رغبة حزبية شيء، والقول إن الحقيبة حُسمت فعلاً شيء آخر.

ثم تأتي الفلاحة، وهنا تصبح المسألة أكثر وضوحاً من الناحية الزمنية.

منذ تعيين عزيز أخنوش وزيراً للفلاحة والصيد البحري في حكومة عباس الفاسي سنة 2007، بقي القطاع داخل المجال السياسي نفسه المرتبط بالتجمع الوطني للأحرار لسنوات طويلة. أخنوش ظل في الوزارة خلال حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، قبل انتقاله إلى رئاسة الحكومة سنة 2021.

حتى ذلك الانتقال لم يخرج القطاع من دائرة الحزب. تولى محمد صديقي الوزارة في الحكومة الأولى لأخنوش، ثم أصبح أحمد البواري وزيراً للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات بعد تعديل 2024، وهو المنصب الذي يظهر به في التشكيلة الرسمية للحكومة المنتهية ولايتها.

من 2007 إلى 2026، إذن، لم تنتقل وزارة الفلاحة إلى حزب آخر.

هذه مدة طويلة بما يكفي لجعل السؤال السياسي مختلفاً عن سؤال الأسماء.

فالوزارة راكمت سياسات وبرامج واستراتيجيات مرتبطة بالفلاحة والماء والتنمية القروية، كما راكم الحزب نفسه معرفة دقيقة بالقطاع وبالفاعلين فيه. وفي عهد أخنوش ارتبطت الوزارة أيضاً بمخططات كبرى للفلاحة، وبإدارة ملفات الاستثمار والتصدير وسلاسل الإنتاج والدعم.

ذلك لا يعني أن الوزارة «ملكية» لحزب، ولا أن استمرارها معه حق مكتسب. لا يوجد في الدولة شيء من هذا النوع.

لكنه يفسر لماذا يمكن أن تصبح الفلاحة إحدى أكثر الحقائب حساسية في أي مفاوضات جديدة: القطاع يعرف الحزب، والحزب يعرف القطاع.

وإذا كانت المالية هي مفتاح الموارد والسياسات الاقتصادية، فإن الفلاحة تحمل مفتاحاً آخر مرتبطاً بالإنتاج، والعالم القروي، والأمن الغذائي، والماء، والاستثمار الفلاحي.

لهذا يصعب التعامل مع الحقيبتين باعتبارهما مجرد وزارتين من بين عدد كبير من الوزارات.

أما السياحة، فقصتها مختلفة قليلاً.

هنا لا توجد الاستمرارية نفسها التي عرفتها الفلاحة، لكن حضور التجمع الوطني للأحرار كان متكرراً. محمد بوسعيد تولى وزارة السياحة والصناعة التقليدية سنة 2007 قبل انتقاله إلى وزارة الاقتصاد والمالية. وبعد مراحل تولى فيها القطاع وزراء من أحزاب أخرى، عادت الحقيبة إلى التجمع مع نادية فتاح العلوي سنة 2019، ثم أصبحت فاطمة الزهراء عمور، عن الحزب نفسه، وزيرة للسياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني منذ 2021. وتؤكد المعطيات الرسمية استمرار عمور في هذا المنصب ضمن الحكومة المنتهية ولايتها.

السياحة أقل ارتباطاً بفكرة «السيطرة على مفاتيح الدولة» من المالية، لكنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة قطاعاً اقتصادياً ذا وزن متزايد، خصوصاً مع ارتفاع رهانات المغرب على السياحة والاستثمارات المرتبطة بها والاستعدادات للاستحقاقات الدولية المقبلة.

لذلك، عندما توضع المالية والفلاحة والسياحة جنباً إلى جنب، تظهر صورة مختلفة.

ثلاث وزارات، لكن ثلاث وظائف سياسية واقتصادية مختلفة: المال العام والسياسة المالية، الفلاحة والمجال القروي والإنتاج، ثم السياحة والاستثمار المرتبط بالاقتصاد والخدمات.

وهنا يمكن فهم ما قد يكون جوهر تفاوض «الأحرار» في هذه المرحلة، من دون اختراع دوافع غير معلنة.

الحزب يريد، في حال مشاركته، ألا تتحول نتائج الانتخابات إلى قطيعة كاملة مع موقعه داخل الجهاز التنفيذي الذي بناه خلال السنوات الخمس الماضية. وفي المقابل، فإن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حصل على 97 مقعداً ويقود المشاورات، يدخل التفاوض وهو أمام أغلبية تحتاج إلى تحالفات، لا أمام حكومة يستطيع تشكيلها منفرداً. الأغلبية المطلقة تتطلب 198 مقعداً، ما يجعل توزيع الحقائب جزءاً من هندسة ائتلافية أوسع.

وهنا يصبح لكل حقيبة ثمن سياسي مختلف.

قد يكون حزب ما مستعداً للتنازل عن وزارة أقل حساسية مقابل الاحتفاظ بوزارة مالية. وقد يقبل حزب آخر بعدد أقل من الحقائب إذا حصل على قطاع يراه أساسياً لتنفيذ برنامجه. وقد يصبح اسم الوزير أقل أهمية من الحزب الذي ستوضع الوزارة تحت مسؤوليته.

أما الحديث عن «الأسرار» التي يخشاها التجمع الوطني للأحرار، فيحتاج إلى دليل مستقل حتى يصبح خبراً.

المتاح حتى الآن يثبت شيئاً آخر: التجمع الوطني للأحرار أمضى سنوات طويلة في المالية والفلاحة، وعاد أكثر من مرة إلى السياحة، ولذلك فإن فقدان هذه القطاعات، إذا حدث، لن يكون مجرد تبديل للوزراء. سيكون انتقالاً للمعرفة المتراكمة، ولشبكات العمل، وللملفات الجارية، وللمسؤولية السياسية عن سياسات بدأ الحزب تنفيذها أو الدفاع عنها.

وفي المقابل، فإن احتفاظه بها، إذا حصل، لن يعني أن الانتخابات لم تغير شيئاً.

فالانتخابات أعطت الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى، والاستقلال جاء ثالثاً بفارق مقعد واحد فقط عن التجمع الوطني للأحرار، بينما اختار حزب العدالة والتنمية المعارضة وفق ما أعلنته قيادته، واستمرت المشاورات مع عدد من الأحزاب الأخرى.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية حول هذه الوزارات لا تدور فقط حول أسماء الوزراء.

إنها تدور حول سؤال أبسط وأصعب في الوقت نفسه: هل ستكون الحكومة المقبلة استمراراً جزئياً لاقتصاد الولاية السابقة، أم أن نتائج 23 شتنبر ستترجم أيضاً إلى إعادة توزيع فعلية للحقائب التي تصنع القرار الاقتصادي؟

الجواب لن يأتي من التسريبات ولا من قوائم الوزراء المتداولة، وإنما من الاتفاق السياسي النهائي ثم من التعيينات الرسمية.

إلى ذلك الحين، تبقى المالية والفلاحة والسياحة من أكثر الأماكن التي يمكن أن تكشف، عملياً، مقدار التغيير الذي حملته الانتخابات إلى الحكومة الجديدة.