تحليل: رباعية عمّان.. هل تتحول الدبلوماسية الإقليمية إلى صمام أمان للشرق الأوسط؟

0
39
تحليل سياسي معمق يقرأ دلالات اجتماع الرباعية في عمّان بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وانعكاساته على أمن مضيق هرمز، والعلاقات الأميركية الإيرانية، ومستقبل القضية الفلسطينية وترتيبات الأمن الإقليمي.
اجتماع وزراء خارجية الدول الأربعة في عمان في 5 غشت (أغسطس/ آب) 2026 - مصدر الصورة: حساب وزارة الخارجية المصرية بموقع فيسبوك

في توقيت بالغ الحساسية، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمّان، على هامش الاجتماع الوزاري بشأن القدس، في خامس لقاء للآلية الرباعية التي بدأت تفرض نفسها تدريجياً بوصفها إحدى أبرز منصات التشاور الإقليمي. وبينما بدا البيان الرسمي حافلاً بعبارات التهدئة والتنسيق، فإن القراءة السياسية تشير إلى أن الاجتماع حمل رسائل عديدة تتعلق بإعادة رسم توازنات المنطقة بعد أشهر من التوتر العسكري الذي طال الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، في وقت لا تزال فيه القضية الفلسطينية تتصدر جدول الأعمال العربي والإسلامي.

ولم يعد اجتماع مصر والسعودية وتركيا وباكستان مجرد لقاء بروتوكولي. فالآلية الرباعية، التي شهدت زخماً متزايداً منذ اجتماع القاهرة في يونيو (حزيران) الماضي، أصبحت إطاراً للتنسيق السياسي بين أربع دول تمتلك ثقلاً سكانياً وعسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً مؤثراً في معادلات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وقد أكدت الاجتماعات السابقة أن الهدف يتجاوز تبادل وجهات النظر إلى بناء منصة دائمة للتشاور بشأن أزمات المنطقة، وفي مقدمتها الأمن الإقليمي، والملاحة الدولية، والقضية الفلسطينية.

واللافت في اجتماع عمّان أن الوزراء منحوا أولوية واضحة لملف مضيق هرمز، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية خليجية فحسب، بل أصبح مسألة ترتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي.

فالمضيق يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ومن هنا جاء تأكيد الوزراء على ضرورة ضمان حرية الملاحة، بالتوازي مع دعم العودة إلى مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في 18 يونيو (حزيران) 2026 باعتبارها إطاراً لخفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. وقد رأت الدول الأربع في تلك المذكرة خطوة بناءة نحو حماية أسواق الطاقة واستقرار التجارة العالمية.

وتأتي هذه المواقف في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى استمرار الجهود الأمريكية والقطرية والعُمانية لإعادة فتح هرمز بصورة مستقرة، وسط بقاء التوترات الأمنية حاضرة رغم التقدم الدبلوماسي.

ورغم تصاعد الملفات الأمنية، حرص الوزراء على إعادة التأكيد أن القضية الفلسطينية تظل مركزية في أي ترتيبات إقليمية.

وليس من قبيل المصادفة أن يصدر هذا الموقف من عمّان، بالتزامن مع الاجتماع الوزاري الخاص بالقدس، وفي ظل تصاعد المخاوف من الإجراءات الإسرائيلية في المدينة المقدسة، وما تثيره من توتر سياسي وديني في المنطقة. وتؤكد الدول الأربع أن أي سلام مستدام لن يتحقق دون إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو موقف ينسجم مع بيانات عربية وإسلامية مشتركة صدرت خلال الأشهر الماضية بشأن القدس وحماية الوضع التاريخي والقانوني للأماكن المقدسة.

وبالنسبة إلى القاهرة، يعكس الاجتماع استمرار سياسة تقوم على توسيع دوائر التنسيق الإقليمي بدلاً من الاكتفاء بالتحالفات الثنائية.

فمصر تحاول منذ سنوات بناء حوار بين القوى الإقليمية المتنافسة، وهو ما ظهر سابقاً في استضافة اجتماعات الرباعية وفي دعم التفاهم الأمريكي – الإيراني، إلى جانب استمرار دورها التقليدي في ملفات غزة وليبيا والسودان وأمن البحر الأحمر.

ويمنح هذا الدور القاهرة مساحة أوسع للموازنة بين علاقاتها الوثيقة مع دول الخليج وشراكاتها المتنامية مع تركيا وباكستان، في إطار سياسة تستهدف تقليل فرص الاستقطاب الإقليمي.

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد اجتماع عمّان هو ما إذا كانت هذه الآلية الرباعية تتجه تدريجياً إلى التحول من منصة تشاور إلى نواة لترتيبات أمنية وسياسية أوسع.

فالمنطقة تشهد منذ عامين تحولات متسارعة: تفاهمات أمريكية – إيرانية، تصاعد تهديدات الملاحة، إعادة تشكيل التحالفات، وتراجع الاعتماد على الأطر التقليدية وحدها لإدارة الأزمات.

وإذا نجحت الدول الأربع في تحويل اجتماعاتها الدورية إلى آلية مؤسسية ذات أجندة واضحة، فقد تصبح أحد أهم الأطر الإقليمية القادرة على احتواء الأزمات قبل انفجارها، خصوصاً في الملفات التي تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والاقتصاد.

غير أن نجاح هذه الآلية لن يقاس بالبيانات الختامية، بل بقدرتها على إنتاج نتائج عملية.

فدعم مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية يحتاج إلى التزام الأطراف المعنية بتنفيذها، وضمان أمن الملاحة يتطلب تنسيقاً ميدانياً، فيما يبقى الملف الفلسطيني مرهوناً بمدى استعداد المجتمع الدولي لإحياء مسار سياسي جاد.

لذلك، فإن اجتماع عمّان يمثل محطة مهمة في مسار الدبلوماسية الإقليمية، لكنه يظل بداية طريق طويل لا يزال يحتاج إلى إرادة سياسية جماعية، وآليات تنفيذية قادرة على تحويل التفاهمات إلى وقائع على الأرض.