لم تعد أحداث الهجرة الجماعية التي شهدها محيط مدينة سبتة في نهاية شهر يوليوز مجرد واقعة حدودية عابرة انتهت بانتهاء محاولات العبور، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها القضاء والتحقيق. فمع شروع المحكمة الابتدائية بتطوان في النظر في ملفات يتابع فيها 25 شخصا، وبالتوازي مع فتح القضاء الإسباني تحقيقا يبحث في احتمال وجود تنظيم أو تنسيق مسبق، تتغير طبيعة الملف بالكامل؛ إذ لم يعد السؤال يقتصر على من حاول العبور، وإنما أصبح يمتد إلى من حرك، ومن نسق، ومن وفر الوسائل، ومن صنع البيئة التي جعلت آلاف الأشخاص يتجهون في توقيت واحد نحو الحدود.
هذه النقلة تحمل دلالة قانونية وسياسية في آن واحد. ففي مثل هذه القضايا، لا يكون القضاء منشغلا فقط بتحديد المسؤوليات الفردية، وإنما بمحاولة إعادة تركيب المشهد كاملا، من نقطة انطلاقه الأولى إلى لحظة وصوله إلى الحدود. لذلك تبدو الملفات المعروضة أمام المحكمة وكأنها أجزاء من صورة أكبر، يسعى التحقيق إلى جمعها لاستخلاص ما إذا كانت الأحداث نتيجة قرارات فردية متزامنة، أم ثمرة عمل منظم استغل ظرفا استثنائيا.
ويكشف توزيع المتابعات أن النيابة العامة لم تعتمد مقاربة قانونية واحدة، بل فصلت بين الأفعال المنسوبة إلى كل مجموعة بحسب طبيعتها. فهناك من يواجه تهما مرتبطة بالعنف والعصيان وإهانة القوات العمومية وإتلاف الممتلكات العامة، بينما تركز ملفات أخرى على الاشتباه في تسهيل الهجرة السرية، أو توفير وسائل النقل والدعم اللوجستي، أو تنظيم عمليات التنقل نحو المناطق الحدودية. ويعكس هذا التقسيم إرادة قضائية في تفكيك الأدوار، وعدم التعامل مع جميع المتابعين باعتبارهم فاعلين في مستوى واحد من المسؤولية.
ومن الناحية القانونية، تبدو هذه المقاربة أقرب إلى استهداف “سلسلة الفعل” بكامل حلقاتها. فالهجرة غير النظامية، عندما تتحول إلى حركة جماعية واسعة، لا تقتصر على قرار فردي يتخذه مهاجر، بل قد تمر عبر مراحل متعددة تبدأ بالتأثير والإقناع، ثم التعبئة، ثم النقل، ثم التوجيه، ثم محاولة العبور. وكلما استطاع التحقيق إثبات وجود ترابط بين هذه الحلقات، انتقل الملف من مجرد مخالفات متفرقة إلى بحث في وجود شبكات أو تنظيمات تتقاسم الأدوار.
ومن هنا تكتسب المتابعات المرتبطة بوسائل النقل أهمية خاصة. فالنقل في مثل هذه الوقائع لا يُنظر إليه فقط كخدمة تقنية، وإنما قد يصبح – إذا أثبتت التحقيقات ذلك – جزءا من البنية اللوجستية التي سمحت بتجميع أعداد كبيرة في توقيت واحد ومكان واحد. ولذلك فإن البحث القضائي لا يتوقف عند وسيلة النقل ذاتها، بل يمتد إلى معرفة من طلبها، ومن مولها، ومن حدد وجهتها، وما إذا كانت العملية تمت بصورة عفوية أم وفق تنسيق مسبق.
غير أن أخطر ما تكشفه هذه التطورات هو أن التحقيق المغربي لم يعد يقرأ ما وقع باعتباره انفجارا اجتماعيا لحظيا فقط، وإنما باعتباره ظاهرة تداخلت فيها عوامل متعددة. فقد سبق لوزارة الداخلية أن أعلنت أن الأحداث لم تكن عفوية بالكامل، مشيرة إلى تفاعل حملات تضليل على مواقع التواصل الاجتماعي مع نشاط شبكات الاتجار بالبشر، إضافة إلى سوء فهم انتشر بشأن قرار قضائي إسباني يتعلق بإجراءات إعادة بعض المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر. وهنا يتحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة تواصل إلى عنصر يخضع هو الآخر لمنطق التحقيق والتحليل.
وهذه الإشارة بالذات تعكس تحولا مهما في فهم الدولة لطبيعة التهديدات المرتبطة بالهجرة. فبدلا من اختزال الأزمة في بعدها الأمني، أصبح النقاش يشمل أيضا صناعة الرواية الرقمية التي سبقت الأحداث. فالإشاعة، حين تصل إلى آلاف الهواتف في وقت قصير، قد تؤدي وظيفة التعبئة نفسها التي كانت تقوم بها سابقا الشبكات الميدانية، بل ربما تتجاوزها سرعة وتأثيرا.
وفي المقابل، تبدو الخطوة التي اتخذها القضاء الإسباني ذات دلالة موازية. فالمحكمة الوطنية لم تكتف بالنظر إلى ما حدث بوصفه ضغطا حدوديا، وإنما فتحت إجراءات أولية للبحث في فرضية وجود تنظيم إجرامي محتمل، وكلفت القاضية ماريا تاردون الشرطة الوطنية بإعداد تقرير يحدد ما إذا كانت عمليات العبور يومي 30 و31 يوليوز قد تمت نتيجة تحرك منسق، ومن هي الجهات أو الأشخاص الذين ربما شاركوا في التخطيط أو كانوا على علم به. وهذه الخطوة لا تعني إثبات وجود تنظيم، لكنها تعني أن القضاء الإسباني يرى أن الفرضية تستحق التحقيق.
واللافت أن مساري التحقيق، المغربي والإسباني، يلتقيان عند سؤال واحد، رغم اختلاف الاختصاص القضائي لكل طرف: هل كان ما وقع مجرد اندفاع جماعي ولدته الظروف الاجتماعية، أم أن هناك من لعب دورا في تحويل هذا الاندفاع إلى حركة منظمة؟ هذا الالتقاء لا يعني تطابق الاستنتاجات، لكنه يكشف أن الطرفين وصلا إلى قناعة أولية مفادها أن تفسير ما حدث لا يكتمل بالاعتماد على عامل واحد.
وفي العمق، تفتح هذه التطورات بابا أوسع يتعلق بطبيعة الهجرة غير النظامية في العصر الرقمي. فالشبكات لم تعد تحتاج دائما إلى تجمعات سرية أو لقاءات مباشرة، بل أصبحت قادرة على استخدام المنصات الرقمية لبناء قناعات جماعية، ونشر معلومات قد تكون مضللة أو غير مكتملة، وتحريك أعداد كبيرة في زمن قياسي. ولذلك أصبح التحقيق في الهواتف، والرسائل، والمنشورات، ومسارات التواصل، جزءا لا يقل أهمية عن التحقيق في الوقائع الميدانية نفسها.
لكن، في المقابل، يبقى من الضروري التمسك بالمبدأ القانوني الأساسي الذي يحكم جميع هذه الملفات، وهو قرينة البراءة. ففتح التحقيقات، أو توجيه الاتهامات، أو إحالة الأشخاص على القضاء، لا يعني ثبوت المسؤولية الجنائية، إذ إن الحسم النهائي يظل بيد القضاء بعد استكمال جميع مراحل المحاكمة وتمكين المتابعين من كامل حقوق الدفاع.
إن ما يجري اليوم في تطوان ومدريد يتجاوز مجرد محاكمات منفصلة. إنه محاولة لإعادة كتابة الرواية الكاملة لما وقع على حدود سبتة، انطلاقا من سؤال ظل مطروحا منذ الساعات الأولى للأحداث: هل كانت تلك الموجة نتيجة قرارات فردية متزامنة فرضتها ظروف اجتماعية واقتصادية، أم أنها كانت أيضا نتاج منظومة من التضليل والتنسيق والوساطة اللوجستية؟ الإجابة النهائية لم تصدر بعد، لكن المؤكد أن الملف انتقل من متابعة آثار الأزمة إلى البحث في جذورها، ومن التعامل مع النتائج إلى محاولة كشف الآليات التي صنعتها.