مشروع قانون المالية 2027.. عندما تتحول الميزانية إلى وثيقة لإعادة تعريف الدولة

0
119

في العادة، تُقرأ مشاريع قوانين المالية من زاوية الأرقام: حجم النفقات، نسب النمو، عجز الميزانية، أو الاعتمادات المخصصة للقطاعات الحكومية. غير أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يفرض قراءة مختلفة. فهذه الوثيقة لا تكتفي بتوزيع الموارد، بل تعيد ترتيب علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع، وتكشف عن الكيفية التي تريد بها السلطة العمومية إدارة المرحلة التي تسبق دورة سياسية جديدة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم ستنفق الحكومة؟ بل: أي نموذج دولة تحاول الميزانية تثبيته قبل أن يتوجه المغاربة مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع؟

تأتي هذه المذكرة في لحظة استثنائية من تاريخ المغرب الحديث. فالمملكة خرجت خلال أقل من خمس سنوات من أزمات متلاحقة: آثار جائحة كوفيد، سنوات الجفاف، التضخم العالمي، اضطراب سلاسل الإمداد، الحرب في أوكرانيا، تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ثم زلزال الحوز. وفي الوقت نفسه، كانت الدولة تطلق أكبر ورش اجتماعي في تاريخها عبر تعميم الحماية الاجتماعية، وتعيد هيكلة قطاع الصحة، وتستثمر بكثافة في البنيات التحتية استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030. ولذلك، فإن مشروع مالية 2027 لا يبدأ من نقطة الصفر، بل من حصيلة مرحلة كاملة تحاول الدولة تثبيت نتائجها قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة.

ومن هنا يمكن فهم الإحالة المباشرة على خطاب العرش، الذي دعا إلى “إطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي”. فالمذكرة لا تتعامل مع هذا التوجيه باعتباره مرجعاً بروتوكولياً، وإنما باعتباره الإطار السياسي الذي يمنح مشروع الميزانية معناه. إننا أمام انتقال من مرحلة بناء الإصلاحات إلى مرحلة حمايتها. وهذا الفرق جوهري، لأن الدول عندما تنتقل من التأسيس إلى التحصين، تصبح الأولوية ليست إطلاق الأوراش الجديدة، بل ضمان استدامتها مالياً ومؤسساتياً.

ولهذا السبب، وضعت الحكومة الاقتصاد في مقدمة الأولويات. لكن الاقتصاد هنا لا يُطرح باعتباره مجرد أداة لتحقيق النمو، بل باعتباره قاعدة لإنتاج السيادة. فالسيادة، في الخطاب الجديد للدولة، لم تعد تُختزل في حماية الحدود أو تعزيز القدرات العسكرية، وإنما أصبحت تشمل الأمن الغذائي، والأمن الصناعي، والأمن الطاقي، والأمن الصحي، وحتى الأمن اللوجستي. ومن يقرأ المذكرة بهذا المنظار يلاحظ أن كل المؤشرات التي استعرضتها، من صناعة السيارات إلى الفلاحة والسياحة والبنية التحتية، تصب في بناء مفهوم جديد للسيادة الاقتصادية.

وهنا تتداخل السياسة الداخلية مع الجغرافيا السياسية. فالعالم الذي كُتبت فيه ميزانية 2027 ليس هو العالم الذي كُتبت فيه ميزانيات ما قبل جائحة كورونا. اليوم، تتنافس الدول على إعادة توطين الصناعات، وتأمين المعادن الإستراتيجية، وإعادة رسم سلاسل الإنتاج العالمية. والمغرب يحاول أن يحجز لنفسه موقعاً داخل هذه الخريطة الجديدة، مستفيداً من قربه من أوروبا، ومن شراكاته مع الولايات المتحدة، ومن توسعه داخل إفريقيا، ومن المشاريع الكبرى مثل ميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء طنجة المتوسط، والاستثمارات المرتبطة بكأس العالم 2030.

لكن القراءة الأكثر عمقاً تكشف أن مشروع المالية ليس موجهاً إلى الأسواق وحدها، بل إلى الداخل السياسي أيضاً. فهذه آخر ميزانية كاملة قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وبالتالي فإنها تتحول تلقائياً إلى وثيقة تقييم غير معلنة للحصيلة الحكومية. ولهذا يلاحظ أن المذكرة لا تقدم فقط أولويات المستقبل، بل تعيد سرد إنجازات السنوات الماضية بطريقة تبني رابطاً منطقياً بين ما تحقق وما يُراد استكماله. إنها لا تقول للناخب إن الحكومة نجحت، لكنها تبني سردية تقود إلى هذا الاستنتاج.

غير أن هذه السردية تحمل في الوقت نفسه رسالة موجهة إلى المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية. فعندما تؤكد الحكومة استمرار الإصلاحات الهيكلية مع الحفاظ على توازنات المالية العمومية، فهي تعلن أن المغرب لن يسمح بأن تتحول الدولة الاجتماعية إلى عبء مالي يهدد الاستقرار الاقتصادي. إنها معادلة دقيقة بين توسيع الإنفاق الاجتماعي والحفاظ على الانضباط المالي، وهي إحدى أصعب المعادلات التي تواجه الاقتصادات الصاعدة اليوم.

ومن زاوية الاقتصاد السياسي، تبدو الدولة الاجتماعية نفسها وقد تغير معناها. فلم تعد تُقدم باعتبارها استجابة اجتماعية لمطالب الفئات الهشة فقط، بل أصبحت استثماراً طويل الأمد في الرأسمال البشري. فالصحة والتعليم والتكوين المهني لم تعد تُبرر بمنطق العدالة الاجتماعية وحده، وإنما بمنطق رفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي في سوق عالمي يقوم على المعرفة والمهارات.

وتكشف المذكرة أيضاً عن تحول آخر أقل ظهوراً، يتمثل في صعود البنية التحتية إلى مرتبة الأداة الجيوسياسية. فالطرق السيارة، والموانئ، والربط السككي، والمناطق الصناعية، لم تعد مشاريع تنموية معزولة، بل أصبحت أدوات لإعادة تموقع المغرب داخل شبكات التجارة العالمية. ولذلك، فإن الاستثمار في اللوجستيك لا يخدم الاقتصاد الوطني فقط، بل يخدم أيضاً رهان المملكة على أن تصبح منصة تربط أوروبا بإفريقيا والمحيط الأطلسي بالمتوسط.

غير أن أكثر ما يستحق التوقف عنده ليس ما ورد في المذكرة، وإنما ما غاب عنها. فهي لا تتوسع في الحديث عن المخاطر التي قد تواجه هذه الرؤية: تباطؤ الاقتصاد العالمي، الضغوط المناخية، استمرار شح الموارد المائية، التقلبات الجيوسياسية، أو التوترات التجارية الدولية. ويبدو أن الوثيقة اختارت التركيز على منطق تعبئة الفاعلين أكثر من منطق إدارة المخاطر، لأن وظيفتها الأساسية ليست تقديم تقرير تشخيصي، بل رسم اتجاه سياسي واقتصادي للمرحلة المقبلة.

في النهاية، لا يبدو مشروع قانون المالية لسنة 2027 مجرد قانون لتنظيم الإيرادات والنفقات. إنه محاولة لإعادة تعريف وظيفة الدولة المغربية في مرحلة تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، والتنمية بالسيادة، والاستثمار بالجغرافيا السياسية. وإذا كانت الميزانيات في الدول المستقرة تعكس خيارات حكومية، فإن ميزانية 2027 تبدو أقرب إلى وثيقة استراتيجية تسعى إلى تثبيت نموذج دولة جديد، عنوانه الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة القوة، ومن منطق اللحظة إلى منطق التموضع طويل المدى. غير أن نجاح هذا الرهان لن يقاس بما تتضمنه المذكرة من أهداف ومؤشرات، بل بقدرة السياسات العمومية على تحويل هذه الرؤية إلى أثر ملموس يشعر به المواطن، ويعزز في الوقت نفسه موقع المغرب داخل بيئة دولية تتغير بوتيرة غير مسبوقة.