المجلس الوطني للصحافة.. الذي نريد: لماذا تبدأ معركة الثقة بعد انتهاء معركة القانون؟

0
71

في مسار بناء المؤسسات، لا تكون القوانين هي المحطة الأخيرة، بل غالبًا ما تكون البداية الفعلية للاختبار. فالنصوص التشريعية تستطيع أن ترسم الحدود وتحدد الاختصاصات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الثقة أو تمنح الشرعية العملية للمؤسسات. ومن هذه الزاوية، لا يمثل صدور القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة مجرد تعديل قانوني، بقدر ما يفتح مرحلة جديدة سيكون فيها معيار النجاح هو كيفية تنزيل هذا القانون، وليس مجرد الاحتفاء بإصداره.

يقرأ إدريس شحتان هذه اللحظة باعتبارها نهاية لجدل قانوني طويل، لكنه يبعث، في العمق، برسالة مختلفة مفادها أن المغرب تجاوز مرحلة التشكيك في الإطار الدستوري للمجلس، وانتقل إلى مرحلة مساءلة قدرته على أداء الوظيفة التي أنشئ من أجلها. فبعد أن خضع المشروع لملاحظات المحكمة الدستورية وأعيدت صياغة مقتضياته بما يحقق الانسجام مع الوثيقة الدستورية، لم يعد السؤال هو: هل القانون دستوري؟ بل أصبح السؤال: هل سينجح هذا القانون في إنتاج مجلس يستعيد ثقة الجسم الصحافي والرأي العام؟

ومن هنا يبرز البعد السياسي للمقال. فالكاتب لا يتوقف طويلًا عند تفاصيل الصياغة القانونية، بل يختار أن يربط نجاح الإصلاح بطريقة تدبيره داخل مؤسسات الدولة. لذلك يحضر اسم وزير الشباب والثقافة والتواصل المهدي بنسعيد باعتباره جزءًا من مسار سياسي وإداري أفضى إلى إخراج القانون في صيغته النهائية. غير أن الرسالة الضمنية لا تتعلق بشخص الوزير في حد ذاته، بقدر ما تتعلق بفكرة أكثر عمقًا: أن الإصلاحات الكبرى لا تنجح فقط بامتلاك الإرادة السياسية، وإنما أيضًا بامتلاك القدرة على إدارة التوافقات داخل المؤسسات واحترام المساطر الدستورية، وهي الرسالة التي يحاول الكاتب تمريرها من خلال إبراز خصائص أسلوب التدبير أكثر من الاكتفاء بالإشادة بصاحبه.

واللافت أن المقال ينتقل سريعًا من الحديث عن الأشخاص إلى الحديث عن المؤسسة، وكأنه يريد أن يضع حدًا لثقافة اختزال الإصلاح في الأفراد. فالقانون، مهما كانت الجهة التي دافعت عنه، أصبح اليوم ملكًا للمؤسسة وللمهنيين، وأي تقييم له يجب أن ينطلق من النتائج التي سيحققها على أرض الواقع. وهذا التحول في زاوية النقاش يكشف أن الرهان الحقيقي لم يعد سياسيًا بقدر ما أصبح مؤسساتيًا.

وفي هذا السياق، يضع الكاتب التنظيم الذاتي للصحافة في قلب مشروع دمقرطة الدولة، وهي ليست عبارة إنشائية بقدر ما تعكس فلسفة دستورية تعتبر أن استقلال المهنة لا يتحقق فقط بحماية الصحافي من تدخل السلطة، وإنما أيضًا بقدرة المهنة على تنظيم نفسها بنفسها، وفق قواعد مهنية وأخلاقية تحمي حرية التعبير وتحمي في الوقت نفسه المجتمع من الانفلات المهني. لذلك يصبح المجلس الوطني للصحافة، في هذه القراءة، أكثر من هيئة إدارية؛ إنه إحدى آليات التوازن بين حرية الإعلام والمسؤولية المهنية.

لكن المقال يحمل أيضًا نقدًا غير مباشر للتجربة السابقة. فالكاتب لا يسمي الأطراف التي يعتبر أنها أضعفت صورة المجلس، غير أن حديثه عن ضرورة الاستفادة من النقائص يكشف أن الأزمة لم تكن في وجود المؤسسة، وإنما في طريقة اشتغالها وفي مستوى الثقة التي نجحت أو فشلت في بنائها. فالعديد من الخلافات التي عرفها القطاع خلال السنوات الماضية لم تكن مرتبطة فقط بتفسير النصوص، بل أيضًا بالشعور بأن المؤسسة لم تستطع دائمًا أن تقنع مختلف الفاعلين بأنها تقف على المسافة نفسها من الجميع.

ولهذا يركز المقال على أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة استعادة الثقة قبل أي شيء آخر. والثقة، في نظر الكاتب، لا تُستعاد عبر البيانات ولا عبر الخطابات، وإنما عبر قرارات قابلة للتحقق والمساءلة، تبدأ من احترام الآجال القانونية لتشكيل المجلس، ثم استكمال أجهزته الداخلية، والمصادقة على نظامه الداخلي وميثاق أخلاقيات المهنة، حتى يصبح قادرًا على ممارسة اختصاصاته بصورة مستقلة وفعالة.

غير أن أكثر الرسائل قوة في المقال تظهر عندما ينتقل إلى ملف الدعم العمومي. ففي الظاهر، يدعو الكاتب إلى نشر لوائح المستفيدين من الدعم، لكن القراءة بين السطور تكشف أن المقصود أعمق من مجرد نشر وثائق مالية. فالمقال يعيد طرح سؤال ظل حاضرًا في النقاش الإعلامي المغربي منذ سنوات: هل حقق الدعم العمومي الغاية التي أحدث من أجلها، وهي تقوية المقاولة الصحافية وتحسين أوضاع الصحافيين، أم أن جزءًا منه تحول إلى ريع جديد داخل القطاع؟

ولا يوجه الكاتب اتهاماته إلى جهة محددة، لكنه يراهن على قوة الشفافية نفسها. فحين تصبح المعطيات متاحة للجميع، تنتقل النقاشات من مستوى الاتهام إلى مستوى التحقق، ومن منطق الانطباعات إلى منطق الأرقام. وهنا تتحول الشفافية من قيمة أخلاقية إلى أداة للحكامة، لأن نشر المعلومات لا يهدف فقط إلى كشف الماضي، بل إلى حماية المستقبل أيضًا، عبر منع تكرار الاختلالات إن ثبت وجودها.

ومن خلال هذا الطرح، يعيد المقال تعريف وظيفة المجلس الوطني للصحافة. فهو لا يريده مؤسسة لتدبير الانتخابات المهنية فقط، ولا جهازًا للتأديب أو التحكيم، وإنما هيئة تضطلع أيضًا بحماية المال العام الموجه لتطوير القطاع، باعتبار أن استقلال الصحافة لا ينفصل عن نزاهة طرق تمويلها. فالصحافة التي تعتمد في جزء من مواردها على الدعم العمومي مطالبة، مثل باقي القطاعات، بالخضوع لمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويستثمر الكاتب مقتضيات القانون الجديد لتدعيم هذا التصور، خصوصًا ما يتعلق بإلزام المجلس بنشر اللوائح الانتخابية قبل موعد الاقتراع، وهو إجراء يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه يحمل دلالة مؤسساتية واضحة، إذ يوسع دائرة الرقابة المهنية ويمنح جميع المعنيين فرصة مراجعة اللوائح والطعن فيها عند الاقتضاء، بما يقلل من أسباب النزاع ويعزز شرعية العملية الانتخابية.

كما أن الصيغة الجديدة للمجلس، التي تجمع بين الانتخاب والانتداب والتعيين، لا تُقرأ باعتبارها مجرد توزيع للمقاعد، بل باعتبارها محاولة لتحقيق توازن بين شرعيات مختلفة داخل الحقل الإعلامي. فالصحافيون يمثلون الشرعية المهنية المباشرة، بينما يمثل الناشرون البعد الاقتصادي للمقاولة الصحافية، في حين يضمن التعيين حضور الخبرة والمؤسسات الدستورية. والغاية من هذا التنوع ليست إرضاء جميع الأطراف بقدر ما هي منع احتكار القرار داخل مؤسسة يفترض أنها تمثل مكونات القطاع كافة.

وتكتسب مساهمة الناشرين في تمويل المجلس، عبر الاشتراك السنوي المنصوص عليه قانونًا، بعدًا آخر يتجاوز توفير الموارد المالية. فهي تؤسس لمعادلة تربط بين الحقوق والواجبات؛ فمن يشارك في صناعة القرار المهني يشارك أيضًا في تحمل كلفة المؤسسة التي تنظم هذا القرار. وبهذا يتحول التمويل إلى أحد عناصر ترسيخ المسؤولية المشتركة، وليس مجرد التزام مالي.

وفي النهاية، يبدو أن الرسالة الأساسية التي يريد الكاتب إيصالها تتجاوز الدفاع عن قانون أو عن مرحلة سياسية بعينها. إنها دعوة إلى الانتقال من ثقافة الصراع حول المجلس إلى ثقافة بناء المجلس. فالقوانين يمكن تعديلها متى ظهرت الحاجة، أما الثقة فلا تُبنى إلا بالتراكم. وإذا استطاع المجلس الوطني للصحافة في صيغته الجديدة أن يجعل من الشفافية قاعدة، ومن الاستقلالية ممارسة، ومن أخلاقيات المهنة مرجعًا، فإنه لن يكون قد نجح فقط في تطبيق القانون 09.26، بل سيكون قد نجح في إعادة الاعتبار لفكرة التنظيم الذاتي نفسها، باعتبارها أحد الشروط الأساسية لترسيخ إعلام مهني، مستقل، ومسؤول، يخدم المجتمع قبل أن يخدم الفاعلين داخله.