ليست القضية أن البطالة بلغت 9.5 في المائة أو بقيت عند 13 في المائة. القضية أن مؤسستين من قلب الدولة، يفصل بين تقريريهما أقل من أسبوع، قدمتا للمغاربة روايتين مختلفتين عن الواقع نفسه. وحين تتعدد الروايات الرسمية حول ملف بهذا الحجم، لا يصبح الخلاف تقنيا فقط، بل يتحول إلى سؤال عن معنى الأرقام، وعن الرسالة التي يراد تمريرها من خلالها.
قبل أيام، وقف والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري ليقدم قراءة بدت أقرب إلى منطق الاقتصاد. قال إن النمو بلغ نحو 4 في المائة، وإن الاستثمار ارتفع، لكنه لم يخف الحقيقة التي يعتبرها جوهر المشكلة: الاقتصاد المغربي لم ينجح بعد في تحويل النمو إلى فرص شغل، لذلك بقيت البطالة في حدود 13 في المائة، وبقي المواطن عاجزا عن لمس التحسن الذي تتحدث عنه المؤشرات الكلية. كان ذلك اعترافا بأن النمو وحده لا يصنع الأمل، وأن الأرقام الاقتصادية تفقد قيمتها عندما لا تصل آثارها إلى سوق العمل.
ولم تمض أيام حتى خرجت المندوبية السامية للتخطيط برئاسة شكيب بنموسى لتعلن أن معدل البطالة، وفق مفهومها الإحصائي، انخفض إلى 9.5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026. ولم يكن الخبر عاديا، لأن الانخفاض المعلن لا يمثل مجرد تحسن طفيف، بل يرسم صورة مختلفة تماما عن تلك التي عرضها بنك المغرب. فجأة، بدا وكأن سوق الشغل يعيش واقعا آخر.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي. فإذا كانت البطالة قد تراجعت فعلا بهذا الحجم، فأين الحدث الاقتصادي الذي صنع هذا التحول؟ ما المشروع الصناعي الضخم الذي فتح عشرات الآلاف من فرص العمل؟ وأي برنامج حكومي جديد غيّر بنية التشغيل في بضعة أشهر؟ وأين انعكاس ذلك في المدن التي لا تزال المقاهي فيها تمتلئ بالشباب الباحث عن فرصة، وفي الأحياء التي أصبح فيها القطاع غير المهيكل الملاذ الأول للعيش، وفي موجات الهجرة التي لا تزال تكشف حجم الإحباط الاجتماعي؟ إن طرح هذه الأسئلة لا ينفي الرقم، لكنه يبحث عن تفسيره في الواقع.
ولذلك، فإن توقيت التقرير لا يقل أهمية عن مضمونه. فهو يأتي بعد أسابيع من عودة البطالة إلى واجهة النقاش الوطني، إثر مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة، التي أعادت إلى السطح سؤالا ظل مؤجلا: لماذا يقرر آلاف الشباب المخاطرة بحياتهم إذا كانت مؤشرات التشغيل تتجه فعلا نحو التحسن؟ هنا تصبح الأرقام جزءا من معركة السردية، لأن المجتمع لا يقرأ الإحصاءات بمعزل عن التجربة اليومية التي يعيشها.
والمفارقة أن تقرير المندوبية نفسه لا يرسم صورة وردية بالكامل. فهو يعترف بأن البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بلغت 27.2 في المائة، وأن النساء ما زلن الأكثر تضررا، وأن الوسط الحضري يواصل تسجيل أعلى المعدلات. وهي معطيات تقول، بطريقة غير مباشرة، إن قلب الأزمة لم يتغير، حتى وإن تغير المعدل العام.
واللافت أن مسار البطالة خلال السنوات الأخيرة كان يسير في اتجاه تصاعدي؛ من 11.8 في المائة سنة 2022، إلى 13 في المائة سنة 2023، ثم 13.3 في المائة سنة 2024، قبل أن يستقر عند 13 في المائة خلال 2025. لذلك، فإن الانتقال إلى 9.5 في المائة في فترة وجيزة لا يثير الجدل بسبب الرقم نفسه، بل بسبب التحول الذي يوحي به. فالتحولات الكبرى في سوق الشغل لا تحدث عادة بمعزل عن تغيرات اقتصادية كبرى يمكن رصدها وقياس آثارها.
وقد يكون جزء من هذا التباين راجعا إلى اختلاف المنهجية. فالمندوبية تعتمد التعريف الإحصائي للبطالة وفق معايير منظمة العمل الدولية، بينما ينظر بنك المغرب إلى التشغيل من زاوية أوسع ترتبط بقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية ومستدامة. غير أن اختلاف المنهج لا يلغي حقيقة أخرى، وهي أن المواطن لا يقارن بين المناهج، بل يقارن بين ما يسمعه وما يراه.
ولهذا، فإن جوهر النقاش لم يعد: هل الرقم 9.5 أم 13؟ بل أصبح: أي رقم ينجح في تفسير الواقع؟ فالدول لا تُقاس فقط بما تعلنه مؤسساتها من مؤشرات، وإنما أيضا بمدى تطابق تلك المؤشرات مع التجربة اليومية للمواطن. وعندما تتسع المسافة بين الإحصاء والإحساس، تصبح أزمة الثقة أكبر من أزمة البطالة نفسها.
في النهاية، لا تبدو القضية مواجهة بين شكيب بنموسى وعبد اللطيف الجواهري، ولا منافسة بين المندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب. إنها مواجهة بين سرديتين: سردية تقيس الاقتصاد بما تنتجه الجداول الإحصائية، وسردية يقيسها المواطن بما يعيشه في الشارع. وبين هاتين السرديتين، يبقى السؤال معلقا: هل تغير الواقع فعلا، أم تغيرت فقط الطريقة التي يُروى بها؟