جيهان لاماس: حين تتحول اللوحة إلى جغرافيا للروح وأفق للغياب

0
50
عمل فني لجيهان لاماس
لوحة فنية لجيهان لاماس

اللوحة باعتبارها إقامة في المجهول:

منذ أن تحرر الفن الحديث من سلطة المحاكاة وأوهام التمثيل المباشر للعالم، لم تعد اللوحة مجرد نافذة نطل منها على الواقع، بل أصبحت واقعاً موازيا يبتكر قوانينه الخاصة ويؤسس لمعناه المستقل. وفي هذا السياق تندرج تجربة الفنانة التشكيلية المغربية جيهان لاماس، باعتبارها واحدة من التجارب الشابة التي اختارت أن تجعل من العمل الفني مجالاً للبحث الوجودي والتأمل الروحي، وأن تحول اللون والخط والفراغ إلى لغة بديلة قادرة على التعبير عما تعجز الكلمات عن قوله.

إن المتلقي لأعمال جيهان لاماس، لا يجد نفسه أمام موضوعات مرئية واضحة أو أشكال قابلة للتسمية المباشرة، وإنما يدخل إلى فضاءات بصرية مشحونة بالإيحاءات والعلامات والأصداء الداخلية. إنها لوحات لا تقدم نفسها باعتبارها أجوبة جاهزة، بل باعتبارها أسئلة مفتوحة حول الذات والذاكرة والزمن والمصير الإنساني. ولهذا فإن الاقتراب من عالمها التشكيلي يقتضي تجاوز القراءة الوصفية السطحية نحو قراءة تأويلية تستنطق طبقات المعنى الكامنة خلف الكتل اللونية والانفعالات البصرية التي يحكمها الحدس بشكل أساس.

التجريد باعتباره فلسفة للرؤية لا مجرد أسلوب فني:

لا يمكن فهم تجربة جيهان لاماس انطلاقاً من مفهوم التجريد، بوصفه مجرد تخلٍّ عن الشكل الواقعي، لأن التجريد في أعمالها يتجاوز البعد التقني ليصبح رؤية للعالم وموقفاً من الوجود. إنها لا تحذف الشكل لأنها تعجز عن تمثيله، بل لأنها ترى أن الحقيقة الأعمق لا تسكن في المظهر الخارجي للأشياء، وإنما في جوهرها الخفي. لذلك تبدو اللوحات وكأنها محاولات متكررة للنفاذ إلى ما وراء المرئي، حيث تتراجع الأشياء لصالح آثارها النفسية والوجدانية. فالمتلقي لا يعثر على شجرة أو جبل أو جسد أو وجه، لكنه يشعر بحضورها الروحي في ثنايا اللون والحركة والفراغ. إذ تمارس الفنانة نوعا من الاختزال الجمالي الذي يحرر العمل الفني من عبودية المرجع وسطوته، ويمنحه استقلاليته بوصفه كيانا قائما بذاته. ومن هنا تكتسب أعمالها تلك الطاقة التأويلية العالية التي تجعل كل مشاهدة جديدة تجربة مختلفة، لأن اللوحة لا تفرض معناها على المتلقي بل تدعوه إلى المشاركة في إنتاجه.

الفنانة التشكيلية جيهان لاماس
الفنانة التشكيلية جيهان لاماس

اللون بوصفه لغة للانفعال وخرائط للوعي:

إذا كان الشكل قد انسحب إلى الخلف في أعمال جيهان لاماس، فإن اللون يتقدم ليصبح العنصر المركزي في بناء المعنى. فاللون هنا لا يزين السطح التشكيلي ولا يملأ الفراغات، وإنما يؤدي وظيفة وجودية عميقة. في اللوحة الأولى نلاحظ مواجهة بصرية بين كتلة برتقالية متوهجة ومساحات واسعة من الأزرق الداكن والبنفسجي والأسود. وهذه المواجهة لا يمكن اختزالها في بعدها الجمالي فقط، بل تحيل إلى صراع رمزي بين حالتين من الوجود: حالة الانبثاق وحالة الانطفاء، حالة الكشف وحالة الاحتجاب.

فالبرتقالي ليس مجرد لون دافئ، بل يبدو أشبه ببؤرة طاقة أو شمس داخلية أو نواة للحياة تتحدى ظلمات تحيط بها من كل الجهات. أما الأزرق والبنفسجي فيؤسسان فضاءً عميقا يذكر بعوالم الحلم والذاكرة واللاوعي. وبينهما يمتد الأبيض في اللوحة بوصفه منطقة عبور أو مصالحة أو إمكانية للخلاص. أما في اللوحة الثانية فإن هيمنة الأزرق والبنفسجي تمنح المشهد بعدا تأمليا وروحيا واضحا. غير أن الفنانة لا تسمح لهذه الألوان بالاستقرار داخل هدوء مطلق، إذ تخترقها خطوط سوداء حادة وانفجارات لونية صغيرة تخلق توترا داخليا يحفظ للعمل حيويته وديناميته. وهكذا يتحول اللون عند جيهان لاماس إلى لغة نفسية تتحدث عن الحالات الشعورية أكثر مما تتحدث عن الأشياء.

شعرية الفراغ أو بلاغة الصمت في التكوين التشكيلي:

من أبرز الخصائص الجمالية في هذه الأعمال ذلك الحضور القوي للفراغ. فالفراغ عند جيهان لاماس ليس مساحة مهملة أو منطقة محايدة، بقدر ما هو عنصر بنائي أساسي يشارك في إنتاج المعنى. إذ أنَّ العين حين تتجول داخل اللوحة تصادف مساحات واسعة من الضوء والبياض والشفافية، وكأن الفنانة تفسح المجال للصمت كي يتكلم. فكما يحتاج الشعر إلى البياض بين الكلمات، تحتاج لوحاتها إلى هذه المساحات الصامتة التي تمنح الألوان إمكانية التنفس والامتداد. ثم هناك هذا الاستخدام الذكي للفراغ الذي يحرر التكوين التشكيلي من الثقل البصري ويمنحه بعدا تأمليا يجعل المشاهد يشعر وكأنه أمام أفق مفتوح، لا أمام سطح مغلق. ولذلك تبدو أعمال الفنانة أقرب إلى فضاءات داخلية منها إلى صور محددة. فالفراغ هنا ليس غيابا، وإنما حضور من نوع آخر، حضور ما لا يمكن تمثيله، على مستوى اللون والخطوط والأشكال، بطريقة مباشرة.

الانسكابات اللونية وجمالية الزمن السائل:

تشكل الخطوط العمودية المنسكبة في اللوحة الأولى إحدى العلامات البصرية الأكثر أهمية في تجربة جيهان لاماس. فهي لا تؤدي وظيفة زخرفية أو تقنية فحسب، وإنما تحمل دلالات زمنية وشعرية عميقة. إذ تبدو هذه الخيوط البيضاء النازلة من أعلى اللوحة وكأنها آثار لمطر داخلي أو دموع كونية أو شلالات من الذاكرة. إنها تمنح العمل إحساسا بالحركة المستمرة وتكسر وهم الثبات الذي يميز اللوحة التقليدية. والأهم من ذلك أنها تجعل الزمن مرئيا. فالمتلقي يشعر بأن اللون لم يجف بعد، وأن العمل ما يزال في حالة تشكل مستمرة. وكأن الفنانة تريد أن تقول إن الوجود نفسه ليس حالة مستقرة، بل عملية دائمة من التحول والانسياب. وتلك تقنية أو رؤية فنية تجعل اللوحة حدثا زمنيا لا مجرد صورة ثابتة.

الحضور الشبحي للجسد في فضاءات التجريد:

رغم الطابع التجريدي للأعمال، فإن المتأمل يكتشف وجود إشارات خفية إلى الجسد الإنساني. ففي اللوحة الثانية على وجه الخصوص تتشكل خطوط سوداء طويلة توحي بأطراف أو أجساد أو ظلال بشرية تتوارى خلف الضباب اللوني. غير أن هذه الأجساد لا تظهر بشكل مكتمل، بل تبدو وكأنها أطياف أو ذكريات أو بقايا حضور كان قائما في الزمن ثم انمحى أو ظهر في حالة تشويش لوني. وهذا ما يمنح العمل بعدا إنسانيا عميقاً، لأن الجسد هنا لا يُقدَّم بوصفه كتلة مادية، وإنما بوصفه أثرا نفسيا وروحيا في آخر المطاف. إن الفنانة لا ترسم الجسد بل ترسم إحساسه أو بالأحرى الإحساس به في زمن اللوحة ومساحتها. ولا تقدم صورته الخارجية بل حضوره الداخلي. وهنا تكمن قوة التجريد التعبيري الذي يسمح بالتقاط الجوهر بدل المظهر المادي أو الخارجي المُعرّض للزوال.

بين العتمة والنور، جدلية الوجود الإنساني والمعنى:

يبدو أن ثنائية النور والعتمة تشكل إحدى الركائز الفكرية الأساسية في أعمال جيهان لاماس. فلوحات هاته المرحلة من تجربتها الفنية، قائمة كلها تقريبا على حوار مستمر بين مناطق مضيئة وأخرى معتمة. غير أن هذه الثنائية لا تُقدَّم بمنطق الصراع الأخلاقي البسيط بين الخير والشر، وإنما بمنطق التكامل الوجودي. فالعتمة ليست نفيا للنور، بل شرطا لظهوره. والنور لا يكتسب معناه سوى لأنه ينبثق من قلب الظلمة. ومن هنا يمكن قراءة هذه الأعمال باعتبارها تأملا بصريا في التجربة الإنسانية ذاتها، بما تنطوي عليه من تناقضات وتوترات وأحلام وانكسارات. إنها لوحات تتحدث عن الإنسان وهو يعبُر بين الضوء والظل، بين اليقين والشك، بين الفراغ والامتلاء.

البعد الصوفي والبحث عن المطلق في اللوحة:

تستدعي هذه الأعمال، في الكثير من لحظاتها وتجلياتها الدلالية وإجرائها التشكيلي L’arrangement plastique، أجواء التجارب الصوفية التي ترى العالم المادي مجرد قشرة تخفي وراءها حقيقة أعمق. فاللون هنا يتحول إلى نوع من الترتيل البصري، والخط يصبح أثرا لحركة روحية، والفراغ يغدو مجالا للتأمل والكشف. وليس من قبيل المصادفة أن تمنح الفنانة مساحة كبيرة للضوء الأبيض وللألوان الشفافة، لأن هذه العناصر ترتبط عادة بمفاهيم الصفاء والتجلي والانعتاق. ثم إنّ المتلقي يشعر أحيانا بأنه لا ينظر إلى لوحة بالمعنى التقليدي، بل إلى أثر تجربة روحية تحاول أن تمنح شكلا لما هو غير قابل للتجسيد. وهذا ما يجعل أعمال جيهان لاماس تتجاوز البعد الجمالي نحو أفق تأملي وفلسفي أرحب.

المادة التشكيلية وذاكرة الإنجاز:

من الناحية التقنية، تكشف الأعمال عن وعي كبير بإمكانات الخامة. فالفرشاة لا تستخدم لإنتاج سطح أملس ومتجانس، بل تترك آثارها واضحة داخل اللوحة. كما أن الطبقات اللونية المتراكمة والخدوش والتنقيطات والانسكابات تحتفظ جميعها بذاكرة عملية الإنجاز. وهذا يعني أن الفنانة لا تقدم النتيجة النهائية فقط، بل تسمح للمتلقي بأن يرى أثر الرحلة التي أدت إليها. فاللوحة تحتفظ بتاريخها الداخلي، وتكشف عن حوار مستمر بين الفنانة واللون والخامة أو المادة. إنها تقنية تجعل المادة شريكا في الإبداع لا مجرد وسيلة للتنفيذ.

جيهان لاماس أو البحث عن المعنى عبر اللون والمادة:

تكشف هذه الأعمال عن تجربة تشكيلية واعدة، تمتلك لغتها الخاصة ورؤيتها المتميزة. فهي تجربة لا تنشغل بتمثيل العالم بقدر ما تنشغل بالكشف عن طبقاته الخفية، ولا تسعى إلى إعادة إنتاج الواقع بل إلى إعادة اكتشافه من الداخل. ومن خلال اعتمادها على التجريد التعبيري، وعلى الطاقة الرمزية للون، وعلى بلاغة الفراغ والانسياب، تنجح جيهان لاماس في بناء عالم بصري غني بالإيحاءات والتأويلات. عالم يجعل من اللوحة فضاءً للحلم والذاكرة والتأمل، ومن الفن وسيلة للبحث عن الإنسان في أعماقه الأكثر غموضا بالأساس. إنها تجربة تؤكد أن التشكيل الحقيقي لا يكتفي بإمتاع العين، بل يدفع الفكر إلى التساؤل، والوجدان إلى الاهتزاز، والروح إلى إعادة اكتشاف علاقتها بالمجهول، على اعتبار أن “السؤال هو رغبة الفكر” بتعبير الناقد ألأدبي الفرنسي الاستثنائي موريس بلانشو.