الحركة الشعبية ترسم ملامح خطابها قبل 23 شتنبر: الهجرة والعدالة والإعلام في مواجهة الحكومة

0
69

بلاغ المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية، الصادر في الرباط يوم 18 غشت 2026، يضع أربع قضايا في واجهة خطابه السياسي قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر: الهجرة، والسياسات الموجهة للشباب، وأزمة مهنة المحاماة، وإعادة هيكلة المجلس الوطني للصحافة، قبل أن ينتقل إلى إعلان الجاهزية الانتخابية. وبين هذه الملفات خيط ناظم واضح يتمثل في تقديم الحزب نفسه باعتباره معارضاً للسياسات الحكومية القائمة، وداعياً إلى مراجعة اختيارات يعتبر أنها لم تعد قادرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

في ملف الهجرة، يتعامل الحزب مع موجات الهجرة نحو سبتة باعتبارها مؤشراً يتجاوز الجانب الأمني المباشر. فهو يشيد أولاً بالسياسة الوطنية في مجال الهجرة، ثم ينقل النقاش إلى وضع الشباب والبطالة والفوارق الاجتماعية والمجالية والرقمية والجيلية. الرسالة هنا أن الظاهرة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها تحدياً أمنياً أو حدودياً، وإنما باعتبارها انعكاساً لأزمة أوسع في العلاقة بين الأجيال الجديدة وفرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي. لذلك يقترح الحزب ما يسميه «وقفة وطنية جماعية» لتشخيص الاختلالات والانتقال من تدبير الهشاشة إلى بناء سياسات اجتماعية وتنموية أكثر استدامة.

لكن الأهم في هذا الجزء هو أن الحركة الشعبية تربط بين الهجرة وبين مفهوم «مغرب السرعتين». فهذا التعبير ينقل النقاش من حالة شبابية محددة إلى سؤال العدالة المجالية والاجتماعية: من يستفيد من فرص التنمية، ومن يبقى خارجها؟ ومن هنا تأتي إحالة الحزب إلى التعليم والتكوين والصحة والتشغيل والتنمية الترابية وإلى النموذج التنموي الجديد، في محاولة لوضع الأزمة الاجتماعية ضمن إطار سياسي أوسع، عنوانه الحاجة إلى تعاقد مجتمعي جديد.

الملف الثاني، المتعلق بمهنة المحاماة، يأخذ اتجاهاً أكثر مباشرة في مواجهة الحكومة. فالحزب يعتبر أن الاحتقان الذي رافق الإطار القانوني للمهنة وصل إلى طريق مسدود بسبب ما يصفه بالمقاربة الحكومية الانفرادية و«الاستقواء العددي». ويطالب باستعمال مختلف المساحات الدستورية والقانونية المتاحة للوصول إلى صيغة توافقية تحفظ حقوق المحامين وتراعي في الوقت نفسه مصلحة القضاء والمتقاضين.

ويحاول البلاغ هنا توسيع دائرة القضية، إذ يضع أزمة المحاماة إلى جانب ملفات الصحافة والإعلام والعدول والخبراء القضائيين والأطباء والممرضين وأسرة التعليم، فضلاً عن احتجاجات الشباب والاحتجاجات ذات الطابع المجالي والفئوي وتداعيات غلاء الأسعار. وبهذا الانتقال، تصبح القضية بالنسبة إلى الحزب جزءاً من صورة أشمل عن علاقة الحكومة بالمجتمع المهني والاجتماعي، وعن قدرة السلطة التنفيذية على إدارة الملفات التي تتطلب تفاوضاً وتوافقاً بدل الاكتفاء بالأغلبية العددية.

أما الصحافة والإعلام، فيحتلان موقعاً خاصاً في البلاغ، بالنظر إلى استحضار الحزب مرجعيته التاريخية في الدفاع عن التعددية والحريات العامة والتشريعات المنظمة للأحزاب والجمعيات والصحافة والنشر. ويضع الحزب إنجاح هيكلة المجلس الوطني للصحافة ضمن معركة أوسع حول استقلال التنظيم الذاتي للمهنة، والدعم العمومي، وحقوق الصحافيين والناشرين، والإصلاح الشامل لقطاع الإعلام.

وفي هذه النقطة تحديداً، يربط البلاغ بين الماضي السياسي للحركة الشعبية ودورها الحالي في المعارضة المؤسساتية. فالحزب لا يقدم موقفه من المجلس الوطني للصحافة باعتباره ملفاً تقنياً منفصلاً، بل باعتباره امتداداً لموقف سياسي يقول إن إصلاح الإعلام ينبغي أن يحمي استقلال المهنة ووظائفها الرقابية وأن يضع قواعد واضحة للدعم العمومي وتكافؤ الفرص بين المهنيين والناشرين. وبذلك يتحول المجلس الوطني للصحافة إلى إحدى ساحات النقاش حول شكل العلاقة المستقبلية بين الدولة والإعلام.

الجزء الأخير من البلاغ يضع هذه الملفات جميعها داخل سياق الانتخابات التشريعية المقبلة. فالحركة الشعبية تعلن جاهزيتها لخوض الاستحقاق بمرشحين ومرشحات يجمعون، بحسب تعبيرها، بين الخبرة والأجيال الجديدة ومختلف الفئات المجتمعية، وتدعو في الوقت نفسه إلى تكافؤ الفرص وتخليق الحياة السياسية واحترام القواعد القانونية المنظمة للعملية الانتخابية.

غير أن الدلالة السياسية الأوضح تظهر في الطريقة التي يصف بها الحزب المرحلة التي ستلي 23 شتنبر. فهو يدعو إلى تقييم وتقويم حصيلة الحكومة الحالية، ويطرح إفراز تمثيلية مؤسساتية جديدة باعتبارها مدخلاً لإعادة بناء الثقة في المسار المؤسساتي والتنموي. وهنا تنتقل لغة البلاغ من نقد ملفات محددة إلى وضع الانتخابات نفسها باعتبارها لحظة لتقييم تجربة الحكومة وإعادة ترتيب التوازنات السياسية.

بهذا المعنى، يكشف البلاغ عن محاولة لربط القضايا التي تبدو منفصلة في ظاهرها: الهجرة تصبح مدخلاً إلى سؤال الشباب والتنمية؛ وأزمة المحاماة تتحول إلى نقاش حول منهجية تدبير الحكومة للملفات المهنية والحقوقية؛ وإصلاح الصحافة يصبح جزءاً من معركة حول استقلال المؤسسات المهنية؛ ثم تأتي الانتخابات باعتبارها الإطار الذي يمكن أن تُختبر داخله هذه المواقف سياسياً.

لكن قوة هذا الخطاب ستظل مرتبطة بقدرته على الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى تقديم بدائل قابلة للقياس والتنفيذ. فالدعوة إلى تعاقد مجتمعي جديد، وتنمية ترابية متوازنة، وإصلاح التعليم والتشغيل والصحة، وتخليق الحياة السياسية، كلها عناوين كبيرة تحتاج إلى سياسات محددة ومؤشرات واضحة وموارد وآليات تنفيذ. وهذه هي النقطة التي ستفصل، في النهاية، بين خطاب انتخابي يصف الأزمة وخطاب سياسي يستطيع إقناع الناخب بأن لديه تصوراً عملياً لما بعدها.

وقبل أسابيع قليلة من موعد الاقتراع، يبدو أن الحركة الشعبية اختارت أن تجعل من نقد الحصيلة الحكومية وإعادة طرح أسئلة الشباب والعدالة الاجتماعية والحريات المهنية والإعلامية محاور مركزية في خطابها. أما الاختبار الحقيقي لهذا الخطاب، فسيكون في قدرته على تحويل هذه القضايا من عناوين سياسية إلى التزامات وبرامج يمكن مساءلة أصحابها عنها بعد الانتخابات.