من الجالية إلى الفاعل: «مبادرة المغرب كندا» تبحث عن موقعها في مغرب يتغير

0
67

في مدينة لافال الكندية، وفي أجواء الاحتفال بعيد العرش، اختارت جمعية «مبادرة المغرب كندا» أن تفتح نقاشاً يتجاوز المناسبة في عنوانه ومضمونه: «المغرب اليوم – رؤى ومشاريع كبرى في عهد جلالة الملك محمد السادس». واللافت في هذا الاختيار أن اللقاء لم يضع الجالية في موقع المتلقي الذي يستمع إلى عرض عن بلد الأصل، بل حاول أن يضعها أمام سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن لمغاربة كندا أن يفهموا التحولات التي يعيشها المغرب، ثم يحولوا هذا الفهم إلى حضور وتأثير ومبادرة؟

هذا السؤال هو الذي يعطي الندوة قيمتها الحقيقية. فالمبادرة، كما تقدم نفسها، تشتغل على ربط الكفاءات المغربية في كندا، وفتح مساحات للتواصل والتعاون وخلق الفرص، بما يجعلها أقرب إلى منصة مدنية تسعى إلى تنظيم طاقة الجالية بدل الاكتفاء بالاحتفاء بها.

في هذا السياق، جاءت مداخلة عزيز رباح لتضع التحولات المغربية ضمن مسار زمني طويل، يبدأ من مرحلة تقييم الدولة وإعادة بناء الثقة وإطلاق الأوراش الكبرى، ويمر بمرحلة الشراكات وترسيخ المشاريع، وصولاً إلى رهانات السيادة الاقتصادية والطاقية والانفتاح الإفريقي والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى. أما عبد الرحمن بوخفة فاختار زاوية أخرى، ركزت على تحديث الدولة، والتحول المؤسساتي، والتعددية الثقافية، والسياسات الاجتماعية، وتنويع الاقتصاد والربط الترابي والامتداد الإفريقي.

لكن القيمة التحليلية للعرضين لا تكمن فقط في تعداد المشاريع. فالمغرب الذي قُدم أمام الحاضرين هو مغرب ينتقل من منطق بناء البنية الأساسية إلى سؤال أصعب: كيف يتحول الاستثمار في الطرق والموانئ والسكك والطاقات والصناعة إلى أثر ملموس في حياة الإنسان؟ وهنا تظهر أهمية انتقال الخطاب من «ماذا أُنجز؟» إلى «كيف يُدار ما أُنجز؟».

ولهذا بدت الحكامة والعدالة المجالية والشباب والأسرة والجودة في الخدمات العمومية حاضرة في النقاش. وهي عناصر تكشف أن الجالية نفسها لم تعد تكتفي بسرد نجاحات المغرب، بل بدأت تطرح الأسئلة التي تطرحها المجتمعات الحديثة على الدولة: أين يصل أثر التنمية؟ من يستفيد منها؟ كيف تُقاس النتائج؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تحقق المشاريع أهدافها؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما ننظر إلى موقع كندا في المشهد المغربي الراهن. ففي أبريل 2026 أعلنت أوتاوا اعترافها بمخطط الحكم الذاتي المغربي كأساس لحل مقبول للأطراف، واعتبرته مبادرة جادة وذات مصداقية من أجل تسوية عادلة ومستدامة للنزاع. هذا التحول يمنح وجود جالية مغربية منظمة وفاعلة في كندا بعداً إضافياً؛ فالدبلوماسية لا تُصنع فقط داخل الوزارات والسفارات، وإنما تتشكل أيضاً من خلال المعرفة، والعلاقات، والصورة التي تحملها الجاليات عن بلدها وقدرتها على التواصل مع محيطها.

من هنا تكتسب عبارة «الدبلوماسية الموازية» التي حضرت في النقاش معناها العملي. فالدبلوماسية الموازية الناجحة لا تختزل في الدفاع الخطابي عن الثوابت الوطنية، وإنما تحتاج إلى كفاءات قادرة على النقاش داخل الجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام ومجالات الأعمال والمجتمع المدني. وتحتاج كذلك إلى جالية تعرف المغرب كما هو، بما له من مكاسب وما يواجهه من تحديات، لأن المصداقية تبدأ من القدرة على الجمع بين الاعتزاز والنقد المسؤول.

والأهم أن «مبادرة المغرب كندا» تبدو أمام فرصة للانتقال من تنظيم الندوات إلى بناء شبكة فعلية. فالحديث عن الشباب والأسرة والكفاءات والاستثمار وتدبير المشاريع والدبلوماسية الموازية يمكن أن يتحول إلى برامج قابلة للقياس: ربط الخبرات المغربية والكندية، مواكبة حاملي المشاريع، نقل المعرفة، تأطير الشباب، تشجيع الاستثمار في المغرب، وتكوين جيل جديد من الفاعلين القادرين على تمثيل المغرب في المجال العام الكندي.

وهنا تحديداً ينبغي أن تُقرأ مشاركة الشباب والكفاءات الصاعدة في اللقاء. تقديم النماذج الناجحة ليس غاية في حد ذاته؛ قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحول النموذج الفردي إلى شبكة، والشبكة إلى فرصة، والفرصة إلى مشروع. فالجالية التي تملك الكفاءات والموارد والعلاقات لا ينبغي أن تبقى مجرد خزان للتحويلات المالية أو مناسبة موسمية للاحتفال بالانتماء.

الرسالة الأعمق التي خرجت بها الندوة، إذن، هي أن علاقة مغاربة كندا بالمغرب تدخل مرحلة مختلفة. المغرب نفسه يوسع موقعه الاقتصادي والدبلوماسي والإفريقي، وكندا أعادت في 2026 صياغة موقفها من واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للمملكة. وفي المقابل، تحتاج الجالية إلى أدوات جديدة تجعل حضورها متناسباً مع حجم التحولات التي يعرفها بلدها.

من هذه الزاوية، تصبح «مبادرة المغرب كندا» مطالبة بأن تجعل من الندوة بداية لمسار، لا خاتمة لنشاط. قوتها المستقبلية لن تقاس بعدد الحاضرين أو أسماء المتدخلين، بل بقدرتها على تحويل الحوار إلى مبادرات، والكفاءات إلى شبكات، والشبكات إلى مشاريع، والانتماء إلى فعل مدني وتنموي ودبلوماسي.

فالمغرب الذي كان موضوعاً للحديث في لافال هو في الوقت نفسه المغرب الذي يتغير في الداخل ويعيد ترتيب موقعه في الخارج. والسؤال الذي يواجه مبادرة مغربية في كندا ليس كيف تتحدث عن هذا المغرب، وإنما كيف تصبح جزءاً من قصته.