بنغازي أبعد من بطولة عربية: ماذا يريد لحسن الهلالي قوله عن مستقبل المواي طاي؟

0
64

حين يتحدث لحسن الهلالي، المدير الفني للاتحاد العربي للمواي طاي، عن بطولة الشباب المرتقبة في بنغازي من 20 إلى 27 غشت الجاري، فإنه يقدم في ظاهر كلامه موعداً تنافسياً جديداً في أجندة الرياضة العربية. لكن قراءة التصريح في سياقه تكشف أن البطولة تؤدي وظيفة أكبر من تحديد مكان المنافسة وموعدها: إنها مناسبة للحديث عن انتقال المواي طاي العربي إلى مرحلة جديدة، عنوانها التقارب الفني، توسيع قاعدة المواهب، والاستعداد المبكر للمنافسات الدولية.

اختيار بنغازي نفسها يحمل دلالة في هذا السياق. فبعد تجربة طرابلس، تتجه البطولة إلى مدينة ليبية أخرى لتؤكد، وفق الخطاب الذي يقدمه الهلالي، أن استضافة المنافسات العربية لم تعد مرتبطة بمركز واحد، وأن الرياضة قادرة على صناعة فضاءات جديدة للتجمع والتنافس. وفي مارس الماضي، كان الهلالي قد شارك في الرباط في جلسة عمل مع رئيس الاتحاد الليبي للكيك بوكسينغ والمواي طاي لمناقشة التحضيرات للاستحقاق العربي في ليبيا، بما يعكس وجود مسار تحضيري سابق للحدث وليس مجرد موعد عابر في الأجندة.

لكن الرسالة الأهم تظهر عندما يتحدث الهلالي عن المستوى الفني للأبطال العرب. فهو لا يقدم البطولة باعتبارها سباقاً تقليدياً على الميداليات، بل يركز على أن الفوارق بين المنتخبات أصبحت أضيق، وأن المنافسة باتت مفتوحة على احتمالات أوسع. وهذه العبارة تحمل في جوهرها اعترافاً بأن المواي طاي العربي لم يعد يتحرك بمنطق منتخبات قوية وأخرى تكتفي بالمشاركة، وإنما أمام مشهد تتسع فيه دائرة المنافسين، وهو ما يرفع قيمة البطولة نفسها ويجعل نتائجها أكثر دلالة.

من هنا ينتقل التصريح من البطولة إلى ما بعدها. بنغازي، وفق رؤية الهلالي، ليست محطة نهائية وإنما مختبر قصير المدى قبل الاستحقاقات العالمية المقبلة، وعلى رأسها بطولة العالم للشبان المقررة في اليونان في نونبر. وهذه النقلة مهمة، لأنها تكشف أن الرهان الحقيقي ليس على عدد الميداليات التي ستوزع في ليبيا، بل على اكتشاف عناصر تستطيع بعد أشهر قليلة الانتقال من المنافسة العربية إلى المستوى العالمي. البطولة تصبح بذلك جزءاً من سلسلة إعداد، لا حدثاً منفصلاً.

وهنا تحديداً يمكن فهم كثافة حديث الهلالي عن الشباب والمواهب. فالفئات العمرية الصغرى هي المكان الذي تُبنى فيه قوة الرياضة قبل أن تظهر في النتائج الكبرى. عندما تتحدث مؤسسة رياضية عن صقل المواهب والاحتكاك واكتساب الخبرة، فهي تتحدث عملياً عن الاستثمار في المستقبل، وعن محاولة صناعة قاعدة مستمرة من الأبطال بدلاً من الاعتماد على أسماء محدودة تظهر في دورة وتختفي في أخرى.

هذه الرؤية لا تنفصل عن التحول الذي عرفه الحضور العربي في المواي طاي خلال السنوات الأخيرة. ففي البطولة العربية التي احتضنتها أبوظبي سنة 2023، توج المنتخب المغربي بطلاً بعد إحرازه تسع ميداليات، بينها خمس ذهبيات، كما حصل مدربه لحسن واسو على جائزة أفضل مدرب للمرة الثانية على التوالي. كما أن الاتحاد العربي أعاد في 2025 انتخاب عبد الله سعيد النيادي رئيساً، مع توسيع تركيبته التنفيذية بمشاركة ممثلين عن عدة اتحادات عربية، من بينها المغرب وليبيا ومصر وفلسطين والعراق والإمارات.

غير أن الأهم في تصريح الهلالي ربما يكمن في ما لم يقله. فهو لا يدخل في تفاصيل المشهد الوطني المغربي، ولا يقيم وضع المواي طاي داخل المغرب، ولا يحاول الدفاع عن حصيلة وطنية بعينها. اختار بدلاً من ذلك مساحة أوسع: الاتحاد العربي، المنتخبات العربية، المنافسة الدولية، والشباب. وهذا الاختيار يمنح كلامه بعداً مختلفاً؛ إذ يبدو كأنه يقول إن تقييم تطور الرياضة لا ينبغي أن يبقى محصوراً في النقاش الوطني، وأن الخبرة الفنية يمكن أن تتحول إلى قيمة أوسع عندما تصبح جزءاً من مشروع إقليمي.

ولعل هذا هو السبب في أن إشادته بقيادة الاتحاد العربي ورئيسه عبد الله النيادي تأتي في نهاية التصريح، لا في بدايته. فالإشادة هنا ليست مجاملة منفصلة عن السياق، وإنما تثبيت لفكرة أن النتائج التي يتحدث عنها الهلالي مرتبطة، في نظره، برؤية مؤسساتية وعمل متواصل. أي أن صعود المواي طاي العربي، كما يريد أن يقدمه، ليس نتيجة مواهب فردية فقط، وإنما ثمرة بناء مؤسساتي للبطولات والمنتخبات والتكوين والاحتكاك الدولي.

في المقابل، يبقى السؤال المغربي حاضراً حتى عندما لا يُذكر. فإذا كان الخطاب يتحدث عن تطور عربي واضح، وعن مواهب جديدة، وعن استعداد لمنافسات عالمية، فإن السؤال الطبيعي يصبح: أين يقف المغرب داخل هذا المسار؟ وهل يستطيع تحويل رصيده التاريخي وخبرته الفنية إلى مشروع مستدام، أم أن بعض الكفاءات والخبرات ستجد مجالاً أوسع للتعبير عن نفسها داخل المؤسسات العربية والدولية؟

لهذا تبدو بطولة بنغازي، في قراءة ما بين سطور تصريح لحسن الهلالي، أكبر من مجرد موعد رياضي. إنها فرصة لقياس مرحلة جديدة في المواي طاي العربي، وفي الوقت نفسه مناسبة لإعادة طرح سؤال أكثر حساسية: عندما تتقدم الرياضة في محيطها الإقليمي، هل تكفي النتائج الفردية والوطنية المتفرقة للحكم على قوة المنظومة، أم أن المعركة الحقيقية أصبحت في القدرة على بناء مؤسسات تحفظ المواهب، وتطور الكفاءات، وتحوّل الخبرة إلى مشروع طويل المدى؟

الهلالي لا يطرح السؤال بهذه الصراحة. لكنه، باختياره الحديث عن بنغازي، وعن الشباب، وعن العالم، وعن صناعة أبطال المستقبل، يضعه على الطاولة.