أوزين يعود إلى مراكش ليقول لخصومه: الحركة الشعبية لا تستعد للانتخابات… بل للعودة إلى القرار..من المعقل الحركي إلى «مغرب التملك»: ماذا أراد أمين عام الحركة الشعبية أن يقول من مراكش؟
لم يكن اختيار محمد أوزين لمراكش مجرد اختيار جغرافي للقاء تواصلي جديد. المدينة التي احتضنت مساء الجمعة 21 غشت لقاء «Let’s Talk» كانت محطة سياسية وتنظيمية في قلب استعدادات الحركة الشعبية للانتخابات التشريعية المقبلة، بحضور قيادات وأطر ومناضلين ووكلاء اللوائح الانتخابية بجهة مراكش–آسفي. والأهم أن اللقاء تزامن مع تقديم عدد من مرشحي الحزب بالجهة، بما يجعل المشهد أقرب إلى اختبار للقوة التنظيمية في إحدى المناطق التي يريد الحزب أن يظهر فيها أنه قادر على خوض المعركة من موقع المبادرة لا من موقع انتظار نتائجها.
لكن الرسالة التي خرجت من مراكش لم تتوقف عند رص الصفوف أو تقديم المرشحين. أوزين اختار أن يضع فوق المشهد التنظيمي عنواناً سياسياً أكبر: السكن. وهنا تصبح عبارته عن الانتقال من «مغرب الكراء إلى مغرب التملك» أهم من تفاصيل البرنامج نفسه، لأنها تكشف الطريقة التي يريد بها الأمين العام للحركة الشعبية أن يخوض المعركة: تحويل قضية يومية تمس الأسرة مباشرة إلى عنوان سياسي يختصر تصوراً للدولة الاجتماعية.
فالمواطن الذي يدفع الكراء كل شهر لا يعيش مشكلة عقارية فقط؛ إنه يعيش إحساساً بأن جزءاً كبيراً من دخله يذهب إلى تأمين الحاضر من دون أن يتحول إلى ملكية للمستقبل. ولذلك جاء اقتراح احتساب جزء من واجبات الكراء ضمن مسار التملك ليعطي للإنفاق الشهري معنى مختلفاً: أن يؤدي المواطن اليوم، لكنه يبني في الوقت نفسه أصلاً يملكه غداً. هنا بالضبط تكمن القوة السياسية في الفكرة، لأنها تنقل النقاش من مقدار الدعم الذي تمنحه الدولة إلى نوع العلاقة التي تريد الدولة أن تبنيها بين المواطن والملكية.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي اختزال خطاب مراكش في «برنامج للسكن». أوزين يحاول أن يقدّم نفسه وحزبه كطرف يريد الانتقال من سياسة تدبير الاختلالات إلى سياسة صناعة أفق جديد. ولذلك جمع في تصوره بين العقار العمومي، والضمان العمومي للتمويل، وتخفيض كلفة البناء، والسكن الميسر، والكراء الاجتماعي، والتمويل طويل الأمد. وقد حدد، بحسب ما نُقل عن مداخلته، مساراً يبدأ بالتسجيل ثم الاستفادة ثم التملك، مع توسيع دائرة المستفيدين لتشمل فئات من الشباب والموظفين والأسر ذات الدخل المتوسط التي لا تتوفر على سكن مملوك.
وهنا يتحول الخطاب من شعار انتخابي إلى اختبار سياسي حقيقي. فالفكرة جذابة، لكن قيمتها لن تُحسم بالتصفيق لها، وإنما بقدرتها على الإجابة عن الأسئلة الصعبة: من سيمول؟ ما طبيعة الضمان؟ كيف سيحدد الجزء المحتسب من الكراء ضمن الملكية؟ ماذا سيحدث عند فقدان الدخل؟ وكيف ستتم حماية المستفيد من ارتفاع أسعار العقار؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من الفكرة، بل هي التي يمكن أن تنقلها من وعد انتخابي إلى سياسة عمومية قابلة للمساءلة.
وإذا كان هذا هو الوجه الاجتماعي للقاء، فإن وجهه السياسي كان أكثر وضوحاً. أوزين لم يأت إلى مراكش ليتحدث باسم الحركة الشعبية فقط؛ جاء إلى واحدة من ساحاتها الانتخابية ليقدم مرشحيها ويؤكد أن الحزب يدخل المرحلة الأخيرة قبل الاستحقاق وهو يراهن على التنظيم والقرب والكفاءات. وتكشف المعطيات المنشورة عن اشتغال الحركة منذ أسابيع على إعادة ترتيب حضورها بجهة مراكش–آسفي، بما في ذلك استقطاب شخصيات سياسية وترشيح أسماء جديدة في عدد من الدوائر.
لهذا تبدو عبارة «معركة الثقة»، التي سبق لأوزين أن جعلها عنواناً للانتخابات المقبلة، أكثر أهمية من «معركة المقاعد». فقد قال في يونيو إن الانتخابات ليست بالنسبة إليه مجرد سباق على عدد من المقاعد، وإنما امتحان لقدرة السياسي على استعادة ثقة المواطن بعيداً عن الوعود الوهمية والخطابات الموسمية. وفي مراكش حاول أن يضع لهذه الفكرة مضموناً عملياً: إذا كان السياسي يطلب الثقة، فعليه أن يشرح للمواطن ماذا سيفعل في تفاصيل حياته، من السكن إلى الدخل إلى الاستقرار الأسري.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأكثر إحراجاً لخصومه، من دون حاجة إلى مهاجمتهم بالاسم. أوزين يحاول أن يدفع الحركة الشعبية إلى الخروج من موقع الحزب الذي يشرح مواقفه إلى موقع الحزب الذي يطرح على الناخب عقداً سياسياً واضحاً: هذه مشكلة، وهذا تصور للحل، وهذه آليات التنفيذ، وهذا هو الأفق الزمني. وهو المنطق نفسه الذي تحاول الحركة تقديمه منذ إطلاق خطاب «البديل الحركي» و«التعاقد الحركي الجديد».
أما مراكش، فكانت أكثر من مكان للقاء. كانت رسالة إلى الداخل الحركي وإلى الخارج السياسي معاً: القيادة حاضرة في المعقل، المرشحون في الواجهة، والقضايا الاجتماعية في قلب الخطاب. ولذلك فإن أهم ما خرج من لقاء 21 غشت ليس أن أوزين تحدث عن الكراء، وإنما أنه حاول أن يجعل السكن شاهداً على انتقال الحركة الشعبية من خطاب المعارضة إلى خطاب الحزب الذي يقول إنه مستعد لتحمل مسؤولية القرار.
إذا نجح هذا الخطاب، فلن تكون قيمة أوزين في أنه وعد المغاربة بمساكن يملكونها فقط، بل في أنه نجح في جعل الانتخابات تبدو بالنسبة إلى الناخب اختياراً بين طرق مختلفة في تدبير المستقبل. وإذا فشل، فستبقى الفكرة مجرد عنوان انتخابي جميل. وبين الاحتمالين توجد المسافة التي ستحددها صناديق 23 شتنبر، لا منصات اللقاءات.
مراكش، بهذا المعنى، لم تكن محطة في جولة انتخابية. كانت منصة اختبار: هل تستطيع الحركة الشعبية أن تحول حضورها التنظيمي إلى قوة انتخابية، وتحول أفكارها الاجتماعية إلى عرض سياسي، وتحول محمد أوزين من أمين عام يقود حزباً في المعارضة إلى سياسي يطلب من المغاربة أن يمنحوه فرصة صناعة القرار؟