«Cent Daz» تعيد بوز فلو إلى السجن.. سنة نافذة وتعويض 50 ألف درهم لطليقته

0
98

أعادت أغنية «Cent Daz» الرابور جواد أسراضي، المعروف فنياً بـ«بوز فلو»، إلى السجن، لكن هذه المرة من بوابة نزاع شخصي انتهى إلى المحكمة. فقد قضت المحكمة الابتدائية بصفرو، في الملف المرتبط بشكاية طليقته، بسنة واحدة حبسا نافذا، وغرامة مالية قدرها 5 آلاف درهم، مع إلزامه بأداء 50 ألف درهم تعويضاً مدنياً لفائدتها. وتهم المتابعة، بحسب المعطيات المنشورة عن الملف، بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة والتشهير، إلى جانب السب العلني والقذف المرتكبين في حق امرأة بسبب جنسها، فيما تمت تبرئته من تهمة التهديد. وتعود القضية إلى توقيفه في إيموزار كندر يوم 10 غشت، بعد شكاية تقدمت بها طليقته بشأن مضمون الأغنية.

المثير في القضية أن «Cent Daz» لا تدخل المحكمة بوصفها أغنية فقط، بل باعتبارها مساحة استخدم فيها صاحبها تفاصيل من علاقة انتهت بالطلاق. وهنا تتغير طبيعة السؤال: متى تبقى الحكاية الشخصية مادة فنية، ومتى تتحول، بسبب ما تتضمنه من أسماء أو وقائع أو إيحاءات، إلى اعتداء محتمل على الحياة الخاصة؟ القانون لا يمنح العمل الفني حصانة مطلقة، كما أن وصفه بأنه «فن» لا يحسم وحده مشروعية ما يقال داخله. وفي المقابل، فإن تحويل كل تعبير صادم أو حاد إلى واقعة جنائية يفتح سؤالاً آخر حول حدود تدخل القضاء في اللغة الفنية، خصوصاً في موسيقى الراب التي تقوم في جزء كبير منها على الاستفزاز والمواجهة والمبالغة.

هذه هي النقطة التي تجعل الملف الجديد مختلفاً عن القضية السابقة التي انتهت بإدانة بوز فلو بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة قدرها ألفا درهم. ففي ذلك الملف، الذي بدأ بتوقيفه في نونبر 2025، كانت المتابعة مرتبطة بمضامين عدد من أغانيه، وباتهامات تتعلق بإهانة هيئة منظمة وموظفين عموميين. وبعد قضائه نحو 45 يوماً رهن الاعتقال، صدر الحكم الابتدائي في دجنبر، ثم أيدته استئنافية فاس في يونيو 2026.

القضية الأولى كانت تضع الراب في مواجهة مباشرة مع السلطة والمؤسسات، ولذلك تحولت محاكمته إلى نقاش أوسع حول حرية التعبير وحدود النقد الفني. وقد أظهرت مرافعات الدفاع آنذاك أن المحكمة لم تكن تناقش كلمات أغنية واحدة، بل سؤالاً أعمق يتعلق بكيفية قراءة اللغة الفنية: هل تؤخذ الجملة بمعناها الحرفي، أم داخل سياق العمل كله؟ وهل يمكن اقتطاع أسطر من أغنيات متعددة وبناء المسؤولية الجنائية عليها بمعزل عن طبيعة الراب وأدواته التعبيرية؟

أما الملف الحالي فيضعه أمام معادلة أكثر حساسية، لأن الطرف المتضرر المزعوم ليس مؤسسة عمومية أو موظفاً أثناء أداء وظيفته، وإنما شخص كانت تربطه به علاقة زوجية. ولذلك فإن مساحة المناورة الفنية تضيق عندما تنتقل الأغنية من النقد الاجتماعي أو السياسي إلى كشف تفاصيل يمكن أن تحدد شخصاً بعينه وتمس حياته الخاصة. هنا لا يعود النقاش متعلقاً فقط بحرية الإبداع، وإنما أيضاً بحق الفرد في ألا تتحول حياته الشخصية إلى مادة منشورة على نطاق واسع دون رضاه.

واللافت أن المسار القضائي لبوز فلو خلال أقل من عام يضع أمام الرأي العام مفارقة واضحة: فنان دخل السجن أول مرة بسبب كلمات مرتبطة بمؤسسات وموظفين عموميين، ثم خرج بحكم موقوف التنفيذ، قبل أن يعود إلى السجن بسبب عمل يتصل بعلاقة شخصية. هذه الاستمرارية لا تعني أن القضيتين متشابهتان قانونياً، ولا أن الإدانة الثانية تثبت وجود استهداف للفنان؛ لكنها تجعل من الصعب فصل المسار القضائي عن النقاش الأوسع حول اللغة التي يستخدمها بوز فلو وطبيعة الجمهور الذي يخاطبه.

والراب، في النهاية، ليس غرفة مغلقة بين الفنان وميكروفونه. حين تُنشر الأغنية على منصات مفتوحة، تصبح الكلمات قابلة للوصول وإعادة النشر والاقتطاع والتداول، وهو ما يجعل أثرها مختلفاً عن الكلام العابر في فضاء خاص. هذه الحقيقة تضع الفنان أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية، لكنها تضع أيضاً المؤسسات المكلفة بتطبيق القانون أمام مسؤولية موازية: التمييز بدقة بين التعبير الفني، حتى عندما يكون جارحاً أو مستفزاً، وبين الادعاء الذي يمكن أن يعتدي فعلاً على حقوق شخص آخر.

لذلك فإن الحكم الجديد لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره «سنة سجناً بسبب أغنية». تلك صيغة جذابة إعلامياً لكنها تختصر ملفاً قضائياً أكثر تعقيداً. بوز فلو لم يُدن، وفق المعطيات المنشورة، بسبب كونه مغني راب، كما أن المحكمة سبق أن ميزت في الملف السابق بين طبيعة الأعمال الفنية والمسؤولية القانونية المترتبة على بعض مضامينها. القضية الحالية تضع الحد الفاصل في مكان آخر: بين حق الفنان في رواية تجربته، وحق الشخص الآخر في حماية حياته الخاصة وسمعته من أن تتحول إلى مادة علنية.

وبين القضيتين، يبدو أن «بوز فلو» أصبح اسماً يتجاوز صاحبه. فكل حكم يصدر في حقه يعيد فتح النقاش حول الراب المغربي، وحول ما إذا كانت المنظومة القانونية قادرة على التعامل مع فن لغته صدامية بطبيعتها، من دون أن تتحول حماية الحقوق إلى خنق للتعبير، أو أن تتحول حرية التعبير بدورها إلى مبرر لإلحاق الضرر بالآخرين. هنا تحديداً توجد القضية الحقيقية التي تتجاوز أغنية «Cent Daz» وشخص بوز فلو نفسه: أين ينتهي حق الفنان في الكلام، وأين يبدأ حق الإنسان في ألا تصبح حياته الخاصة أغنية؟