لم يكن فوزي لقجع في جرسيف يتحدث عن طريق جديد بمعناه التقني فقط. في اللقاء الحزبي الذي احتضنه الإقليم الثلاثاء 15 شتنبر، وضع أمام سكان المنطقة تصوراً يبدأ من سؤال بسيط: كيف يمكن لجرسيف، وهي مدينة داخلية، أن تستفيد من التحولات الاقتصادية التي تجري على الساحل المتوسطي؟
الإجابة التي قدمها كانت واضحة: الاقتراب من الناظور ومينائها، ثم بناء شبكة الربط التي تجعل هذا الاقتراب اقتصادياً وليس جغرافياً فقط.
الفكرة ليست جديدة في أصلها. فالطريق السيار جرسيف–الناظور مبرمج منذ سنوات، وتؤكد وثائق رسمية أنه صُمم لربط ميناء الناظور غرب المتوسط بالشبكة الطرقية الوطنية، بطول يقارب 104 كيلومترات. كما أن المشروع أُدرج ضمن الأوراش المرتبطة بتعزيز الربط الاقتصادي لجهة الشرق.
لكن ما أعطى كلام لقجع دلالته السياسية في جرسيف هو أنه أعاد تقديم هذا الورش من زاوية محلية: الطريق لا ينتهي عند الناظور بالنسبة إلى الإقليم، وإنما يمكن أن يصبح منفذاً لجرسيف نحو الميناء والمناطق الصناعية واللوجستيكية المرتبطة به.
وهذا التحول مهم في طريقة تقديم المشروع. فالميناء وحده لا يصنع استفادة تلقائية للمناطق الموجودة في عمقه. يحتاج إلى طرق، وسلاسل نقل، ومناطق إنتاج قادرة على الوصول إلى الميناء، واستثمارات تستفيد فعلاً من قربها منه. ولهذا جاء الربط بين جرسيف والناظور في حديث لقجع باعتباره جزءاً من منظومة واحدة، لا مشروعاً معزولاً.
والورش موجود فعلاً على الأرض. وثائق الشركة الوطنية للطرق السيارة تربط المشروع منذ البداية بميناء الناظور غرب المتوسط، فيما تشير معطيات منشورة خلال 2026 إلى استمرار الأشغال على هذا المحور.
ثم انتقل خطاب لقجع إلى النقطة التي يصعب فصلها عن التنمية المحلية: الماء.
هنا لم يقدم حلاً واحداً نهائياً، وإنما تحدث عن مسارين. الأول يرتبط بالسدود التلية وتعبئة الموارد المائية المتاحة، والثاني يقوم على بحث إمكانية ربط جرسيف بمحطة تحلية مياه البحر بالناظور.
والفكرة الثانية تحتاج، بطبيعة الحال، إلى أكثر من إعلان سياسي حتى تتحول إلى مشروع. فوجود محطة تحلية في الناظور لا يعني تلقائياً إمكانية تزويد جرسيف بالماء؛ ذلك يحتاج إلى دراسة تقنية واقتصادية، ومنشآت للنقل والتخزين والتوزيع، وتحديد مصادر التمويل والجدوى. لذلك يبقى ما طرحه لقجع في هذا الجزء مقترحاً يحتاج إلى أجرأة وتفاصيل، وليس مشروعاً مكتمل المعالم كما هو حال الطريق السيار.
لكن وضع الماء بجانب الطريق والميناء يكشف شيئاً آخر في طبيعة الخطاب المقدم في جرسيف. التنمية هنا لا تُختزل في جذب استثمار إلى منطقة بعيدة عن الساحل، وإنما في معالجة الشروط التي تسمح أصلاً للإقليم بأن يدخل في الدورة الاقتصادية للجهة.
حتى الصحة حضرت في العرض، من خلال الدعوة إلى تقوية البنيات والخدمات الصحية. وهي نقطة تبدو أقل ارتباطاً بميناء الناظور والطريق السيار، لكنها تعيد النقاش إلى مستوى أكثر محلية: لا معنى لتحسين موقع الإقليم اقتصادياً إذا بقيت الخدمات الأساسية عاجزة عن مواكبة حاجيات سكانه.
غير أن كل هذه الأوراش دخلت جرسيف في لحظة انتخابية واضحة.
فاللقاء لم يكن اجتماعاً تقنياً لتقديم دراسة للطريق السيار أو ملفاً مؤسساتياً حول الماء. كان لقاءً حزبياً في حملة تسبق اقتراع 23 شتنبر، وحضر فيه لقجع لدعم مرشحي الأصالة والمعاصرة بالإقليم.
ولهذا لم يترك لقجع العلاقة بين المشاريع والانتخابات في منطقة رمادية. فقد ربط تنفيذ الالتزامات بالحصول على ثقة الناخبين، ودعا سكان جرسيف إلى المشاركة والتصويت على برنامج الحزب.
هنا تصبح المسألة قابلة للقياس لاحقاً، لا بمجرد عدد الوعود التي قيلت في المنصة، وإنما بما سيصبح مشروعاً محدداً بآجال وتمويل ومسؤوليات واضحة. فالطريق السيار له وجود مؤسساتي ومشروع معلن منذ سنوات، أما ربط جرسيف بتحلية مياه الناظور فيحتاج إلى الانتقال من فكرة مطروحة في لقاء انتخابي إلى مسار تقني ومالي يمكن تتبعه.
وبين الاثنين توجد جرسيف نفسها: إقليم يريد أن يستفيد من التحول الاقتصادي الذي يجري على بعد مسافة منه، لكنه يحتاج إلى أن يتحول الربط الجغرافي إلى ربط اقتصادي فعلي، وأن يتحول وعد الماء إلى بنية قادرة على تأمينه، وأن تتحسن الخدمات التي يلمسها السكان يومياً.
في النهاية، ما عرضه لقجع هو تصور يجعل من الناظور ومينائها امتداداً محتملاً لاقتصاد جرسيف. أما ما إذا كان هذا الامتداد سيصبح فعلاً واقعاً اقتصادياً، فذلك سيحسمه تنفيذ المشاريع أكثر مما تحسمه منصة الحملة الانتخابية.