بعد خمسة أشهر من الصدام مع وهبي.. المحامون يعودون إلى المحاكم مؤقتاً وينتظرون وزير العدل في حكومة المنصوري

0
116

عاد المحامون المغاربة، اليوم الأربعاء 7 أكتوبر، إلى قاعات المحاكم ومباشرة مهامهم المهنية، بعد توقف بدأ في 15 يونيو واستمر قرابة خمسة أشهر، وفق قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب. لكن العودة التي شهدتها محاكم المملكة لا تحمل، بحسب قرار الجمعية، صفة التسوية النهائية؛ فهي «تعليق مؤقت» للتوقف عن تقديم الخدمات المهنية، في انتظار ما ستفرزه المرحلة السياسية الجديدة.

نحو 19 ألف محام عادوا إلى ممارسة مهامهم، بينما لم تُغلق الجمعية ملف الخلاف الذي دفعها إلى خوض أطول مواجهة مهنية عرفتها هذه المرحلة مع وزارة العدل. القرار الذي اتخذه مكتب الجمعية في 20 شتنبر كان واضحاً في توقيته: استمرار التوقف إلى غاية 7 أكتوبر، ثم تعليقه ابتداء من اليوم نفسه. وقد ربطت الجمعية هذه الخطوة بالتطورات السياسية والتشريعية التي أعقبت الانتخابات، وبانتظار تشكيل المؤسسات والحكومة الجديدة.

التوقيت مهم، لكن الملف نفسه تغيّر منذ بدأت المواجهة.

فحين دخل المحامون في التوقف عن العمل منتصف يونيو، كان النقاش يدور حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. اليوم، لم يعد المشروع مشروعاً بالمعنى التشريعي. مجلس النواب صادق عليه في ماي، ومجلس المستشارين صادق عليه في يونيو، ثم عاد النص إلى مجلس النواب في قراءة ثانية قبل أن يُستكمل المسار التشريعي. وفي 20 غشت صدر القانون في الجريدة الرسمية ودخل حيز التنفيذ.

حتى المحطة الدستورية التي كانت تمنح الملف هامشاً آخر من الانتظار لم تنتهِ إلى فحص مضمون القانون. فقد أحيل النص على المحكمة الدستورية، لكن قرارها رقم 277/26 الصادر في 10 غشت لم يتناول دستورية مواده، إذ سجلت المحكمة أن رسالة الإحالة لم تكن مرفقة بالنسخة النهائية للقانون كما وافق عليها مجلس المستشارين، ولذلك صرحت بتعذر البت في الإحالة «على حالها».

بعد عشرة أيام فقط، نُشر القانون رسمياً.

ومع ذلك لم تعد الجمعية إلى العمل. في 18 غشت قرر مكتبها مواصلة الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية، ثم جدد القرار في 27 غشت، رغم أن القانون أصبح نافذاً. كان الخلاف، بالنسبة إلى الجمعية، قد انتقل من انتظار مصير مشروع قانون إلى الاعتراض على قانون صدر فعلاً، وعلى الطريقة التي أُعد بها وعلى مقتضيات تعتبرها الهيئات المهنية ماسّة باستقلالية المحاماة وحصانة الدفاع وتدبير المهنة ذاتياً.

وهذه النقطة هي التي تفسر طبيعة عودة اليوم.

الجمعية لم تعلن إسقاط مطالبها، ولم تقدم تعليق التوقف باعتباره قبولاً بالقانون الجديد. بل اختارت وقف الاحتجاج الميداني مؤقتاً في لحظة سياسية انتقلت فيها السلطة التنفيذية إلى مرحلة جديدة: فاطمة الزهراء المنصوري عُينت في 29 شتنبر رئيسة للحكومة وكُلفت بتشكيل فريقها الحكومي، بينما كانت المشاورات بشأن الأغلبية والحقائب لا تزال مستمرة في 7 أكتوبر.

وبذلك أصبح اسم وزير العدل المقبل جزءاً من مستقبل الملف، لا لأن القانون ينتظر وزيراً جديداً حتى يصبح نافذاً، وإنما لأن الحكومة المقبلة هي التي ستواجه عملياً السؤال الأصعب: كيف ستتعامل مع مهنة عادت إلى المحاكم وهي ما تزال تعترض على القانون الذي ينظمها؟

عبد اللطيف وهبي كان قد قدم النص باعتباره إصلاحاً لمنظومة المهنة، وتحدث أمام البرلمان عن مسار تشاوري استمر سنوات، وعن مستجدات تخص الولوج إلى المهنة والتكوين، وأشكال الممارسة، والتعاون مع المحامين الأجانب، والتكليف الكتابي، وحصانة الدفاع، والتأديب وحكامة الهيئات.

لكن الجمعية بنت احتجاجها على قراءة مختلفة تماماً لمسار النص. بالنسبة إليها، لم يكن الخلاف محصوراً في تفاصيل تقنية، بل شمل استقلالية المهنة وحصانة الدفاع والتدبير الذاتي، فضلاً عن منهجية إعداد القانون. وفي غشت، بعد نشره، أكدت أن المعركة لا تختزل في الدفاع عن مواقع أو امتيازات، بل تربطها بموقع المحامي داخل منظومة العدالة وبمكانة الدفاع.

المواجهة، بهذا المعنى، لم تنتهِ يوم دخل القانون حيز التنفيذ، كما أن العودة إلى المحاكم لا تعني أن الجمعية أسدلت الستار عليها.

الذي انتهى اليوم هو التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، لا الخلاف نفسه.

وتأتي هذه العودة في لحظة أكثر تعقيداً من تلك التي بدأت فيها المعركة. القانون أصبح نافذاً، المحكمة الدستورية لم تفصل في مدى مطابقته للدستور بسبب إشكال في الإحالة، والحكومة التي دافعت عنه لم تعد هي الحكومة التي ستدبر المرحلة المقبلة، بينما لا تزال تركيبة حكومة المنصوري واسم وزير العدل المقبل غير محسومين.

لذلك تبدو عودة المحامين إلى المحاكم أقرب إلى إعادة تموضع منها إلى إعلان نهاية للمواجهة. الجمعية أعادت المحامين إلى ممارسة مهامهم، وتركت الباب مفتوحاً أمام ما ستفعله السلطة التنفيذية الجديدة مع قانون دخل فعلاً حيز التنفيذ، ومع مهنة أثبتت خلال ما يقارب خمسة أشهر أنها مستعدة لتحمل كلفة الاحتجاج من أجل انتزاع مراجعة للمقتضيات التي تعتبرها جوهرية في استقلالها.

والاختبار المقبل لن يكون في قدرة المحامين على العودة إلى قاعات الجلسات؛ تلك العودة حدثت اليوم. الاختبار سيكون في ما إذا كانت الحكومة الجديدة ستتعامل مع هذا الملف باعتباره قانوناً مكتمل المسار لا يحتاج إلا إلى التطبيق، أم باعتباره أحد الملفات التي يمكن إعادة فتحها سياسياً ومهنياً رغم دخوله حيز التنفيذ.

حتى ذلك الحين، عادت الجبب السوداء إلى المحاكم، لكن تعليق الاحتجاج لا يعني أن النزاع انتهى.