من الحكومة إلى المعارضة.. المنصوري تجمع «الكتلة» وتترك الأحرار مع بنكيران!

0
114

لم تعد مشاورات فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل الحكومة الجديدة تتحرك فقط حول سؤال: من سيدخل الحكومة؟ ما بدأ يظهر من الجولة الثانية للمشاورات يفتح سؤالاً آخر يتعلق بشكل البرلمان نفسه، وبالخصوص بالمعارضة التي قد تجد نفسها أمام تركيبة مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها المجلس المنتهية ولايته.

حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعداً، يتقدم في اتجاه صيغة حكومية تجمعه بحزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، مع بقاء الحركة الشعبية ضمن الخيارات المطروحة في هندسة الأغلبية. وتؤكد معطيات متقاطعة أن صيغة «البام» مع أحزاب الكتلة الديمقراطية القديمة أصبحت من أكثر السيناريوهات تقدماً في المشاورات.

الحساب البرلماني لهذه الصيغة واضح: 97 مقعداً للأصالة والمعاصرة، و65 للاستقلال، و26 للاتحاد الاشتراكي، و19 للتقدم والاشتراكية. المجموع 207 مقاعد من أصل 395، أي أغلبية مطلقة بفارق تسعة مقاعد عن عتبة 198.

هذه الأرقام تجعل دخول حزب إضافي، مثل الحركة الشعبية التي تتوفر على 29 مقعداً، مسألة تتجاوز البحث عن الحد الأدنى لتشكيل الحكومة. فالأغلبية في صيغة 207 مقاعد موجودة أصلاً، لكن توسيعها يرفع هامش الحركة داخل مجلس النواب ويخفف أثر أي غياب أو خلاف أو تصويت لا ينسجم مع موقف الحكومة في مرحلة ستكون فيها الملفات الاجتماعية والاقتصادية الثقيلة حاضرة بقوة.

والأهم أن هذه الصيغة، إذا اكتملت، ستعيد ترتيب مواقع أحزاب كانت حتى الأمس القريب جزءاً من المشهد الحكومي نفسه.

التجمع الوطني للأحرار حصل على 66 مقعداً، وجاء ثانياً في الانتخابات، لكنه يجد نفسه أمام احتمال الانتقال من قيادة الحكومة خلال الولاية السابقة إلى صفوف المعارضة. هذا الاحتمال لم يعد مجرد قراءة عددية للخريطة الانتخابية؛ فمعطيات المشاورات تشير إلى اتجاه واضح داخل «البام» نحو عدم إعادة التحالف السابق، فيما لا تزال التفاصيل السياسية والتنظيمية لموقع الأحرار في المرحلة المقبلة مرتبطة بالحسم النهائي في تركيبة الحكومة.

وحتى موقف الحزب نفسه لم يكن، في بداية المشاورات، مغلقاً على خيار واحد. المجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار فوّض رئيس الحزب محمد شوكي تدبير المشاركة في الحكومة بما يراعي ما اعتبره المصلحة الوطنية، بينما أظهرت المشاورات اللاحقة أن احتمال بقائه خارج الأغلبية أصبح أكثر جدية.

إذا استقر هذا الخيار، فسيكون للأحرار موقع مختلف تماماً عما كان عليه خلال السنوات الخمس الماضية. الحزب الذي قاد الحكومة السابقة سيكون مطالباً بممارسة المعارضة تجاه حكومة تتشكل من أحزاب ستتولى تدبير ملفات كانت جزءاً من الحصيلة الحكومية التي سيدافع عنها الأحرار، أو التي ستصبح مادة للمساءلة داخل البرلمان.

هذه المعادلة لن تكون بسيطة بالنسبة إلى الأحرار. فالمعارضة تمنحه، من جهة، فرصة إعادة بناء موقعه السياسي خارج المسؤولية التنفيذية المباشرة؛ لكنها تضعه، من جهة أخرى، أمام ضرورة الدفاع عن حصيلة حكومة كان في مركزها، وعدم تحويل المراقبة البرلمانية للحكومة الجديدة إلى مراجعة غير مباشرة لتجربته السابقة.

وفي الجهة المقابلة يوجد حزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً، بعدما عاد إلى مجلس النواب بقوة مقارنة بنتيجته في انتخابات 2021، حيث كان قد حصل على 13 مقعداً فقط. وقد حسم عبد الإله بنكيران موقف حزبه من المعارضة منذ بداية المشاورات. كما اختار تحالف اليسار، صاحب ثمانية مقاعد، موقع المعارضة.

الأرقام هنا تلفت الانتباه أكثر عندما تجمع: 66 مقعداً للأحرار، و54 للعدالة والتنمية، وثمانية لتحالف اليسار. نحن أمام 128 مقعداً خارج الحكومة في هذا السيناريو، قبل احتساب أي حزب آخر قد لا يدخل الأغلبية.

لكن 128 مقعداً لا تعني 128 صوتاً سياسياً واحداً.

التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية لا يدخلان المعارضة من الخلفية نفسها، ولا يحملان التجربة الحكومية نفسها، ولا ينطلقان من المرجعية السياسية ذاتها. بل إن العلاقة بين الحزبين عرفت واحدة من أكثر مراحلها توتراً خلال أزمة تشكيل حكومة 2016، حين انتهت مفاوضات عبد الإله بنكيران بإعفائه من مهمة تشكيل الحكومة.

اليوم يمكن أن يجد الحزبان نفسيهما في الصف نفسه داخل المؤسسة التشريعية، لكن ذلك لا يحولهما إلى حليفين.

قد يكون التنافس بينهما داخل المعارضة أكثر حضوراً من التنسيق. الأحرار سيملك تجربة خمس سنوات في تدبير الحكومة، بينما العدالة والتنمية سيعود إلى المعارضة بخطاب سياسي أكثر انسجاماً مع موقعه الجديد بعد عودته القوية إلى البرلمان. وسيحاول كل طرف أن يثبت أنه القادر على مخاطبة الرأي العام ومراقبة الحكومة وتقديم البديل.

أما تحالف اليسار، فيضيف إلى هذه المعادلة مرجعية ثالثة، مختلفة عن الطرفين.

لهذا قد تبدو المعارضة المقبلة كبيرة في عدد مقاعدها، لكنها ليست كتلة سياسية واحدة. الأحرار سيأتون من تجربة حكومية انتهت انتخابياً إلى تراجع كبير في المقاعد، من 102 مقعداً في 2021 إلى 66 في 2026. والعدالة والتنمية سيأتي من عودة قوية، بعدما رفع رصيده من 13 إلى 54. وتحالف اليسار سيدخل بموقع سياسي مختلف وبثمانية مقاعد.

هذه الفوارق ليست تفصيلاً تنظيمياً. فهي تحدد طبيعة المعارضة التي يمكن أن تتشكل داخل المجلس: هل ستكون معارضة تتقاطع في التصويت على بعض الملفات، أم معارضة قادرة على إنتاج خطاب سياسي مشترك ومشروع بديل للحكومة؟

وفي الجهة الأخرى، ليست أغلبية المنصوري محكومة فقط بالحساب العددي.

حزب الاستقلال يملك 65 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي 26، والتقدم والاشتراكية 19. وهذه أحزاب لها تاريخ سياسي مختلف، وتقاليد تنظيمية مستقلة، ومواقف ليست متطابقة في كل الملفات. دخولها في أغلبية واحدة مع الأصالة والمعاصرة لا يلغي هذا الاختلاف، بل ينقله من خارج الحكومة إلى داخلها.

والتقدم والاشتراكية يقدم المثال الأوضح على ذلك.

نبيل بنعبد الله قال في اجتماع اللجنة المركزية للحزب، الثلاثاء، إن التموقع في المعارضة «خيار مطروح وقابل للنقاش ويمكن أن تكون له وجاهة»، لكنه وصف المشاركة في الحكومة بأنها خيار صعب، قبل أن تمنح اللجنة المركزية المكتب السياسي تفويضاً بالإجماع لمواصلة التفاوض مع رئيسة الحكومة المكلفة. أي أن الحزب لم يحسم الانتقال إلى المعارضة، كما أن استمرار التفاوض لا يعني أن مشاركته أصبحت نهائية.

وهذا التردد له وزن في الحساب النهائي. خروج التقدم والاشتراكية من الصيغة سيخفض مجموع تحالف الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي إلى 188 مقعداً، أي دون الأغلبية المطلقة بعشرة مقاعد. عندها تصبح الحركة الشعبية، أو حزب آخر، أكثر من مجرد شريك لتوسيع الحكومة؛ تصبح جزءاً من الحساب الضروري لتأمين الأغلبية.

أما إذا بقي «الكتاب» داخل الحكومة، فإن المنصوري تكون قد حصلت على أغلبية بـ207 مقاعد قبل إضافة أي شريك آخر.

هنا تظهر فائدة إبقاء أكثر من باب مفتوح في المشاورات. فالمفاوضات لا تدور فقط حول توزيع الحقائب، وإنما حول مقدار الاستقرار الذي تستطيع رئيسة الحكومة المكلفة أن تبنيه داخل مجلس النواب، وحول شكل المعارضة التي ستجلس في الجهة الأخرى من القاعة.

التحالف مع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يمنح الحكومة قاعدة سياسية تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة، ويعيد إلى الواجهة أحزاباً ذات امتداد تاريخي في الحياة السياسية المغربية. وإضافة الحركة الشعبية، إن تمت، ستمنح الأغلبية هامشاً عددياً أكبر وتقلل اعتمادها على الانضباط الكامل لكل مكون في كل تصويت.

لكن خروج الأحرار، إن تأكد نهائياً، سيخلق في المقابل وضعاً لم يكن موجوداً في بداية المشاورات: الحزب الثاني في الانتخابات، وصاحب تجربة حكومية كاملة، سيكون خارج السلطة التنفيذية؛ والعدالة والتنمية، الذي استعاد 54 مقعداً، سيكون إلى جانبه؛ وتحالف اليسار سيضيف صوته من موقع آخر.

لا توجد، حتى الآن، معطيات تثبت أن المنصوري اختارت هذا السيناريو تحديداً بهدف «خلط أوراق الخصوم». هذه قراءة سياسية ممكنة، وليست واقعة معلنة.

المؤكد أن هندسة الأغلبية الجاري التفاوض بشأنها تنتج، إذا اكتملت بهذه الصيغة، توزيعاً جديداً للقوة داخل مجلس النواب: أغلبية تتجاوز عتبة 198 مقعداً، ومعارضة محتملة يصل ثقلها إلى 128 مقعداً على الأقل، لكنها تضم قوى سياسية لا تجمعها مرجعية واحدة ولا تجربة حكومية واحدة ولا تصور واحد للبديل.

وفي النهاية، لن يحسم هذا الترتيب وحده قدرة الحكومة على تدبير ولايتها. الرقم 207 يمنحها الأغلبية، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الانسجام داخلها. والـ128 مقعداً المحتملة في المعارضة تمنحها وزناً رقابياً، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى جبهة سياسية واحدة.

ما سيحدد قوة الطرفين سيكون ما يحدث بعد تشكيل الحكومة: كيف ستصوت مكونات الأغلبية عندما تتعارض المصالح الحزبية، وكيف سيتعامل الأحرار مع إرث حكومتهم السابقة، وكيف سيستثمر العدالة والتنمية عودته البرلمانية، وهل يستطيع اليسار تحويل حضوره المحدود عددياً إلى تأثير يتجاوز حجمه.

المشاورات الحالية ترسم المقاعد. الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تتحول هذه المقاعد إلى مواقف وتصويتات ومسؤوليات داخل البرلمان.