عاد هشام المهاجري إلى واجهة النقاش حول تشكيل الحكومة المقبلة من الباب الذي فتحه اجتماع المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة بالصخيرات: موقف الحزب من التجمع الوطني للأحرار.
في حديثه إلى «هسبريس»، اعتبر القيادي في المكتب السياسي لـ«البام» أن الملامح شبه النهائية للائتلاف الحكومي المقبل، إذا تأكد استبعاد «الأحرار»، تنسجم مع التوجه الذي عبّرت عنه مؤسسات الحزب، وقال إن التعبئة التي قادها داخل المكتب السياسي ثم المجلس الوطني تبدو، وفق المعطيات المتاحة، وكأنها «آتت أكلها».
لكن بين هذا التوصيف وبين القرار الحزبي الرسمي توجد مسافة تستحق الانتباه.
المجلس الوطني المنعقد في 3 أكتوبر فوّض فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة والمنسقة العامة للقيادة الجماعية للحزب، مواصلة المشاورات المتعلقة بتشكيل الأغلبية. المصادر الرسمية التي نقلت مخرجات الاجتماع تحدثت عن تفويض لجنة المشاورات، فيما أظهرت تصريحات المنصوري نفسها أن النقاش الداخلي عرف آراء مختلفة، بينها من تحدث عن «خطوط حمراء» ومن دعا إلى إبقاء الحوار مفتوحاً.
وهذه النقطة مهمة لأن المهاجري لا يقدم نفسه هنا كناقل لقرار إداري صادر عن المجلس الوطني، وإنما كقيادي يرى أن الاتجاه الذي دافع عنه داخل الحزب وجد طريقه إلى المشاورات.
في اجتماع الصخيرات، كان اسمه من بين أبرز الأصوات التي طالبت بعدم التحالف مع «الأحرار». وتفيد التغطيات التي واكبت الجلسة المغلقة بأن مداخلات أخرى سارت في الاتجاه نفسه، بينما ظلت مسألة منح لجنة المشاورات هامشاً أوسع حاضرة في النقاش.
بعد أيام، جاء تصريح المهاجري ليمنح ذلك النقاش الداخلي قراءة سياسية أكثر وضوحاً.
هو يرى أن الحزب التقط، من خلال قياداته ومؤسساته، ما يعتبره رسالة انتخابية ومجتمعية مرتبطة بتجربة الحكومة السابقة التي قادها «الأحرار». ويقول إن موقفه لم يبدأ من حسابات التحالفات، وإنما من تقييم سياسي لما عاشه المواطنون خلال الولاية المنتهية.
هذه رواية سياسية يقدمها المهاجري عن دوافع الموقف، ولا يمكن تحويلها تلقائياً إلى حقيقة انتخابية مثبتة. فالنتائج الانتخابية يمكن قراءتها بأكثر من طريقة، ولا توجد في المعطيات المنشورة وحدها قرينة تسمح بالقول إن التصويت في 23 شتنبر كان موجهاً حصراً ضد حزب بعينه.
لكن المهاجري يختار أن يقرأ النتيجة بهذه الطريقة.
والأهم أنه يربط بين هذه القراءة وبين المؤسسات الداخلية لـ«البام». فبالنسبة إليه، قيمة ما حدث في الصخيرات لا تكمن فقط في احتمال خروج «الأحرار» من الأغلبية، وإنما في أن النقاش حول التحالفات انتقل إلى مؤسسة حزبية تقريرية، وخرج منها موقف قوي عبّر عنه عدد من القيادات.
هنا تظهر إحدى المسائل التي ستحدد صورة الحكومة المقبلة: إلى أي حد تستطيع فاطمة الزهراء المنصوري أن تجمع بين تفويض التفاوض الذي حصلت عليه وبين المواقف التي سُجلت داخل الحزب؟
التفويض، من الناحية السياسية، يمنحها مساحة للمفاوضة. أما المواقف التي خرجت من المجلس الوطني فتضع أمامها سقفاً سياسياً لا يمكن تجاهله بسهولة، حتى إذا لم يتحول إلى قرار مكتوب يمنع التفاوض مع «الأحرار».
وهذا الفرق هو الذي يجعل الحديث عن «خط أحمر» يحتاج إلى شيء من الدقة.
فالمعطيات الرسمية حول مخرجات المجلس الوطني لا تقول إن الحزب أصدر قراراً صريحاً بإقصاء التجمع الوطني للأحرار من المشاورات. بل إن المنصوري نفسها تحدثت عن اختلاف الآراء داخل المجلس، قبل أن تحصل على تفويض لمواصلة المشاورات.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أصواتاً وازنة داخل الحزب دفعت بوضوح نحو عدم إشراك «الأحرار»، وأن المهاجري يقرأ الاتجاه الحالي للمشاورات باعتباره استجابة لهذا الموقف.
ومن الجهة الأخرى، لم يبعث التجمع الوطني للأحرار بإشارة انسحاب من الحياة الحكومية. مجلسه الوطني أعلن استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، وفوّض رئيس الحزب محمد شوكي تدبير شروط هذه المشاركة ومواصلة المشاورات.
بمعنى آخر، هناك حزبان يتحركان في اتجاهين مختلفين: «الأحرار» يقول إنه مستعد لتحمل المسؤولية من موقع حكومي، وقيادات داخل «البام» تقول إن المرحلة الجديدة ينبغي أن تعكس نتائج الانتخابات وما تعتبره رسائل الناخبين.
وبين الموقفين توجد المنصوري.
هذا هو الجزء الذي لم يُحسم بعد.
المهاجري نفسه ينتقل في حديثه من معركة أسماء الأحزاب إلى ما يعتبره المرحلة الأكثر أهمية: ما ستفعله الحكومة بعد تشكيلها. فهو يشير إلى الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية، ثم إلى مشروع قانون المالية، والبرنامج الحكومي، والتزامات المائة يوم الأولى.
وهنا تتغير زاوية القصة.
إذا كان النقاش الحالي يدور حول من يدخل الحكومة ومن يبقى خارجها، فإن الاختبار السياسي الفعلي سيبدأ بعد إعلان التشكيلة. عندها لن يكون كافياً معرفة ما إذا كان «الأحرار» مشاركاً أم لا؛ سيظهر السؤال حول البرامج، وتوزيع المسؤوليات، وقدرة الأغلبية الجديدة على تحويل نتائج انتخابات 23 شتنبر إلى سياسات ملموسة.
المهاجري نفسه يقول إن «ما هو قادم هو الفيصل»، وإن المؤسسات ستواصل اشتغالها بصورة طبيعية بعد تشكيل الحكومة.
وهذه ربما أكثر جملة عملية في حديثه، لأنها تضع حداً للمعركة الحالية قبل أن تبدأ معركة أخرى.
فحتى إذا تأكد خروج «الأحرار» من الأغلبية، فإن ذلك لن يجيب وحده عن الأسئلة التي حملتها الانتخابات. وحتى إذا عاد الحزب إلى الحكومة، فإن مجرد المشاركة لن تعني أن شيئاً لم يتغير.
المعيار سيظهر في أول قانون مالية، وفي البرنامج الحكومي، وفي القرارات التي ستتخذها الأغلبية الجديدة خلال أشهرها الأولى.
أما داخل «البام»، فالمسألة ستبقى مرتبطة بكيفية إدارة المنصوري للتوازن بين ما سمعته في الصخيرات وما تحتاج إليه حسابات تشكيل أغلبية قابلة للعمل.
حتى الآن، المهاجري يرى أن الاتجاه يسير في صالح الموقف الذي دافع عنه.
لكن الحكومة لم تُعلن بعد، والفرق بين موقف سياسي قوي وبين قرار تحالفي نهائي ما زال قائماً.
والأيام المقبلة هي التي ستحدد إن كان «الأحرار» قد خرج فعلاً من حسابات حكومة المنصوري، أم أن التفويض الذي حصلت عليه رئيسة الحكومة المعينة كان أوسع من القراءة التي يقدمها أحد أبرز الأصوات الرافضة لهذا التحالف.