تعود حركة «صحراويون من أجل السلام» إلى اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك للمرة الثانية، حاملة مطلباً يمس إحدى أكثر نقاط النزاع حول الصحراء المغربية حساسية: من يملك حق التحدث باسم الصحراويين، ومن يقرر أن صوتاً سياسياً واحداً يستطيع اختزال مواقفهم وتطلعاتهم؟
وصول وفد الحركة إلى نيويورك، وفق البلاغ الذي توصلت به «الصحيفة»، يأتي للمشاركة في أشغال اللجنة المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، حيث تعتزم الحركة تقديم مداخلاتها يومي الخميس والجمعة، والدفاع عن مقاربة تقوم على الحل السياسي السلمي وتوسيع دائرة المشاركين في البحث عن تسوية تحت رعاية الأمم المتحدة.
لا يتعلق الأمر بوفد يدخل هذا المحفل للمرة الأولى، بل بحركة تحاول تثبيت حضورها داخل المؤسسة الأممية، بعد أن اختارت منذ تأسيسها سنة 2020 تقديم نفسها بديلاً سياسياً عن جبهة البوليساريو، التي تواصل المطالبة بصفة «الممثل الشرعي والوحيد» للصحراويين، وتتمسك بمطلب تقرير المصير والاستقلال.
وتحمل هذه العودة دلالة سياسية بالنسبة إلى الحركة، لكنها لا تعني، في حد ذاتها، أن الأمم المتحدة اعترفت بها ممثلاً للصحراويين، أو أن حضورها في اللجنة الرابعة غيّر موازين التمثيل داخل المسار الأممي. ما تحقق حتى الآن هو إتاحة المجال أمام صوت سياسي آخر لعرض تصوره، فيما يبقى أثر هذا الحضور مرتبطاً بقدرته على الاستمرار، وبمدى استجابة الأطراف الدولية لمطلب توسيع المشاركة.
تقول الحركة إنها تريد استثمار التطورات الأخيرة لإعادة تحريك المسار السياسي، وتدعو إلى إشراك مختلف التعبيرات الصحراوية في المشاورات والمفاوضات، بدل حصرها في إطار تنظيمي واحد. وهي مقاربة تستند إلى فكرة أن الوصول إلى تسوية قابلة للاستمرار يحتاج إلى الاستماع إلى تعدد المواقف، لا إلى افتراض أن الانتماء إلى تنظيم بعينه يمنحه تلقائياً حق التحدث باسم الجميع.
وتستشهد «صحراويون من أجل السلام» بما تصفه باهتمام دولي متزايد بمشروعها، مشيرة إلى أن ممثلين عنها استُقبلوا من طرف مسؤولين أمريكيين للاستماع إلى تصورها السياسي. غير أن هذا المعطى، كما تعرضه الحركة، يظل مؤشراً على حصول تواصل، ولا يكفي وحده لإثبات تحول في الموقف الرسمي الأمريكي أو تبني واشنطن لمشروع الحركة.
وتريد الحركة أيضاً أن تكون جلسة مجلس الأمن المرتقبة في نهاية أكتوبر مناسبة للدفع نحو توسيع دائرة المشاورات، وإتاحة المجال أمام الأصوات الصحراوية التي تدافع عن الحل السلمي والتفاوضي. ويبقى هذا مطلباً سياسياً تسعى إلى فرضه على النقاش، وليس قراراً أممياً اتُّخذ بالفعل.
الحكم الذاتي يضع الحركة أمام اختبار سياسي مختلف
تكتسب هذه التحركات معناها من طبيعة المقاربة التي تتبناها الحركة. فقد سبق أن أعلنت قبول الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب أساساً لتسوية تفاوضية، مع دفاعها عن التعددية السياسية وحق الصحراويين في إنشاء أطر تنظيمية بديلة.
وهذا الموقف يضعها في موقع مختلف عن البوليساريو، التي أعاد ممثلها لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمر، يوم 6 أكتوبر الجاري، تأكيد موقف الجبهة خلال مداخلته أمام اللجنة الرابعة، متمسكاً بوصفها «الممثل الشرعي والوحيد» وبمطلب تقرير المصير والاستقلال، وفق النص الذي نشرته وكالة الأنباء التابعة للبوليساريو.
الاختلاف بين الطرفين لا يقتصر على صيغة الحل السياسي. فالحركة تحاول فتح النقاش على تعددية التمثيل وعلى إمكان قبول تسوية تفاوضية قائمة على الحكم الذاتي، بينما تتمسك الجبهة بخطابها المعروف حول الاستقلال واحتكار التمثيل. ومن شأن استمرار هذا التباين أن يطرح على الفاعلين الدوليين مسألة كيفية الاستماع إلى مواقف صحراوية متعددة، دون أن يعني ذلك أن مجرد ظهور حركة جديدة يحسم النزاع أو يغير تلقائياً قواعد العملية السياسية.
بالنسبة إلى المغرب، يظل الدفاع عن وحدته الترابية ومبادرة الحكم الذاتي في صلب مقاربته للتسوية السياسية. أما مدى قدرة «صحراويون من أجل السلام» على توسيع حضورها، فيتوقف على مسارها السياسي وعلى ما تستطيع تقديمه من مواقف ومقترحات، وليس فقط على عدد المرات التي يظهر فيها ممثلوها داخل أروقة الأمم المتحدة.
ماذا تقول القرارات الأممية فعلاً عن تمثيل الصحراويين؟
تستند مناقشة ادعاء التمثيل الحصري إلى وثائق أممية وقضائية محددة، ينبغي قراءتها وفق ألفاظها وسياقها، بعيداً عن تحميلها ما لا تقوله.
فقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 34/37، الصادر في 21 نونبر 1979، يتناول قضية الصحراء الغربية، ويوصي في فقرته السابعة بمشاركة جبهة البوليساريو مشاركة كاملة في البحث عن حل سياسي عادل ودائم ونهائي للقضية، ويصفها بأنها ممثل لشعب الصحراء الغربية. لكن القرار لا يصفها بأنها «الممثل الوحيد» أو «الحصري».
ويتكرر الأمر في القرار رقم 35/19، الصادر في 11 نونبر 1980، الذي يدعو في فقرته العاشرة المغرب والبوليساريو، بصفتها ممثلاً لشعب الصحراء الغربية، إلى الدخول في مفاوضات مباشرة من أجل التوصل إلى تسوية نهائية. ولا تتضمن الصياغة الواردة في القرار نصاً يمنح الجبهة صفة الممثل الحصري أو يحظر وجود تعبيرات سياسية صحراوية أخرى.
يمكن الرجوع إلى النصين الأصليين عبر بوابة الوثائق الرسمية للأمم المتحدة: القرار 34/37 والقرار 35/19.
غير أن غياب لفظ «الوحيد» لا ينبغي تحويله بدوره إلى استنتاج أوسع مما تسمح به الوثيقتان. فالقراران يثبتان المكانة التمثيلية التي أسندتها الجمعية العامة إلى البوليساريو في إطار البحث عن تسوية، لكنهما لا يقدمان تنظيماً بديلاً، ولا يمنحان حركة «صحراويون من أجل السلام» أي اعتراف أممي تلقائي. الفارق هنا بين عدم وجود نص يقر الحصرية وبين وجود اعتراف دولي بجهة أخرى، وهما مسألتان مختلفتان.
ويأتي حكم محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي الصادر في 4 أكتوبر 2024، في القضيتين المضمومتين C‑779/21 P وC‑799/21 P، ليقدم صياغة قانونية أكثر مباشرة. ففي الفقرة 89، أوضحت المحكمة أن جبهة البوليساريو لم يُعترف بها رسمياً بوصفها الممثل الحصري لشعب الصحراء الغربية، مع اعتبارها، استناداً إلى قرارات الهيئات الأممية العليا، محاوراً مميزاً في العملية التي تجري تحت رعاية الأمم المتحدة لتحديد الوضع المستقبلي للإقليم، فضلاً عن مشاركتها في محافل دولية أخرى للدفاع عن حق ذلك الشعب في تقرير المصير.
هذا التمييز الوارد في الحكم مهم: المحكمة لم تنفِ مكانة البوليساريو في المسار الأممي، ولم تعتبرها تنظيماً بلا صفة، لكنها ميزت بين كونها محاوراً ذا مكانة خاصة وبين الاعتراف الرسمي بها ممثلاً حصرياً. ولا يجوز، في المقابل، تقديم الحكم باعتباره اعترافاً قضائياً بحركة «صحراويون من أجل السلام» أو حكماً في شرعية مطالبها السياسية؛ فالقضية كانت مرتبطة بالطعن في اتفاقات الاتحاد الأوروبي وآثارها القانونية، وليست دعوى للفصل في هوية الممثل السياسي الوحيد للصحراويين.
تعيد عودة الحركة إلى اللجنة الرابعة طرح سؤال يتجاوز التنافس بين تنظيمين: ما الآليات التي تسمح بمعرفة مدى تمثيل أي جهة سياسية لمواقف الصحراويين، وكيف يمكن قياس قبولهم بمشروعات التسوية المختلفة؟
تُثار، في النقاش حول البوليساريو، انتقادات تتعلق بغياب انتخابات تعددية واضحة وشفافة لاختيار قيادتها، وبمدى مشاركة المحتجزين في مخيمات تندوف في القرارات المرتبطة بمستقبلهم. وهي انتقادات تستحق الفحص استناداً إلى تقارير موثقة وشهادات محددة، لا أن تتحول إلى أحكام عامة تُنسب إلى «تقارير دولية» من دون تسمية تلك التقارير أو تحديد ما أثبتته فعلاً.
كما أن غياب انتخابات معروفة لا يكفي وحده لإثبات أن تنظيماً لا يحظى بأي تمثيل، مثلما لا يكفي إعلان حركة سياسية قبولها حلاً معيناً لإثبات أنها تمثل جميع المؤيدين لذلك الحل. معيار التمثيل يحتاج إلى أدلة مستقلة، وإلى النظر في طبيعة التنظيم وآليات اتخاذ القرار ومدى قدرته على التعبير عن الفئات التي يدعي تمثيلها.
بالنسبة إلى «صحراويون من أجل السلام»، سيكون التحدي هو تحويل حضورها الأممي المتكرر إلى مشاركة سياسية قابلة للاستمرار، وتقديم تصور واضح للتسوية التي تدافع عنها، وإثبات أن دعوتها إلى التعددية ليست مجرد اعتراض على احتكار البوليساريو للتمثيل، بل مشروع سياسي له امتداد ومقترحات قابلة للنقاش.
أما بالنسبة إلى البوليساريو، فإن تكرار وصف نفسها بالممثل «الشرعي والوحيد» لا يغير الصياغة الواردة في القرارات الأممية ولا يضيف إلى الحكم القضائي الأوروبي ما ليس فيه. وفي المقابل، فإن عدم الاعتراف الرسمي بالحصرية لا يعني أن موقع الجبهة داخل المسار الأممي قد اختفى أو أن حركة أخرى ورثت مكانتها.
تبقى التسوية السياسية للنزاع مرتبطة بمواقف الأطراف وبالجهود الأممية وبقدرة المبادرات المطروحة على الوصول إلى حل واقعي ودائم. وفي هذا المسار، لا ينبغي اختزال الصحراويين في خطاب تنظيم واحد، كما لا ينبغي منح أي حركة صفة التمثيل الواسع لمجرد أنها تعارض ذلك التنظيم. الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة المغربية يقتضي أيضاً أن تكون قراءة الوثائق الدولية دقيقة، وأن تستند المرافعة إلى ما تثبته النصوص، لأن قوة الموقف الوطني تزداد حين لا يحتاج إلى المبالغة في تفسيرها.