حكومة المنصوري الجديدة: وجوه تتبدل ومراكز القرار تستمر… هل تغيّر الحكم أم تغيّرت الأسماء فقط؟

0
81

لم تبدأ دلالة الحكومة المغربية الجديدة يوم 16 أكتوبر 2026، عندما ترأس الملك محمد السادس مراسم تعيين أعضائها بالقصر الملكي في الرباط، بل بدأت قبل ذلك بأسابيع، مع نتائج الانتخابات التشريعية التي أفرزت تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة، ثم تكليف فاطمة الزهراء المنصوري برئاسة الحكومة، وصولاً إلى المفاوضات التي انتهت بتشكيل أغلبية من أربعة أحزاب. فالتغيير الذي شهدته البلاد لم يقتصر على انتقال قيادة الجهاز التنفيذي إلى امرأة للمرة الأولى، بل شمل أيضاً إعادة ترتيب الخريطة الحزبية التي ستستند إليها الحكومة الجديدة.

في التشكيلة التي أُعلن عنها، احتفظ عبد الوافي لفتيت بوزارة الداخلية، وناصر بوريطة بالشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وعبد اللطيف وهبي بوزارة العدل، وأحمد التوفيق بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وفي المقابل، انتقلت وزارة الاقتصاد والمالية والأداء العمومي إلى فوزي لقجع، بينما عادت حقيبة التربية الوطنية والتكوين المهني إلى نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية. وتضمنت التشكيلة تعيينات أخرى في قطاعات الصحة والطاقة والفلاحة، ضمن حكومة تتألف من 32 عضواً، بحسب المعطيات المنشورة عن التشكيلة الجديدة.

تكشف هذه الأسماء عن مستويين مختلفين من التغيير. الأول يتعلق بالوجوه التي دخلت الحكومة أو انتقلت إلى قطاعات جديدة، والثاني يتعلق باستمرار مسؤولين راكموا خبرة حكومية في قطاعات ظلت مواقعها القيادية مستقرة رغم تغير رئيس الحكومة. غير أن قراءة هذه الاستمرارية باعتبارها دليلاً قاطعاً على غياب التجديد ستكون متسرعة؛ فالمعيار ليس مدة بقاء المسؤول في منصبه وحدها، بل ما إذا كان سيواصل السياسات السابقة أم سيعيد توجيهها، وما إذا كانت الحكومة الجديدة ستغير أدوات التنفيذ وآليات التقييم والمحاسبة.

احتفاظ وزارة الداخلية بعبد الوافي لفتيت، مثلاً، يعني استمرار المسؤول نفسه على رأس قطاع يرتبط بالإدارة الترابية وتنسيق جوانب أساسية من العمل الإداري والأمني. واستمرار ناصر بوريطة يعني الحفاظ على المسؤول الذي قاد الدبلوماسية المغربية خلال المرحلة السابقة. أما بقاء عبد اللطيف وهبي وأحمد التوفيق، فيعكس بدوره استمراراً في قطاعي العدل والشؤون الإسلامية. لكن هذه الوقائع لا تكفي وحدها للحكم على طبيعة الأداء المقبل؛ إذ تختلف وظائف هذه القطاعات، كما تختلف معايير تقييم نتائجها، ولا يمكن قياس حصيلة وزارة من خلال اسم الوزير أو مدة بقائه فقط.

المسألة الأكثر دلالة توجد في وزارة الاقتصاد والمالية. فتعيين فوزي لقجع، الذي سبق أن تولى مسؤوليات في الوزارة نفسها، يجمع بين تغيير الشخص الذي يقود القطاع واستمرار حضور مسؤول يمتلك تجربة سابقة في تدبير المالية العمومية. وتضع هذه الخطوة الحكومة أمام اختبار محدد: هل ستترجم إعادة توزيع المسؤوليات إلى تغييرات ملموسة في إعداد الميزانية وتنفيذها، وفي ترتيب الأولويات الاجتماعية والاستثمارية، أم سيظل التغيير محصوراً في قيادة الوزارة؟

لا تسمح المعلومات المتاحة عند تشكيل الحكومة وحدها بالإجابة عن ذلك. فالحكم يحتاج إلى فحص مشروع قانون المالية، وتوزيع الاعتمادات بين القطاعات، ومؤشرات التنفيذ، ومدى الالتزام بالتعهدات الاجتماعية والاقتصادية. كما يتطلب التمييز بين القرارات التي يملك القطاع الوزاري صلاحية اتخاذها، والقرارات التي تتطلب تنسيقاً حكومياً أو موافقة مؤسسات أخرى.

الأغلبية الجديدة: تحالف مختلف عن الأغلبية السابقة

تشكّلت الحكومة على قاعدة سياسية تختلف عن قاعدة الحكومة التي قادها عزيز أخنوش منذ أكتوبر 2021. فقد أفضت انتخابات 23 شتنبر 2026 إلى تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، وفق النتائج المنشورة، بينما جاء حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً. واجتمعت هذه الأحزاب الأربعة في أغلبية من 207 مقاعد داخل مجلس النواب المكوّن من 395 عضواً، متجاوزة عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً.

لهذه الأرقام دلالة سياسية تتجاوز الحساب العددي. فالتجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة السابقة، لم يدخل ضمن الأغلبية الجديدة، بعدما حل ثانياً في الانتخابات بـ66 مقعداً. وفي المقابل، جمع التحالف الجديد أحزاباً تختلف في مرجعياتها وتاريخها السياسي، لكنها اتفقت على دعم حكومة تقودها المنصوري.

أعلنت الأحزاب الأربعة أن تشكيل الأغلبية يستند إلى تقارب سياسي وإلى الرغبة في بناء حكومة منسجمة وقادرة على تنفيذ برنامج حكومي. كما تحدثت عن الكفاءة والنزاهة والاستقامة في اختيار المرشحين للمناصب الوزارية، وعن الاستجابة لانتظارات المواطنين في مجالات العيش الكريم والحقوق والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.

تبقى هذه التزامات معلنة، وليست نتائج تحققت بالفعل. ويقتضي تقييمها معرفة كيفية ترجمتها إلى برنامج حكومي محدد، وما إذا كانت ستتضمن أهدافاً قابلة للقياس، وآجالاً للتنفيذ، ومؤشرات تسمح للبرلمان والرأي العام بتتبع التقدم المحرز. فالتوافق على تشكيل أغلبية لا يعني تلقائياً التوافق على كل تفاصيل السياسات العمومية، كما أن توزيع الحقائب لا يحسم وحده كيفية تدبير الاختلافات بين مكونات الائتلاف.

تتجلى أهمية هذه النقطة في كون الأحزاب المشاركة لا تدخل الحكومة من موقع سياسي واحد، ولا تحمل بالضرورة الأولويات نفسها في كل الملفات. وسيكون على قيادة الحكومة تحويل الاتفاق السياسي إلى برنامج موحد، مع تحديد مسؤولية كل قطاع عن التنفيذ، وتجنب أن تصبح التسويات داخل الأغلبية سبباً في إضعاف وضوح القرار أو تأخير المشاريع.

رئاسة الحكومة وحدود المسؤولية التنفيذية

يضع تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة التجربة الجديدة أمام اختبار سياسي ومؤسساتي في آن واحد. فهي تقود فريقاً يضم مسؤولين جدد وآخرين استمروا في مناصبهم، وتستند إلى أغلبية تشكلت بعد مفاوضات بين أربعة أحزاب. وستتحدد قدرتها على قيادة العمل الحكومي بمدى نجاحها في تنسيق القطاعات، وتحديد الأولويات، ومتابعة تنفيذ الالتزامات، والتعامل مع الاختلافات داخل الأغلبية.

غير أن تقييم موقع رئيس الحكومة يقتضي أيضاً الرجوع إلى الإطار الدستوري المغربي، لا الاكتفاء بالتصور العام الذي يمنح رئيس الجهاز التنفيذي مسؤولية موحدة عن جميع القرارات. فالفصل 47 من الدستور ينص على تعيين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، كما ينص على تعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ويحدد الفصل 48 اختصاصات المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك.

وتعني هذه البنية أن تحليل السلطة التنفيذية المغربية يحتاج إلى التمييز بين قيادة الحكومة وتنسيق عملها، واختصاصات المجلس الوزاري، ومسؤوليات القطاعات الوزارية. ولا يصح اختزال آليات القرار في شخص رئيس الحكومة، كما لا يصح إعفاؤها من المسؤولية السياسية عن البرنامج الحكومي وعن التنسيق بين مكوناته.

سيكون من الضروري، لذلك، متابعة الكيفية التي ستدبر بها المنصوري علاقتها بالوزراء، وكيف ستحدد أولويات الحكومة، وما إذا كانت ستعتمد آليات منتظمة لمتابعة الالتزامات وتقييم نتائجها. فالخبرة التي يمتلكها بعض الوزراء يمكن أن تساعد على استمرارية العمل، لكنها لا تعوض الحاجة إلى تنسيق فعال وإلى مساءلة المسؤولين عن نتائج القطاعات التي يشرفون عليها.

من التغيير السياسي إلى نتائج السياسات العمومية

لا يتوقف الاختبار عند بنية الحكومة وأسماء أعضائها. فالتحديات التي تواجهها البلاد ترتبط بملفات يومية، من بينها التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية، إلى جانب الاستثمار والتنمية المجالية. وقد أشارت تغطيات صحافية دولية عقب تشكيل الحكومة إلى أن هذه الملفات ستكون من أبرز التحديات التي تواجه الفريق الجديد، بالتوازي مع مواصلة الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.

لكن تحديد هذه التحديات لا يكفي لإثبات أن الحكومة ستنجح في معالجتها أو ستفشل فيها. فالمعيار هو ما ستقرره فعلياً، وما ستخصصه من موارد، وكيف ستنفذ قراراتها، وما ستكشفه المؤشرات الرسمية لاحقاً عن النتائج. وفي ملف التشغيل، مثلاً، لا يكفي الإعلان عن برامج جديدة؛ بل ينبغي قياس فرص العمل التي أُحدثت، وطبيعتها، ومدى استمراريتها، والفئات والمناطق التي استفادت منها. وفي التعليم والصحة، يتطلب التقييم النظر إلى جودة الخدمات وإمكانية الوصول إليها، لا إلى حجم الإنفاق أو عدد المشاريع المعلن عنها وحدهما.

وينطبق الأمر نفسه على العدالة المجالية. فالتعهد بتقليص الفوارق بين المناطق يحتاج إلى بيانات تسمح بمقارنة توزيع الاستثمار والخدمات وفرص الشغل، وإلى معرفة ما إذا كانت المشاريع قد نُفذت فعلاً وفي الآجال المحددة. أما الحديث عن إصلاح الإدارة، فيقتضي النظر إلى أثر الإجراءات على المواطنين والمقاولات، وإلى الزمن الذي تستغرقه الخدمات، ومدى وضوح المسؤوليات الإدارية.

هذه المؤشرات هي التي ستسمح لاحقاً بتحديد ما إذا كان تغيير الحكومة قد أنتج تحولاً في طريقة التدبير. أما في مرحلة التشكيل، فإن المتاح هو رصد التغييرات في المسؤوليات، وقراءة التحالف السياسي، وفحص الالتزامات المعلنة، من دون استباق نتائج لم تظهر بعد.

والاستمرارية بدورها ليست حكماً نهائياً على الأداء. فقد تتيح الاحتفاظ ببعض المسؤولين تفادي فقدان الخبرة المؤسسية، وقد تتيح التغييرات في مواقع أخرى إعادة ترتيب الأولويات. لكن كلا الاحتمالين يظل مرتبطاً بما سيحدث داخل المؤسسات، لا بمجرد الأسماء التي ظهرت في التشكيلة الرسمية.

تدخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري عملها بتركيبة تجمع بين الاستمرارية والتغيير، وبأغلبية حزبية مختلفة عن سابقتها. أما تحديد ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى تجديد فعلي في النخب وأساليب الحكم، فيحتاج إلى تتبع القرارات والميزانيات والنتائج، وإلى مساءلة الحكومة عن التزاماتها بعد أن تصبح قابلة للتنفيذ والتقييم. فالمرحلة الأولى تكشف شكل السلطة التنفيذية؛ أما طبيعة التغيير الذي تحمله، فلن تتضح إلا من خلال ممارستها الفعلية.