الدعم العمومي للصحافة في المغرب: ملايين الدراهم للإعلام… وماذا عن الصحافة التي لا تبيع ضميرها؟

0
117

هناك صحافة تشتغل لتكون حاضرة في السوق، وهناك صحافة تشتغل لكي يكون لها معنى. وبين الاثنين توجد مقاولات تجمع بين الوظيفة الإعلامية والنشاط التجاري، ومؤسسات صغيرة ومستقلة تحاول أن تنتج صحافة جادة في ظروف مالية صعبة، من دون أن تمتلك بالضرورة الموارد البشرية والإشهارية والعلاقات التي تسمح لها بمنافسة المؤسسات الكبرى على الدعم والموارد.

هذا التفاوت يستحق أن يُناقش بجدية، خصوصاً مع الأرقام التي حملها مشروع قانون المالية لسنة 2027.

بحسب المعطيات المنشورة عن المشروع، يُرتقب تخصيص نحو 1.8 مليار درهم لدعم السمعي البصري العمومي، مقابل 247 مليون درهم لمواكبة المقاولات الصحفية. وتندرج هذه الاعتمادات ضمن ميزانية قطاع التواصل التي يُتوقع أن تبلغ 2.047 مليار درهم سنة 2027، بانخفاض قدره 12.35 في المائة مقارنة بسنة 2026. وتظل هذه الأرقام مرتبطة بمشروع قانون المالية، وليست في حد ذاتها دليلاً على أن جميع الاعتمادات صُرفت فعلاً أو وصلت إلى الجهات المستهدفة.

لكن النقاش الذي تفرضه هذه الميزانية يتجاوز حجم الاعتمادات. إنه يتعلق أيضاً بمعنى الدعم العمومي، وبالصحافة التي تستحق أن تكون جزءاً من المشهد الإعلامي الوطني، وبالمعايير التي تجعل مؤسسة تستفيد وأخرى تبقى خارجه.

حين لا تكفي الأرقام التجارية للحكم على قيمة الصحافة

الأرقام المتعلقة بالسمعي البصري العمومي تقدم مثالاً يستحق التوقف عنده.

فقد سجلت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة وشركة «صورياد–دوزيم» خسائر صافية مجمعة بلغت 487 مليون درهم خلال سنة 2025. وبلغت خسائر «دوزيم» 356 مليون درهم، مقابل 131 مليون درهم للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وفق معطيات التقرير المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2027.

واستحوذت «دوزيم» على 65.8 في المائة من الاستثمارات الإعلانية التلفزيونية الخام خلال السنة نفسها، لكن رقم معاملاتها تراجع بنسبة 10 في المائة ليستقر عند 375 مليون درهم، منها 357 مليوناً من الإعلانات. أما الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، فقد ارتفع رقم معاملاتها إلى 672 مليون درهم، غير أن حساباتها انتهت أيضاً بخسارة صافية.

لا تعني هذه النتائج أن المؤسستين لا تؤديان وظيفة عمومية، ولا أن الخسائر دليل تلقائي على سوء التدبير. فالخدمة العمومية لها تكاليف والتزامات لا يمكن اختزالها في منطق الربح والخسارة. لكنها تفرض، في المقابل، نقاشاً حول كيفية تدبير الموارد، وفعالية الإنفاق، والنتائج المحققة، ومدى استدامة النموذج المالي.

إذا كانت المؤسسات العمومية تستفيد من تمويلات كبيرة لأداء مهامها، فمن حق المواطن أن يعرف ما الذي تحققه هذه الأموال، وكيف تُقاس جودة الخدمة الإعلامية، وما أثرها في التعددية والمعلومة والثقافة والنقاش العام.

والسؤال نفسه ينبغي أن يُطرح، بصيغ مختلفة، عند توزيع الدعم على الصحافة الخاصة والمستقلة.

«المغرب الآن» و«الدبلوماسية» وMMA MAG… أين تقع الصحافة المستقلة في معادلة الدعم؟

بالنسبة إلى مؤسسات مثل موقع «المغرب الآن»، ومجلة «الدبلوماسية»، ومجلة «فنون القتال المختلطة MMA MAG»، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد الحصول على حصة مالية من ميزانية عمومية. إنها تتعلق بكيفية الاعتراف بالعمل الصحافي الذي تحاول هذه المنابر إنتاجه، وبالموقع الذي تحتله الصحافة المتخصصة والتحليلية داخل منظومة الدعم.

هذه المنابر تقدم نفسها باعتبارها مشاريع إعلامية تراهن على المعالجة والتحليل والتخصص، وعلى بناء محتوى يتجاوز نقل الأخبار اليومية. فـ«المغرب الآن» يشتغل على الشأن الوطني والسياسات العمومية، و«الدبلوماسية» على العلاقات الدولية والدبلوماسية والثقافة، فيما تتوجه MMA MAG إلى الرياضات القتالية وما يرتبط بها من قضايا رياضية وتنظيمية.

قيمة هذه المشاريع لا يمكن إثباتها بمجرد إعلان أصحابها أنهم يمارسون صحافة جادة؛ فهي تحتاج، مثل غيرها، إلى تقييم مهني يستند إلى جودة المواد المنشورة، ودقة المعلومات، واحترام أخلاقيات المهنة، والاستمرارية، والتخصص، ومدى مساهمتها في تنويع العرض الإعلامي.

لكن صغر حجم المؤسسة أو محدودية مواردها التجارية لا ينبغي أن يتحولا تلقائياً إلى سبب لإقصائها، إذا كانت تستوفي الشروط المهنية والقانونية المطلوبة.

وهذه نقطة جوهرية: قد تكون المؤسسة الإعلامية صغيرة من الناحية المالية، لكنها تنتج محتوى ذا قيمة صحافية وثقافية ومعرفية. وقد تكون المؤسسة كبيرة تجارياً، من دون أن يكون حجمها وحده كافياً للحكم على جودة ما تقدمه.

التمييز بين الحالتين لا يكون بالانطباعات، وإنما بمعايير معلنة وقابلة للقياس والتطبيق على الجميع.

القانون يتحدث عن التعددية وتكافؤ الفرص

المسألة ليست مجرد مطالبة أخلاقية أو وجهة نظر شخصية. فالمادة السابعة من القانون المغربي رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر تنص على التزام الدولة بضمان حرية الصحافة وتعزيز التعددية الإعلامية، كما تربط استفادة قطاعات الصحافة والنشر والطباعة والتوزيع من الدعم العمومي بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص والحياد، وبمعايير موضوعية تحترم استقلالية المؤسسات المستفيدة.

هذا الإطار القانوني يجعل النقاش حول الدعم أوسع من مجرد الإعلان عن غلاف مالي سنوي. فالمهم أيضاً هو معرفة كيفية ترجمة هذه المبادئ إلى إجراءات عملية: ما شروط الاستفادة؟ وكيف تُقيَّم الملفات؟ وما موقع الصحافة المتخصصة؟ وهل توجد آليات واضحة للتظلم بالنسبة إلى المؤسسات التي ترى أنها استوفت الشروط ولم تستفد؟

لا تسمح المعلومات المتاحة هنا بالجزم بأن «المغرب الآن» أو «الدبلوماسية» أو MMA MAG قد استوفت جميع الشروط القانونية والإدارية المطلوبة، أو بأنها رُفضت في طلب دعم محدد. لذلك لا يصح تقديم وضعيتها باعتباره إقصاءً مثبتاً من دون الاطلاع على الملفات والقرارات ذات الصلة.

لكن من المشروع أن تطالب هذه المؤسسات، وغيرها من المنابر المستقلة، بنظام دعم واضح يمكنها من معرفة موقعها الحقيقي، وأسباب القبول أو الرفض، وسبل الاعتراض عند الاقتضاء.

إصلاح الدعم لا ينبغي أن يتحول إلى اختبار للقدرة التجارية وحدها

في 19 فبراير 2026، أعلن وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد اعتماد صيغة جديدة لدعم المقاولات الصحفية، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية. وأوضح أن الصيغة المعتمدة تعود إلى النظام السابق مع تخصيص غلاف مالي أكبر، مشيراً إلى أن بعض المقاولات الصغيرة والمتوسطة لم تستكمل الإجراءات المطلوبة، خلافاً لمقاولات كبرى أودعت ملفاتها. كما أعلن تخصيص نحو 30 مليون درهم للحقوق المرتبطة بالحقوق المعنوية للصحافيين، وفق ما نشرته البوابة الرسمية للمغرب والوزارة المعنية.

هذا التصريح يبرز مشكلة عملية لا يجوز تجاهلها: فوجود ميزانية للدعم لا يعني أن جميع المؤسسات المؤهلة تستطيع الوصول إليها بالسهولة نفسها. وقد يرتبط ذلك باستكمال الملفات، أو بالقدرة الإدارية، أو باستيفاء الشروط التنظيمية، أو بعوامل أخرى ينبغي فحصها حالةً بحالة، بدلاً من افتراض سبب واحد.

والانتقال نحو دعم المقاولات الصحفية وفق شروط محددة يمكن أن يفتح مجالاً لتحسين الحكامة والشفافية، لكنه يحتاج أيضاً إلى مراعاة الفروق بين المؤسسات. فالمقاولة التي تتوفر على موارد إدارية ومالية كبيرة ليست بالضرورة في الوضع نفسه الذي توجد فيه مجلة متخصصة أو موقع مستقل محدود الموارد.

إذا كانت الغاية من الدعم هي تقوية النسيج الإعلامي الوطني، فإن تقييم المؤسسات ينبغي أن يراعي استدامتها المهنية، واحترامها للقانون، وجودة إنتاجها، وقدرتها على أداء وظيفة إعلامية مستقلة، من دون أن تتحول المؤشرات التجارية وحدها إلى معيار حاسم.

ولا يعني ذلك إعفاء المؤسسات الصغيرة من الالتزامات القانونية أو المالية، وإنما ضمان أن تكون الشروط قابلة للفهم والتطبيق، وأن تتيح منافسة عادلة بين مؤسسات متفاوتة الحجم والإمكانات.

الصحافة ليست تجارة فقط… لكنها ليست معفاة من المحاسبة

تعبير «نحن صحافة ولسنا مؤسسة تجارية» يحمل موقفاً مهنياً مفهوماً، لكنه يحتاج إلى تدقيق حتى لا يتحول إلى ثنائية مضللة. فالمؤسسة الصحفية قد تكون مقاولة من الناحية القانونية والمالية، وتحتاج إلى موارد لتغطية أجور الصحافيين، والتحرير، والتحقق، والتصوير، والتقنيات، والاستضافة الرقمية، والتوزيع، والتطوير.

المشكلة ليست في أن تكون للصحافة موارد أو أن تسعى إلى الاستمرار الاقتصادي. المشكلة تبدأ عندما يصبح المردود التجاري هو المقياس الوحيد لقيمتها، أو عندما تُهمَّش الجودة والاستقلالية والتخصص لأنهما لا يضمنان عائداً سريعاً.

وبالمثل، لا ينبغي أن يُمنح الدعم لمؤسسة لمجرد أنها تصف نفسها بأنها مستقلة أو تحليلية. فالاستقلالية تُختبر في الممارسة، والمهنية تُقاس في المحتوى، والشفافية تشمل أيضاً كيفية صرف الأموال العامة التي تتلقاها المؤسسة.

لهذا تحتاج السياسة العمومية إلى معادلة تجمع بين الاستدامة الاقتصادية والقيمة الصحافية، وبين احترام القانون وحماية التعددية. كما تحتاج إلى نشر معايير الاستفادة ونتائج التقييم بما يسمح للصحافيين والمهنيين والجمهور بمناقشة النظام على أساس معلومات، لا على أساس الشكوك وحدها.

أما المنابر المستقلة، فليس مطلوباً منها أن تتخلى عن هويتها المهنية لكي تصبح أكثر جاذبية للسوق. المطلوب هو أن تكون قادرة على إثبات قيمة عملها، وأن تجد أمامها نظاماً يعترف بهذه القيمة متى استوفت الشروط.

بالنسبة إلى «المغرب الآن» و«الدبلوماسية» وMMA MAG، فإن الدفاع عن حق الصحافة الجادة في الدعم لا ينبغي أن يُبنى على طلب امتياز خاص، وإنما على المطالبة بتكافؤ الفرص، ووضوح المعايير، وتقييم منصف يميز بين حجم المؤسسة وقيمة إنتاجها.

فالمال العمومي ليس مكافأة للولاء، ولا تعويضاً عن ضعف السوق، ولا شهادة مسبقة بالجودة. إنه أداة من أدوات السياسة الإعلامية، وتبريره الحقيقي هو ما يحققه للمجتمع من تعددية ومعلومة موثوقة وصحافة قادرة على العمل باستقلالية.

والاختبار الفعلي لأي نظام دعم لا يبدأ عند الإعلان عن المليارات، وإنما عند معرفة من يستفيد منها، وفق أي شروط، وبأي نتائج، وما إذا كانت المؤسسة المستقلة التي تنتج صحافة ذات معنى تجد فرصة عادلة لإثبات جدارتها.