عضوية الاتحاد الإفريقي لا تصنع اعترافاً دولياً.. كيف تتعامل موسكو وبكين وطوكيو وبروكسل مع «البوليساريو»؟

0
105

غياب «البوليساريو» عن القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المنعقدة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، يعيد إلى الواجهة ملفاً يتجاوز صورة المقاعد داخل قاعة المؤتمر: حدود ما تستطيع عضوية الاتحاد الإفريقي أن تمنحه للكيان الذي تعلنه الجبهة، حين ينتقل من مؤسسة قارية إلى شراكات دولية تحكمها قواعد التمثيل والاعتراف والعلاقات الدبلوماسية.




المغرب حضر إلى موسكو بتمثيل رفيع؛ إذ أوفد الملك محمد السادس رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، إلى جانب وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، والسفير المغربي لطفي بوشعرة. وأكدت رئاسة الحكومة المغربية أن القمة تجمع ممثلي الدول الإفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة، فيما أعلن مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، قبل انطلاقها، تأكيد 48 دولة إفريقية مشاركتها من أصل 54، بينها 22 دولة يمثلها رؤساء دولها.

هذه الصيغة التنظيمية هي المفتاح لفهم ما حدث. فالقمة الروسية الإفريقية ليست اجتماعاً داخلياً للاتحاد الإفريقي، حتى تنتقل قائمة أعضائه إليها تلقائياً، بل إطار شراكة بين موسكو والدول الإفريقية المشاركة، تُحدَّد فيه طبيعة الحضور وفق ترتيبات القمة والجهات المنظمة لها. ولذلك ينبغي التمييز بين غياب الجبهة عن هذه الدورة، وبين الاستنتاج بأن روسيا غيّرت موقفها الدبلوماسي من قضية الصحراء المغربية؛ فالمعلومة الأولى تدعمها المعطيات المنشورة، أما الثانية فلا تثبتها قائمة المشاركين وحدها.

وتكتسب هذه النقطة وزناً إضافياً عند العودة إلى القمتين السابقتين. ففي سوتشي سنة 2019، وُجّهت الدعوة إلى قادة الدول الإفريقية الـ54 وفق ما نقلته وكالة «تاس» آنذاك، بينما شهدت قمة سان بطرسبورغ سنة 2023 مشاركة وفود من 48 دولة إفريقية وخمس منظمات للتكامل الإقليمي. وفي دورة موسكو الحالية، أعلن الكرملين مجدداً حضور وفود من 48 دولة. هذه الأرقام توضح اتساع المشاركة الإفريقية، لكنها لا تكفي، من دون لوائح رسمية تفصيلية، لتحديد الوضع القانوني لكل جهة غائبة أو سبب غيابها.

المكسب المغربي في قراءة هذه الواقعة لا يحتاج إلى المبالغة فيها. فالمشاركة وفق معيار الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تمنح القمة إطاراً واضحاً للتمثيل، وتفصلها عن قاعدة العضوية في الاتحاد الإفريقي. لكن تحويل هذا المعطى إلى إعلان عن انتصار نهائي في ملف الصحراء سيكون تجاوزاً لما تثبته الوثائق المتاحة.

بكين: قائمة الشركاء تكشف حدود العضوية القارية

تقدم الصين مثالاً أكثر وضوحاً على الفرق بين المؤسسة الإفريقية والدول التي تدخل معها في شراكة مباشرة. فبحسب التعريف الرسمي لمنتدى التعاون الصيني الإفريقي «فوكاك»، تضم قائمة الأعضاء الأفارقة 53 دولة تربطها علاقات دبلوماسية ببكين، إلى جانب مفوضية الاتحاد الإفريقي. ولا تظهر «الجمهورية الصحراوية» ضمن القائمة المنشورة.

هذا الترتيب مهم للمغرب؛ لأن بكين لا تعتمد في تشكيل الجانب الإفريقي من المنتدى على عضوية الاتحاد القاري وحدها، بل تربط المشاركة أيضاً بوجود علاقات دبلوماسية معها. ومشاركة مفوضية الاتحاد الإفريقي لا تعني أن كل كيان عضو في الاتحاد يصبح، بصورة منفردة وتلقائية، عضواً في المنتدى الصيني الإفريقي.

لكن الدقة تقتضي عدم الذهاب أبعد من الوثيقة. فالقائمة تثبت قواعد العضوية المنشورة والجهات المدرجة فيها، ولا تثبت وحدها أن الصين اتخذت قراراً جديداً بشأن النزاع حول الصحراء المغربية. كما أن عدم إدراج كيان في منتدى بعينه لا يساوي بالضرورة إعلاناً سياسياً جديداً بشأن وضعه.

وتسمح هذه المقارنة بفهم أفضل للموقف المغربي: فالمطلوب ليس فقط متابعة عدد الدول التي تعترف بمغربية الصحراء، بل أيضاً رصد الكيفية التي تُبنى بها الشراكات الدولية، والجهات التي تحظى بالتمثيل داخلها، والقواعد التي تفصل بين حضور المؤسسات القارية والتمثيل الدبلوماسي للدول.

واشنطن وبروكسل: الاعتراف يظل منفصلاً عن المشاركة

في قمة القادة الأمريكية الإفريقية المنعقدة بواشنطن في دجنبر 2022، ارتبطت المشاركة بترتيبات أمريكية محددة، من بينها العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وشروط العضوية في الاتحاد الإفريقي. ويشير التقرير الذي أعدته خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي بشأن القمة إلى أن «الجمهورية الصحراوية» لم تتلق دعوة، لعدم اعتراف واشنطن بها دولة ذات سيادة، مع وجود دول أخرى لم تشارك لأسباب مختلفة.

وتوضح هذه الحالة أن الدعوة إلى قمة دولية ليست نتيجة آلية للعضوية في منظمة إقليمية؛ فالدولة المضيفة تستطيع وضع معاييرها الخاصة للمشاركة، بما يتفق مع طبيعة المنتدى وأهدافه. غير أن الاستبعاد من اجتماع بعينه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حكماً شاملاً على كل أشكال الحضور الممكنة داخل المؤسسات متعددة الأطراف.

أما التجربة الأوروبية، فتقدم مثالاً أكثر تعقيداً، لأن التنظيم المشترك يوزع المسؤولية عن الدعوات بين الطرفين.

في الإحاطة الصحافية للمفوضية الأوروبية بتاريخ 16 ماي 2025، وقبل الاجتماع الوزاري المرتقب بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، أوضح المتحدث باسم المفوضية أن الطرفين يشرفان بصورة مشتركة على الاجتماع، وأن الجانب الإفريقي يتولى توجيه الدعوات إلى المشاركين الأفارقة. وفي المقابل، أكد أن موقف الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء من عدم الاعتراف بالكيان الذي تعلنه «البوليساريو» لم يتغير، وأن حضوره لا يؤثر في ذلك الموقف.

تكشف هذه الواقعة أن الجهة التي تصدر الدعوة ليست تفصيلاً إدارياً. فقد يحضر ممثلو كيان في اجتماع بحكم عضويته في المؤسسة الإفريقية المنظمة، من دون أن يكونوا قد تلقوا دعوة مستقلة من الجانب الأوروبي، ومن دون أن تتحول المشاركة إلى اعتراف دبلوماسي أوروبي بهم.

وهذا فارق يستحق أن يحظى بالاهتمام في التغطية المغربية؛ لأن الخلط بين الحضور والاعتراف قد يؤدي إلى تضخيم مكاسب الطرف الآخر، مثلما قد يؤدي الخلط بين عدم الدعوة وقطع العلاقات إلى إعلان انتصارات لم تثبتها الوقائع.

طوكيو: واقعة تشرح كيف يمكن أن يحدث الأمران معاً

تقدم الدورة التاسعة للمؤتمر الدولي لطوكيو حول التنمية الإفريقية «تيكاد 9»، المنعقدة في يوكوهاما خلال غشت 2025، اختباراً عملياً لهذه القواعد.

في 29 يوليوز 2025، أكد وزير الخارجية الياباني تاكيشي إيوايا أن بلاده لا تعترف بالصحراء الغربية دولة، وأن سياستها المتمثلة في عدم توجيه دعوة إليها للمشاركة في «تيكاد 9» لم تتغير. لكنه أوضح في التصريح نفسه أن المؤتمر يُنظم بصورة مشتركة مع مفوضية الاتحاد الإفريقي، وأن الأخيرة سبق أن دعت ممثلي الكيان إلى اجتماعات سابقة، مشيراً إلى أن تفاصيل المشاورات الدبلوماسية بين الطرفين ليست مما سيكشف عنه.

وفي غشت، ظهر ممثلو «البوليساريو» ضمن فعاليات المؤتمر، وهو ما وثقته تغطيات إعلامية، بينما استمرت اليابان في تأكيد عدم الاعتراف بالكيان دولة. ونشرت البوابة الرسمية المغربية، في 22 غشت 2025، قراءة مغربية للواقعة اعتبرت أن المشاركة لم تغير موقف طوكيو، كما أكدت تقارير أخرى أن الدعوة جاءت من الجانب الإفريقي.

تستحق هذه الحالة الانتباه لأنها تمنع اختزال الملف في ثنائية مبسطة: إما حضور يعني الاعتراف، وإما غياب يعني الرفض. فقد يتواجد ممثلون في مؤتمر تستضيفه دولة لا تعترف بالكيان الذي يمثلونه، إذا أتاحت ترتيبات التنظيم المشترك للشريك الإفريقي توجيه الدعوات.

وبالنسبة إلى الدبلوماسية المغربية، فإن توثيق التصريحات الرسمية للدولة المضيفة، إلى جانب تحديد الجهة التي وجهت الدعوة، يتيح قراءة أدق من الاكتفاء بصور الوفود أو بيانات المشاركة. فالصورة تثبت الوجود، لكنها لا تحسم وحدها طبيعة الصفة التي مُنحت للمشارك.

ما الذي تثبته الأمم المتحدة، وما الذي لا تثبته؟

تحتاج عبارة «عدم اعتراف الأمم المتحدة بالبوليساريو» إلى ضبط قانوني حتى لا تتحول إلى نقطة ضعف في الحجة الصحافية.

فالأمم المتحدة ليست دولة تمنح اعترافاً دبلوماسياً على النحو الذي تمارسه الحكومات، كما أن وضع الصحراء الغربية في منظومتها القانونية لا يختزل في مسألة الاعتراف بالكيان الذي تعلنه الجبهة. وتدرج الأمم المتحدة الصحراء الغربية، منذ سنة 1963، ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، فيما ظل وضع الإقليم النهائي موضوع مسار سياسي لم يُحسم.

لذلك، من الأدق أن يقال إن «الجمهورية الصحراوية» ليست دولة عضواً في الأمم المتحدة، وإن عدداً من الشركاء الدوليين لا يعترف بها دولة، مع ضرورة تحديد موقف كل دولة على حدة. أما الاستناد إلى وضع الأمم المتحدة لإثبات أن المنظمة أصدرت قراراً عاماً ينفي الاعتراف بالكيان، فليس استنتاجاً تسنده الصفحة الأممية الخاصة بالإقليم.

وهذا التدقيق لا ينتقص من الحجة المغربية؛ بل يحصّنها. فالقضية الوطنية تحتاج إلى حجج قانونية ودبلوماسية قابلة للفحص، لا إلى عبارات قد تبدو حاسمة لكنها تخلط بين مؤسسات مختلفة، لكل منها اختصاصاتها وقواعدها.

من متابعة المقاعد إلى قياس المكاسب الدبلوماسية

غياب «البوليساريو» عن قمة موسكو، وعدم إدراجها في قائمة الشركاء الأفارقة لمنتدى التعاون الصيني الإفريقي، وموقف اليابان المعلن بشأن «تيكاد 9»، كلها وقائع تسمح برصد حدود التمثيل الذي تمنحه عضوية الاتحاد الإفريقي خارج الإطار القاري. لكنها لا تنتمي إلى فئة قانونية واحدة، ولا تستند إلى قاعدة موحدة؛ فلكل منتدى ترتيباته، ولكل دولة مضيفة موقفها الدبلوماسي.

وإذا كان المغرب ينتصر لقضيته الوطنية، فإن قيمة هذا الانتصار تُقاس بما تثبته الوثائق الرسمية، وبمدى انعكاس المواقف المعلنة على العلاقات الثنائية والاتفاقيات والتعاون الدولي، لا بمجرد غياب اسم عن قائمة أو ظهوره في صورة جماعية.

وتظل قمة موسكو مناسبة لمتابعة التمثيل الإفريقي في واحدة من الشراكات الدولية الكبرى، خصوصاً مع مشاركة المغرب بوفد تقوده رئيسة الحكومة نيابة عن الملك محمد السادس. أما الجزم بأن غياب الجبهة يعكس تحولاً روسياً جديداً في ملف الصحراء المغربية، فيحتاج إلى تصريح رسمي أو وثيقة أو موقف دبلوماسي محدد لا توفره، بمفردها، معطيات المشاركة المنشورة حتى الآن.