قراءة في ما كشفه JOURNAL AFRICA على TV5MONDE: معركة المرجعيات الدولية بعد تعثر تجديد ولاية MINURSO

0
98

ملف الصحراء المغربية بين إعادة تشكيل المهمة الأممية، وحسابات موسكو وواشنطن، وحدود الانتقال من المكسب الدبلوماسي إلى الحسم السياسي

لم يكن السؤال الذي افتتح به برنامج JOURNAL AFRICA على قناة TV5MONDE، يوم فاتح نونبر 2026، متعلقاً فقط بمصير الموظفين الأمميين المنتشرين في الصحراء، بعد انتهاء ولاية بعثة MINURSO. فالمناقشة التلفزيونية انتقلت سريعاً من احتمال مغادرة البعثة إلى مستقبل الاستفتاء، ثم إلى الفيتو الروسي، وعلاقة موسكو بالجزائر، وحدود التقارب الأمريكي المغربي، وصولاً إلى احتمال أن تجد المنطقة نفسها أمام فراغ في آليات المراقبة الأممية.

كان ترتيب هذه الأسئلة كاشفاً عن طبيعة اللحظة التي يناقشها البرنامج. فبعد 35 سنة من إنشاء البعثة، لم يتمكن مجلس الأمن من الاتفاق على صيغة واحدة لتجديد ولايتها، رغم أن الخلاف لم يكن بين مؤيد لاستمرار الأمم المتحدة ومعارض لوجودها فحسب، بل بين مشروعين مختلفين حول شكل هذا الاستمرار ومضمونه السياسي.

البرنامج استضاف المحلل الجيوسياسي جلالي بن شعبان، وتركزت المناقشة حول تفسيره للتحولات الروسية والأمريكية. غير أن قراءة ما جرى تقتضي العودة إلى ما سبق الحلقة التلفزيونية، وبالخصوص إلى المراجعة الاستراتيجية التي أنجزتها الأمانة العامة للأمم المتحدة، وإلى المفاوضات التي سبقت التصويت، ثم إلى التصريحات التي أعقبت سقوط المشروعين.

فالتصويت لم يكن حدثاً معزولاً عن مسار بدأ قبل أسابيع، وكانت ملامحه قد ظهرت في الوثائق الأممية قبل أن تصل إلى شاشة التلفزيون.

من مراجعة ولاية البعثة إلى مواجهة مشروعين داخل مجلس الأمن

في 31 أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، الذي مدد ولاية MINURSO إلى غاية 31 أكتوبر 2026. ولم يقتصر القرار على تمديد المهمة، بل أضاف توجيهاً سياسياً مهماً يتعلق بالمسار التفاوضي.

فقد وضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات التي يتعين أن يسهلها الأمين العام ومبعوثه الشخصي، ودعا الأطراف إلى الانخراط فيها دون شروط مسبقة. كما أشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر النتائج قابلية للتطبيق، مع الحفاظ على صيغة الحل السياسي النهائي المتوافق عليه الذي يضمن تقرير المصير.

والفقرة الخامسة من القرار طلبت من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية MINURSO، مع أخذ نتائج المفاوضات بعين الاعتبار.

هذه الفقرة هي المدخل الضروري لفهم مشروع واشنطن في أكتوبر 2026.

فالمراجعة الاستراتيجية لم تكن إجراءً ثانوياً، بل كانت تكليفاً صادراً عن مجلس الأمن نفسه. وقد أحال الأمين العام رسالته المتعلقة بها، تحت الرمز S/2026/811، بتاريخ 13 أكتوبر 2026.

وفي الوقت نفسه، كان تقرير الأمين العام بشأن الوضع في الصحراء الغربية، S/2026/781، قد أحيل إلى مجلس الأمن في فاتح أكتوبر.

إذن، عندما وصل المجلس إلى 30 أكتوبر، لم يكن أمامه اقتراح أمريكي ظهر فجأة لتغيير اسم البعثة. كان أمامه ملف يتضمن قراراً سابقاً يطالب بمراجعة مستقبل المهمة، وتقريراً عن الوضع الميداني والسياسي، ومراجعة استراتيجية، ثم مشروعين متنافسين لتحديد ما ينبغي فعله بعد انتهاء الولاية.

وهذا التسلسل مهم، لأن النقاش حول MINURSO كان قد انتقل من سؤال التمديد السنوي إلى سؤال أعمق: هل تستمر البعثة بالهيكل والاسم والمهام نفسها، أم يعاد تشكيلها بما يتناسب مع المرجعية السياسية التي بدأ القرار 2797 في ترسيخها؟

المشروع الأمريكي، S/2026/868، اقترح تمديد المهمة سنة إضافية إلى 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها إلى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، MINUSO، ابتداءً من فاتح نونبر 2026، وحذف الإشارة إلى الاستفتاء من التسمية.

كما حمل المشروع تحولاً في طبيعة المهمة العسكرية والسياسية، وربط المفاوضات بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي. أما المشروع الروسي، S/2026/870، فقدم صيغة أقرب إلى التجديد التقليدي، بالإبقاء على اسم MINURSO وتمديد ولايتها سنة إضافية دون إعادة هيكلة جوهرية.

هذه هي نقطة الاختلاف التي لم يكن ممكناً تجاوزها بمجرد التوافق على تمديد تقني.

في التصويت الأول، حصل المشروع الأمريكي على 11 صوتاً مؤيداً، لكن روسيا استخدمت الفيتو. وفي التصويت الثاني، حصل المشروع الروسي على ثلاثة أصوات فقط، هي روسيا والصين والصومال، مقابل صوت أمريكي معارض و11 امتناعاً.

لم يحصل أي من المشروعين على قرار معتمد، وانتهت الولاية في 31 أكتوبر دون تمديد جديد.

ما يستحق التوقف عنده ليس فقط أن موسكو أسقطت المشروع الأمريكي، بل أن واشنطن أسقطت بدورها المشروع الروسي. فالقوتان لم تتفقا على استمرار البعثة بالشكل الذي تقترحه إحداهما، ولم تتمكنا من إنتاج صيغة ثالثة تحافظ على استمرار التفويض.

وهذا ما يجعل وصف الواقعة بأنها انتصار روسي أو انتصار أمريكي وصفاً ناقصاً، لأن النتيجة المؤسسية كانت تعثر المجلس في الحالتين.

حرف R الذي تحول إلى عنوان للمواجهة

في البرنامج التلفزيوني، استأثرت مسألة حذف حرف R من تسمية MINURSO باهتمام واضح. وقد استُخدم الحرف باعتباره رمزاً للخلاف حول الاستفتاء، لكن المسألة تتجاوز الاسم.

فالاستفتاء الذي كان جزءاً من خطة التسوية الأصلية لسنة 1991 لم ينفذ طوال العقود الماضية، بسبب الخلافات المتعلقة بتحديد الهيئة الناخبة وشروط المشاركة والخيارات المطروحة.

والبعثة، التي أنشئت بموجب القرار 690 لسنة 1991، لم تكن مجرد هيئة تحمل اسماً تاريخياً، بل مؤسسة أممية لها مهام ميدانية وسياسية وأمنية، تشمل مراقبة وقف إطلاق النار ودعم المسار الأممي.

وقد أكد بيان الأمم المتحدة الصادر عقب اجتماع 30 أكتوبر أن الاستفتاء لم يجر، رغم استمرار البعثة في تنفيذ المهام المسندة إليها.

المشروع الأمريكي كان يحاول ترجمة التحول في المرجعية السياسية إلى تغيير مؤسسي. فحذف كلمة الاستفتاء من الاسم كان سيعكس انتقالاً عن الوظيفة الأصلية التي حملتها البعثة منذ 1991، باتجاه صيغة جديدة أكثر ارتباطاً بالعملية السياسية.

لكن حذف الكلمة من الاسم لا يساوي، في حد ذاته، إلغاء مبدأ تقرير المصير من المرجعية الأممية. فالقرار 2797 نفسه جمع بين اعتماد المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات وبين الإشارة إلى تقرير المصير باعتباره جزءاً من الحل السياسي النهائي.

هذه الثنائية هي التي تجعل قراءة المسار الأممي أكثر تعقيداً من اختزاله في مواجهة بين الاستفتاء والحكم الذاتي.

بالنسبة للمغرب، يمثل نقل المبادرة المغربية إلى مركز المفاوضات تطوراً مهماً في طبيعة التعامل الدولي مع الملف. أما تحويل ذلك إلى تسوية نهائية، فيظل مرتبطاً بما ستنتجه المفاوضات والضمانات السياسية والقانونية التي سترافقها.

وهذا هو الفرق بين تغيير مركز الثقل في العملية التفاوضية وبين إعلان انتهاء النزاع.

موسكو لم تصوت فقط ضد واشنطن: ماذا تقول التبريرات الروسية نفسها؟

في مناقشة TV5MONDE، اتجه التحليل إلى تفسير الفيتو الروسي من خلال رغبة موسكو في إثبات حضورها داخل النظام الدولي، وعدم السماح للولايات المتحدة بالانفراد بكتابة قواعد التسوية. وجرى ربط هذا السلوك أيضاً بعلاقة روسيا بالجزائر، وبذاكرة التجربة الليبية سنة 2011.

لكن الرجوع إلى التصريحات الروسية الرسمية يضيف عنصراً أكثر تحديداً إلى هذه القراءة.

فالممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، أوضح في تفسير تصويته يوم 30 أكتوبر أن موسكو تعتبر أن تسوية ملف الصحراء لم تستكمل بعد، وأن الصيغة النهائية ينبغي أن تكون مقبولة من المغرب وجبهة البوليساريو معاً. كما اعترض على ما وصفه بفرض حلول أحادية دون مشاورات مسبقة ومراعاة وجهة نظر الطرف الآخر.

وفي تبريره للمشروع الروسي البديل، شدد على أن موسكو قدمت نصاً يستند إلى لغة القرار 2797، دون إدخال عناصر جديدة تتعارض مع الإطار السابق، وأن الغرض منه كان الحفاظ على الحضور الأممي واستمرارية المهمة.

هذه التصريحات مهمة لأنها تسمح بفهم الموقف الروسي من خلال ما أعلنته موسكو، وليس فقط من خلال استنتاجات المحللين بشأن دوافعها.

روسيا لم تقل إنها ترفض المبادرة المغربية باعتبارها أساساً للمفاوضات. ولم تقل أيضاً إنها تتبنى الموقف الجزائري بصورة مطلقة. بل ركزت اعتراضها على طريقة إعداد المشروع الأمريكي، وعلى ما اعتبرته اختلالاً في التشاور، وعلى احتمال أن يؤدي تغيير التفويض إلى استباق نتيجة التسوية.

لكن هناك جانباً آخر في التصويت لا يقل أهمية: موسكو قدمت مشروعاً بديلاً، ومع ذلك لم تحصل إلا على ثلاثة أصوات.

هذا الرقم يفرض التمييز بين نجاح روسيا في استعمال الفيتو لمنع اعتماد المشروع الأمريكي، وبين قدرتها على بناء أغلبية تؤيد تصورها لاستمرار MINURSO. الأول تحقق، والثاني لم يتحقق.

والامتناع الواسع عن التصويت على المشروع الروسي لا يعني بالضرورة أن الدول الـ11 تبنت الموقف الأمريكي في كل تفاصيله، لكنه يبين أنها لم تمنح الصيغة الروسية التأييد الكافي لاعتمادها.

وهنا تبرز نقطة أخرى أغفلها النقاش التلفزيوني نسبياً: الصين امتنعت عن التصويت على المشروع الأمريكي، ثم صوتت لصالح المشروع الروسي. وفي تفسير امتناعها، تحدث ممثلها عن عدم كفاية المشاورات بشأن النص الأمريكي، وعن ضرورة ألا تستخدم ولاية البعثة للضغط السياسي، مع تأكيد الحاجة إلى تسوية سياسية.

هذا السلوك لا يسمح بوضع الصين آلياً في المعسكر الروسي، لكنه يكشف تحفظها على الطريقة التي أرادت بها واشنطن إعادة تشكيل المهمة.

أما المقارنة مع القرار 1973 بشأن ليبيا سنة 2011، التي وردت في البرنامج، فتحتاج إلى قدر من الحذر.

فروسيا كانت قد امتنعت عن التصويت على القرار الذي أجاز اتخاذ تدابير لحماية المدنيين في ليبيا، ثم انتقدت لاحقاً كيفية تنفيذ التدخل العسكري وما اعتبرته تجاوزاً للتفويض الأممي.

يمكن أن تكون هذه التجربة جزءاً من خلفية الحذر الروسي تجاه الصيغ التي قد تمنح القوى الغربية مجالاً واسعاً لتحديد مسار أزمة دولية. لكنها لا تثبت أن فيتو أكتوبر 2026 كان انتقاماً من تجربة ليبيا، ولا أن هذا العامل كان الدافع الحاسم للتصويت.

الأكثر ثباتاً في الوثائق هو اعتراض موسكو المعلن على الصيغة الأمريكية، وليس التفسير النفسي أو التاريخي الذي يمكن أن نلحقه بذلك الاعتراض.

الجزائر في المعادلة: العلاقة مع موسكو لا تفسر وحدها التصويت

سؤال المذيعة حول ما إذا كان الفيتو الروسي خدمة للجزائر كان من الأسئلة الأساسية في الحلقة.

والجواب لا ينبغي أن يتوقف عند كون الجزائر شريكاً عسكرياً واقتصادياً لروسيا. فالعلاقات بين الدول لا تتحول بالضرورة إلى التزام آلي في كل ملف دولي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمجلس الأمن وبمصالح القوى الكبرى.

الموقف الروسي المعلن في 30 أكتوبر ركز على عدم فرض تسوية أحادية، وعلى ضرورة مراعاة موقف جبهة البوليساريو. وهذا يتقاطع مع الموقف الجزائري الرافض لجعل المبادرة المغربية أساساً وحيداً للمفاوضات، لكنه لا يكفي لإثبات أن موسكو اتخذت قرارها حصراً خدمة للجزائر.

والأهم أن روسيا سبق أن امتنعت عن التصويت على القرار 2797 في أكتوبر 2025، الذي وضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات.

إذن، لا يمكن قراءة سلوك موسكو باعتباره رفضاً ثابتاً لكل صيغة تعطي المبادرة المغربية موقعاً مركزياً. ما تغير في 2026 هو النص المعروض وطريقة إعادة تشكيل المهمة والضمانات السياسية التي رأت موسكو أنها غائبة.

أما واشنطن، فهي بدورها لا تنظر إلى المغرب والجزائر من زاوية واحدة. المغرب شريك استراتيجي في ملفات الأمن والدفاع والتعاون الإقليمي، والجزائر دولة ذات ثقل في معادلات الطاقة والساحل والأمن والعلاقات الدولية.

لكن الحديث عن رغبة أمريكية في إرضاء الطرفين لا ينبغي أن يتحول إلى استنتاج غير موثق بأن واشنطن مستعدة للتراجع عن المرجعية التي دعمتها في مجلس الأمن.

ما يمكن إثباته هو أن الولايات المتحدة قدمت مشروعاً يدفع نحو إعادة تشكيل البعثة على أساس المبادرة المغربية، وحصل على 11 صوتاً، ثم واصلت بعد الفيتو الروسي التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي وعلى تنظيم تقليص الوجود الأممي بصورة آمنة.

أما حسابات واشنطن الأوسع تجاه الجزائر والمغرب، فتظل مجالاً للتحليل، لا حقيقة يمكن استخراجها مباشرة من نتيجة التصويت.

الموقف المغربي: بيان الديوان الملكي يذهب أبعد من عدم تجديد الولاية

بعد سقوط المشروعين، صدر بيان الديوان الملكي يوم 30 أكتوبر 2026، واعتبر عدم تجديد ولاية MINURSO تطوراً مهماً وخطوة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية في الأمم المتحدة.

البيان لم يتوقف عند إعلان الارتياح لعدم التجديد، بل ربط التطور بانتقال المملكة من منطق تدبير النزاع إلى منطق تغيير معايير التعامل معه.

كما اعتبر أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بما يشمل الموظفين والمركبات والمعدات والرموز، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.

والأكثر دلالة أن البيان انتقل إلى مستوى مؤسساتي أوسع، حين دعا إلى إنهاء نظر مجلس الأمن الدوري في الملف، ووقف التقارير الدورية للأمين العام والإحاطات التي يقدمها مبعوثه الشخصي، مع الإشارة إلى خطوات مماثلة داخل هيئات أممية أخرى.

وفي الوقت نفسه، أكد استمرار التزام المغرب بوقف إطلاق النار، وصيانة أمنه الوطني ووحدته الترابية، ومواصلة التحرك الدبلوماسي على المستويين الثنائي والإقليمي.

هذه هي القراءة المغربية الرسمية للتطور، وهي قراءة ينبغي تقديمها كاملة، لا اختزالها في خبر انتهاء ولاية البعثة.

لكن من الناحية المؤسسية، يجب التمييز بين ما أعلنه الديوان الملكي باعتباره توجهاً للمملكة، وبين ما قرره مجلس الأمن في اجتماعه.

فالمجلس لم يعتمد قراراً يقضي بإخراج ملف الصحراء من جدول أعماله. ولم يصدر قراراً يلغي التقارير الأممية أو ينهي صلاحيات المبعوث الشخصي للأمين العام.

الذي وقع هو عدم اعتماد أي من مشروعي التمديد، وبالتالي انتهاء الولاية التي كان القرار 2797 قد حددها إلى غاية 31 أكتوبر.

وهذا فارق لا ينتقص من أهمية التطور بالنسبة للمغرب، بل يجعل فهمه أكثر دقة. فالمملكة أعلنت موقفاً سياسياً يتجاوز استمرار الآلية السابقة، لكن تحويل هذا الموقف إلى واقع مؤسساتي داخل الأمم المتحدة يتطلب تطورات وقرارات أخرى.

ما الذي تقوله بقية المؤسسات الأممية؟

هناك عنصر مهم في الصورة لم يحظ بالقدر نفسه من الاهتمام داخل البرنامج، ويتعلق باستمرار تناول ملف الصحراء الغربية داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ففي 15 أكتوبر 2026، أي قبل التصويت على مستقبل MINURSO بنحو أسبوعين، اعتمدت اللجنة الرابعة للجمعية العامة مشروع القرار A/C.4/81/L.4 بأغلبية 152 صوتاً، مقابل صوتين معارضين وسبعة امتناعات.

وكان التصويت ضمن أعمال اللجنة المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، في إطار البند المتعلق بتصفية الاستعمار.

هذه الواقعة تستحق الانتباه عند قراءة إعلان الديوان الملكي بشأن إنهاء نظر مجلس الأمن الدوري في الملف، واتخاذ خطوات أخرى داخل الهيئات الأممية.

فالأمم المتحدة ليست مجلس الأمن وحده. هناك الجمعية العامة ولجنتها الرابعة، وهناك اللجنة الخاصة المعنية بتصفية الاستعمار، وهناك أجهزة أخرى لها اختصاصات ومسارات عمل مختلفة.

كما أن عدم تجديد ولاية بعثة لحفظ السلام لا يؤدي تلقائياً إلى إلغاء كل المسارات الأممية المتعلقة بالموضوع.

والتصويت في اللجنة الرابعة يبين أن الملف ظل مطروحاً داخل جهاز أممي آخر في الفترة نفسها التي كانت فيها المفاوضات حول مستقبل MINURSO تصل إلى طريق مسدود.

بالنسبة للمغرب، لا يكفي أن تتغير آلية التعامل مع الملف داخل مجلس الأمن، بل تظل هناك ضرورة لمواصلة العمل الدبلوماسي داخل مختلف المؤسسات الدولية، ومتابعة طبيعة القرارات والتوصيات التي تصدر عنها، وعدم ترك فراغ في التمثيل والتواصل وشرح الموقف الوطني.

هذا لا يعني أن تصويت اللجنة الرابعة يساوي قراراً بشأن السيادة أو أنه يلغي التطورات التي عرفها مجلس الأمن. فلكل جهاز أممي اختصاصه وطبيعة قراراته. لكنه يوضح أن الحديث عن إغلاق الملف في الأمم المتحدة يحتاج إلى تحديد دقيق للمؤسسات والمسارات المقصودة.

البعثة انتهت ولايتها… لكن ماذا عن المراقبة الميدانية؟

في الحلقة التلفزيونية، انتقل النقاش من المرجعيات السياسية إلى مصير الموظفين الأمميين، وظهرت مسألة التمديد التقني باعتبارها احتمالاً لتجنب الفراغ.

هذا الانتقال لم يكن اعتباطياً. فالبعثة كانت تؤدي وظيفة ميدانية تتجاوز التحضير للاستفتاء، خصوصاً مراقبة وقف إطلاق النار والتواصل بشأن التطورات الأمنية.

وقد حذرت فرنسا، خلال اجتماع مجلس الأمن، من أن الإغلاق المفاجئ للبعثة سيكون مقلقاً للغاية في ظل عودة التوترات. كما اعتبرت المملكة المتحدة أن الفيتو الروسي قد يعرض استمرار انتشار المهمة للخطر ويؤثر في تقدم المسار السياسي.

أما الممثل الأمريكي مايك والتز، فأوضح أن بلاده مستعدة للعمل مع الأمم المتحدة لضمان تقليص منظم ومستقر للوجود الأممي، مع حماية الموظفين ومراعاة الاحتياجات الأمنية والإنسانية.

وتوجد بالفعل تقارير صحافية مغربية عن توجيه تعليمات لموظفي البعثة بالبقاء في منازلهم وإيقاف استعمال المركبات الرسمية، استناداً إلى رسالة داخلية اطلعت عليها صحيفة هسبريس. لكن هذه المعلومة ينبغي أن تبقى منسوبة إلى مصدرها الصحافي، ولا يصح تقديمها باعتبارها إعلاناً رسمياً للأمم المتحدة عن اكتمال الانسحاب.

الفرق بين انتهاء الولاية وانتهاء الوجود الميداني فرق أساسي.

انتهاء التفويض يضع حداً للأساس القانوني الذي كان يسمح للبعثة بممارسة مهمتها بموجب القرار السابق. أما سحب الأفراد والمعدات، وإغلاق المكاتب، وترتيب المسؤوليات اللوجستية والأمنية، فهي عمليات تحتاج إلى ترتيبات تنفيذية.

ولا تتوافر في المعطيات الرسمية المنشورة التي أمكن التحقق منها، حتى تاريخ إعداد هذه القراءة، وثيقة أممية مفصلة تحدد جدولاً نهائياً للانسحاب الكامل.

كما أن اختفاء آلية المراقبة لا يعني بالضرورة وقوع مواجهة عسكرية، لكنه يطرح سؤالاً عملياً حول الجهة التي ستتولى التحقق من الحوادث الميدانية، وكيفية تبادل المعلومات، وما إذا كانت هناك آلية بديلة يمكن أن تمنع سوء التقدير.

هذا الجانب لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لتضخيم المخاطر، لكنه يستحق المتابعة، لأن الاستقرار الميداني جزء من المصالح الوطنية للمملكة، وليس مجرد تفصيل تابع للنقاش الدبلوماسي.

البوليساريو والجزائر: رفض المشروع الأمريكي لا يعني اختفاء الخلاف

في 31 أكتوبر، أصدرت جبهة البوليساريو بياناً بشأن اجتماع مجلس الأمن، اعتبرت فيه أن عدم اعتماد المشروع الأمريكي نتيجة إيجابية بالنسبة إليها، وواصلت التأكيد على تمسكها بمسار الأمم المتحدة وبما تصفه بحق تقرير المصير والاستقلال.

كما انتقدت المشروع الأمريكي، واعتبرته انعكاساً للموقفين الأمريكي والمغربي.

هذا الموقف يكشف أن سقوط المشروع الأمريكي لم ينهِ الخلاف السياسي حول طبيعة التسوية، بل أبقى الأطراف أمام مرجعيات متعارضة.

وبالنسبة للمغرب، فإن استمرار هذه المواقف لا يغير من أهمية ما تحقق في القرار 2797، ولا من الحضور الذي اكتسبته المبادرة المغربية للحكم الذاتي في المداولات الدولية.

لكن ينبغي عدم افتراض أن غياب قرار جديد بشأن MINURSO سيؤدي تلقائياً إلى قبول الأطراف الأخرى بالمرجعية التي تدفع بها الرباط.

فالعمل الدبلوماسي لا يتوقف عند لحظة التصويت، بل يبدأ اختبار قدرته على تحويل المواقف الدولية إلى مفاوضات ونتائج قابلة للتنفيذ.

ما الذي كشفته المقارنة بين ضيف TV5MONDE والوثائق الدولية؟

عند العودة إلى مداخلة جلالي بن شعبان، يمكن تحديد ثلاث نقاط تستحق الوقوف عندها.

الأولى، تفسير الفيتو الروسي بوصفه تعبيراً عن رفض موسكو تهميش دورها في إعادة ترتيب النظام الدولي. هذا التفسير يجد ما يسنده في التصريحات الروسية التي اعترضت صراحة على الصياغة الأمريكية وعلى غياب المشاورات الكافية. لكنه لا يثبت وحده أن الاعتبارات الجيوسياسية العامة كانت الدافع الوحيد للفيتو.

الثانية، اعتبار الموقف الروسي تقاطعاً ظرفياً مع المخاوف الجزائرية أكثر منه اصطفافاً كاملاً مع الجزائر. وهذا تفسير يمكن مناقشته من خلال سلوك موسكو في تصويتي 2025 و2026، لكنه يظل قراءة سياسية، ولا ينبغي تقديمه باعتباره معلومة رسمية عن طبيعة التفاهمات الروسية الجزائرية.

الثالثة، الإشارة إلى أن المغرب يملك أسباباً للاحتفاء بالتطور، مع التحذير من المبالغة في تفسير نتائجه. وهذه النقطة تكتسب أهميتها من التمييز بين المكسب السياسي والنتيجة القانونية، وبين تأييد مشروع قرار وبين اعتماده فعلياً.

لكن ما كان يستحق مساحة أكبر في الحلقة هو مراجعة S/2026/811، ومضمون القرار 2797، والتصويت الذي جرى في اللجنة الرابعة للجمعية العامة في 15 أكتوبر.

هذه الوثائق الثلاث تسمح بفهم التطور باعتباره انتقالاً بين مسارات مؤسساتية متداخلة، وليس مجرد مواجهة بين موسكو وواشنطن حول حرف R.

كما أن سؤال المذيعة عن شكل الصحراء بعد سنة، بين بعثة جديدة أو فراغ أممي أو احتمال عودة التصعيد، كان يمكن أن يتوسع باتجاه سؤال أكثر عملية: ما البديل الذي يمكن أن يحافظ على المراقبة والاستقرار إذا لم يعد هناك توافق داخل مجلس الأمن على تجديد المهمة؟

ذلك أن مستقبل النزاع لا يتحدد فقط بمصير البعثة، بل أيضاً بقدرة الدبلوماسية على إنتاج إطار تفاوضي لا يعيد المنطقة إلى منطق إدارة الأزمة دون أفق سياسي.

ما الذي ينبغي أن تتابعه الدبلوماسية المغربية بعد 30 أكتوبر؟

المرحلة المقبلة تفرض متابعة ثلاثة مسارات متوازية.

المسار الأول: تثبيت المرجعية السياسية المغربية.

القرار 2797 لسنة 2025 يظل آخر قرار معتمد بشأن ولاية MINURSO، وهو الذي وضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات.

عدم تجديد الولاية لا يلغي القرار السابق، ولا يمحو ما تضمنه من توجهات سياسية. لذلك تظل الأولوية هي الحفاظ على هذا التراكم، ومواصلة العمل من أجل أن تصبح المبادرة المغربية إطاراً عملياً للتفاوض، لا مجرد صيغة تحظى بالتأييد في التصريحات الدولية.

المسار الثاني: التحرك داخل المؤسسات الأممية المختلفة.

التطورات داخل مجلس الأمن لا تعني انتهاء جميع المسارات داخل الأمم المتحدة. والتصويت في اللجنة الرابعة يوضح أن الملف ما زال حاضراً في مؤسسات أخرى.

وعليه، فإن أي توجه مغربي لإعادة ترتيب العلاقة مع الهيئات الأممية ينبغي أن يقوم على دراسة قانونية ومؤسساتية دقيقة، تحدد ما يمكن تغييره، وما يتطلب قرارات جديدة، وما يظل خاضعاً لاختصاص أجهزة أخرى.

المسار الثالث: تدبير ما بعد MINURSO.

انتهاء الولاية يفرض معالجة الأسئلة المتعلقة بالمراقبة الميدانية، والوجود الأممي، وسلامة الموظفين، وآليات التواصل وتفادي التصعيد.

والموقف المغربي الذي أكد الالتزام بوقف إطلاق النار يوفر أساساً واضحاً لتدبير هذه المرحلة، لكن الترتيبات العملية تظل بحاجة إلى متابعة وتنسيق مع الأمم المتحدة.

نهاية الحلقة وبداية مرحلة جديدة من الاختبار الدبلوماسي

ما ناقشه JOURNAL AFRICA على TV5MONDE يكشف أن ملف الصحراء المغربية دخل مرحلة تتداخل فيها ثلاثة مستويات: التحول في المرجعية السياسية للمفاوضات، والتنافس بين القوى الكبرى على صياغة القرار الأممي، ومستقبل الآليات التي كانت تتولى إدارة الحضور الدولي على الأرض.

الفيتو الروسي منع اعتماد المشروع الأمريكي، لكن المشروع الروسي لم يحصل بدوره على الأصوات اللازمة. والنتيجة أن MINURSO دخلت فاتح نونبر دون ولاية مجددة، بينما بقي القرار 2797 آخر مرجعية معتمدة لمستقبلها وللعملية التفاوضية.

وبالنسبة للمغرب، فإن التطور الذي رحب به الديوان الملكي يكتسب أهميته من كونه يأتي بعد تحول في لغة مجلس الأمن بشأن المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وليس فقط من انتهاء ولاية بعثة استمرت منذ 1991.

غير أن المرحلة المقبلة ستكشف مدى قدرة مختلف الأطراف على التعامل مع الوضع الجديد، ومدى استعداد القوى الكبرى للتوصل إلى صيغة تتجاوز التعطيل الذي ظهر في التصويت الأخير.

ما يستحق أن تتابعه الصحافة المغربية ليس فقط عدد الدول التي تؤيد المبادرة المغربية، بل أيضاً طبيعة ما تقوله هذه الدول داخل المؤسسات الدولية، وكيف تصوت، وما الذي تقبله في النصوص الرسمية، وما الذي تعترض عليه، وما إذا كانت مواقفها السياسية تتحول إلى ترتيبات تفاوضية وقانونية.

فالمملكة راكمت خلال السنوات الماضية مكتسبات دبلوماسية ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها. والاختبار الآن هو الانتقال من مرحلة تثبيت المبادرة المغربية باعتبارها أساساً للمفاوضات إلى مرحلة بناء شروط التسوية التي تصون المصالح العليا للمملكة ووحدتها الترابية.