قراءة تحليلية في مداخلات الضيوف المغاربة والروس والأمريكيين، وفي اختلاف تقديراتهم بشأن مستقبل البعثة الأممية، وحدود التحول الذي أحدثه تعثر التصويت داخل مجلس الأمن.
ليست أهمية حلقة «رادار» التي بثتها سكاي نيوز عربية بعنوان «الصحراء المغربية.. ماذا يعني تعثر تمديد مهمة بعثة المينورسو؟» في أنها أعادت عرض خبر الفيتو الروسي أو شرحت خلفيات عدم اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي. ما يستحق القراءة في هذه الحلقة هو أنها وضعت، على طاولة نقاش تلفزيوني واحدة، ثلاثة تصورات مختلفة لما جرى داخل مجلس الأمن، وما يمكن أن يترتب عليه: تصور مغربي ينطلق من التحول الذي عرفته مرجعية التسوية الدولية، وتصور روسي يقرأ المشروع الأمريكي من زاوية التوازنات داخل المجلس ومبدأ عدم فرض نتيجة سياسية مسبقة، وتصور أمريكي يعتبر أن استمرار بعثة تحمل اسم الاستفتاء، بعد أكثر من ثلاثة عقود من دون تنظيمه، لم يعد يعكس طبيعة المسار الذي يجري العمل عليه.
الحلقة، التي امتدت لنحو 27 دقيقة، لم تكن مجرد استعراض لمواقف رسمية متقابلة. فقد أتاحت مداخلات ضيوفها، ومن بينهم الأستاذ المغربي تجدي الحسيني، والضيف الروسي محمود الأفندي، والضيف الأمريكي روبرت ريبيل، إلى جانب مداخلات أكاديمية أخرى، فرصة لمقارنة طريقة قراءة كل طرف للتصويت، وللرسائل التي حملها المشروع الأمريكي، وللأسباب التي دفعت موسكو إلى استخدام الفيتو. لكن قيمة هذا النقاش لا تتحدد فقط بما قاله الضيوف، بل كذلك بما ينبغي إخضاعه للفحص: هل كان الفيتو الروسي دفاعاً عن المينورسو بصيغتها القديمة، أم اعتراضاً على إعادة تشكيلها وفق تصور أمريكي؟ وهل يعني تعثر التجديد نهاية المهمة فعلاً، أم أن الأمر يفتح مرحلة من الغموض القانوني والسياسي؟ وما الذي تغير في موقع مقترح الحكم الذاتي المغربي بعد هذا التصويت؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تقود قراءة الحلقة، لا أن تتحول مداخلات الضيوف إلى تصريحات مجمعة أو أن يُعاد إنتاجها في صيغة مقال إخباري.
تصويت مزدوج لم ينتصر فيه أي مشروع، لكنه كشف اختلافاً أعمق
الواقعة المركزية التي انطلقت منها الحلقة هي جلسة مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026. فقد عرضت الولايات المتحدة مشروع قرار يقضي بتمديد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها ابتداء من فاتح نوفمبر إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية» (MINUSO)، وإدخال تعديلات على طبيعة المهمة وعلى مرجعية العملية السياسية. حصل المشروع على أحد عشر صوتاً مؤيداً، لكنه سقط بسبب الفيتو الروسي، مع امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت.
بعد ذلك، عرضت روسيا مشروعاً مضاداً يقضي بتمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، مع الإبقاء على اسمها وصيغتها القائمة. لم يحصل هذا المشروع إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي معارض، وامتناع أحد عشر عضواً.
القراءة السطحية لهذه النتيجة قد توحي بأن روسيا عطلت المشروع الأمريكي، ثم فشلت بدورها في تمرير مشروعها. وهذا صحيح من الناحية الإجرائية، لكنه لا يكفي لفهم ما حدث. فالمشروع الأمريكي لم يسقط بسبب غياب التأييد، بل بسبب اعتراض دولة دائمة العضوية. أما المشروع الروسي فلم يتمكن من حشد أغلبية داخل المجلس، بما يكشف أن موسكو، رغم امتلاكها أداة الفيتو، لم تستطع تحويل اعتراضها إلى توافق دولي حول العودة إلى الصيغة السابقة للمينورسو.
الفرق بين الحالتين جوهري. الفيتو الروسي منع اعتماد تصور أمريكي جديد، لكنه لم يمنح روسيا تفويضاً دولياً لفرض تصورها البديل. وفي المقابل، فإن فشل المشروع الروسي لا يعني أن أعضاء المجلس تبنوا تلقائياً الرؤية الأمريكية؛ فهناك فارق بين التصويت ضد مشروع وبين الموافقة على المشروع المنافس، كما أن الامتناع لا يمكن تحويله إلى تأييد سياسي لأي من الطرفين.
هذا التفصيل مهم لفهم النقاش الذي دار في «رادار». فالمواجهة لم تكن بين مشروع أمريكي يحظى بإجماع ومشروع روسي يحظى برفض دولي، بل بين مقاربتين لم تستطع أي منهما الحصول على قرار نافذ. والنتيجة المباشرة كانت دخول ولاية البعثة حالة من عدم التجديد، بعد انتهاء مدتها في 31 أكتوبر 2026.
وتؤكد التغطية الرسمية لاجتماع مجلس الأمن أن المشروعين لم يعتمدا، وأن مستقبل البعثة دخل مرحلة من عدم اليقين. كما يوضح تقرير «Security Council Report» أن المشروع الأمريكي مر بمراحل تفاوض وتعديل قبل عرضه للتصويت، وأن الصيغة النهائية كانت مختلفة عن المسودة الأولى.
المداخلة المغربية: قراءة التحول من داخل المرجعية الجديدة
تكتسب مداخلة المغربي تجدي تاج الدين الحسيني أستاذ العلوم السياسية أهميتها من موقعها داخل النقاش؛ فهي لم تتعامل مع المينورسو باعتبارها مؤسسة أممية منفصلة عن تطور الملف السياسي، بل حاولت ربط مصير البعثة بما طرأ على مرجعية مجلس الأمن، وبالتحول الذي عرفته مواقف عدد متزايد من الدول تجاه مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
المسألة التي تستحق التوقف عندها في القراءة المغربية هي أن المينورسو تأسست سنة 1991 لتنفيذ مخطط تسوية كان الاستفتاء أحد أعمدته الأساسية. غير أن هذا الاستفتاء لم يُنظم، بعدما اصطدمت العملية بخلافات معقدة حول تحديد الهيئة الناخبة وشروط المشاركة، واستمر الخلاف السياسي سنوات طويلة، فيما تحولت البعثة عملياً إلى جزء من آليات تدبير الوضع الميداني ومراقبة وقف إطلاق النار.
مرور خمسة وثلاثين عاماً من دون تنفيذ المهمة الأصلية يضع سؤال الفعالية أمام أي نقاش حول مستقبل البعثة. لكن هذا السؤال لا يُجيب وحده عن سؤال البديل. فتعثر الاستفتاء لا يؤدي تلقائياً إلى تسوية سياسية، كما أن عدم تمديد ولاية البعثة لا يعني أن النزاع انتهى قانونياً أو أن جميع الملفات المرتبطة به أصبحت محسومة.
التحول الذي ينبغي أن يحظى بالاهتمام الأكبر في القراءة المغربية هو القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025. فهذا القرار لم يكن مجرد تمديد تقني لولاية المينورسو؛ فقد أدرج مقترح الحكم الذاتي المغربي ضمن المرجعية التي تقوم عليها المفاوضات، وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية قد يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق. كما طلب من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة، مع مراعاة تطورات العملية السياسية.
بذلك، فإن النقاش حول المينورسو لم يعد منفصلاً عن سؤال وظيفة البعثة ومدى ملاءمة استمرارها بالاسم والمهام نفسيهما، في ظل تغير المرجعية السياسية التي يناقش المجلس على أساسها الملف.
لكن ينبغي التمييز بين ما أنجزه القرار 2797 وما لم ينجزه. فهو لم يعلن نهاية النزاع، ولم يفرض تسوية نهائية، ولم يحول مقترح الحكم الذاتي إلى اتفاق سياسي مكتمل بين الأطراف. لقد عزز موقع المبادرة المغربية داخل مرجعية المفاوضات، وفتح الباب أمام مراجعة مستقبل البعثة، لكنه أبقى العملية السياسية مرتبطة بما ستسفر عنه المفاوضات والقرارات اللاحقة.
وهذا التمييز لا ينتقص من أهمية التحول الدبلوماسي المغربي، بل يحمي القراءة الوطنية من المبالغة في تفسير الوقائع. فالقوة في الموقف المغربي لا تحتاج إلى تحميل قرار أممي أو تصويت دولي أكثر مما يتضمنه نصه فعلاً.
موسكو: الفيتو لا يعني تبني الموقف المغربي ولا الدفاع عن البوليساريو
كانت المداخلة الروسية من أكثر أجزاء الحلقة حاجة إلى التفكيك، لأن الفيتو الصادر عن موسكو لا يمكن تفسيره بمجرد وضعه في خانة معارضة المغرب أو، في الاتجاه المقابل، اعتباره دعماً للموقف المغربي بصورة غير مباشرة.
الضيف الروسي محمود الأفندي قدم قراءة تنطلق من اعتراض موسكو على الطريقة التي صيغ بها المشروع الأمريكي، وعلى ما اعتبرته استباقاً لنتيجة العملية السياسية وإعادة ترتيب لمهمة أممية من دون توافق داخل مجلس الأمن. وهذه نقطة تستحق الانتباه؛ فروسيا لم تطرح مشروعاً بديلاً لتبني مقترح الحكم الذاتي، ولم تصوت لصالح المشروع الأمريكي، بل قدمت نصاً يمدد ولاية المينورسو بصيغتها المعروفة، ويحافظ على اسمها وعلى الإطار الأممي السابق.
لكن قراءة الموقف الروسي لا تكتمل عند حدود ما أعلنته موسكو. فمجلس الأمن ليس فضاءً محايداً عن التنافس بين القوى الكبرى، واستخدام الفيتو يدخل في حسابات أوسع تتصل بموقع الولايات المتحدة في المجلس، وبحق الدول الدائمة العضوية في منع تمرير قرارات لا توافق على اتجاهها أو صياغتها. وقد يكون هذا البعد جزءاً من تفسير السلوك الروسي، لكنه لا يثبت وحده أن موسكو اتخذت موقفها بسبب حسابات خارج ملف الصحراء المغربية.
ما يستحق التوقف عنده في المداخلة هو الفرق بين الاعتراض على مضمون المشروع الأمريكي والتمسك باستمرار المينورسو. فلو كان الهدف الروسي الوحيد هو حماية وجود البعثة، لكان من الطبيعي أن ينجح مشروعها المضاد في الحصول على تأييد أوسع. غير أن النتيجة جاءت معاكسة: ثلاثة أصوات فقط أيدت المشروع الروسي، بينما اختار أحد عشر عضواً الامتناع.
هذا لا يعني أن الدول الممتنعة تبنت مشروع واشنطن، لكنه يكشف أن موسكو لم تنجح في إقناع المجلس بأن تمديد المهمة بصيغتها القديمة هو المخرج المقبول من الأزمة. لقد استطاعت تعطيل مشروع، ولم تستطع فرض البديل.
والأهم أن الموقف الروسي لم يكن اعتراضاً على تغيير اسم البعثة فقط. فالمشروع الأمريكي النهائي كان يتضمن تعديلات تتصل بالمرجعية السياسية للمفاوضات، وبمراجعة هيكلة المهمة ومواردها، وبإعادة النظر في طبيعة حضورها الأممي. كما أن المسودات الأولى كانت أكثر اتجاهاً نحو تحويل المهمة من عملية لحفظ السلام إلى بعثة سياسية، قبل أن تتغير الصياغة خلال المفاوضات. وتقرير «Security Council Report» يرصد هذه المراحل، ويبين أن النص الذي وصل إلى التصويت لم يكن هو المسودة الأولى التي تداولتها واشنطن.
أما الحديث عن وجود مقايضة روسية أمريكية أو صفقة غير معلنة مرتبطة بملفات دولية أخرى، فلا تسمح المعطيات المنشورة بإثباته. يمكن طرحه كاحتمال في تحليل سلوك القوى الكبرى، لكن لا يجوز تحويله إلى واقعة أو تقديمه باعتباره تفسيراً مؤكداً للفيتو.
والقراءة المغربية مطالبة بالتعامل مع الموقف الروسي بواقعية: لا ينبغي أن يتحول الاعتراض الروسي على مشروع أمريكي إلى دليل على خصومة روسية مغربية، كما لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خدمة سياسية للمغرب. موسكو تصرفت وفق تقديرها لمصالحها وموقعها داخل مجلس الأمن، والمغرب بدوره مطالب بقراءة مواقف الدول من خلال نتائجها العملية، لا من خلال الانطباعات أو الرغبات.
واشنطن: الاعتراف بتعثر الاستفتاء ومحاولة تغيير وظيفة البعثة
في المداخلة الأمريكية، برزت حجة مختلفة عن الحجة الروسية. فالضيف الأمريكي روبرت ريبيل انطلق من واقع أن المينورسو أنشئت سنة 1991 لتنظيم استفتاء لم يتحقق، وأن العملية اصطدمت منذ سنواتها الأولى بالخلاف حول تحديد من يحق لهم المشاركة فيه. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أصبح استمرار البعثة تحت اسم يرتبط بمهمة لم تنفذ يطرح سؤالاً حول مدى ملاءمة الإطار المؤسسي القائم.
هذه الحجة ليست جديدة في النقاش الدولي، لكنها اكتسبت وزناً إضافياً مع القرار 2797، ثم مع المراجعة الاستراتيجية التي طلبها مجلس الأمن من الأمين العام. فالولايات المتحدة لم تكتف في مشروعها الأخير بتمديد الولاية، بل حاولت جعل هذا التمديد مدخلاً لتغيير هوية المهمة وموقعها داخل العملية السياسية.
وتظهر أهمية المداخلة الأمريكية عندما نضعها أمام الصياغة النهائية للمشروع. فقد اقترحت واشنطن تغيير اسم المينورسو إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية» (MINUSO)، مع تمديد الولاية إلى 31 أكتوبر 2027، وطلب تقديم مقترحات بشأن هيكل البعثة وموظفيها ومواردها قبل 30 يناير 2027. كما جعلت مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، ووصفت الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية بأنه النتيجة الأكثر قابلية للتحقق.
هذا تطور سياسي مهم بالنسبة للمغرب، لكنه لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن الصياغة الأممية. فالمشروع الأمريكي لم يكن قراراً نافذاً، لأنه سقط بالفيتو الروسي. كما أن النص النهائي، بخلاف المسودة الأمريكية الأولى، لم يحسم بصورة نهائية تحويل البعثة إلى مهمة سياسية خاصة، ولم يضع تاريخاً محدداً لإنهاء وجودها العسكري. لقد ترك جزءاً من مستقبلها لمقترحات الأمين العام وللتطورات التي ستعرفها العملية السياسية.
والتمييز بين المسودة الأولى والنص النهائي ضروري؛ لأن الخلط بينهما يؤدي إلى تقديم مشروع واشنطن كما لو أنه كان يتضمن منذ البداية الصيغة نفسها التي وصلت إلى التصويت. وتقرير «Security Council Report» يوضح أن المسودة الأولى كانت أكثر حدة في وصف المقترح المغربي، وتضمنت تصوراً لتحويل البعثة إلى مهمة سياسية خاصة، قبل أن تتغير الصياغة خلال المشاورات.
في المقابل، فإن تصريحات المندوب الأمريكي بعد التصويت، وانتقاده استخدام الفيتو للحفاظ على حرف «R» في اسم البعثة، أي الإشارة إلى الاستفتاء، تكشف أن واشنطن أرادت تقديم المعركة باعتبارها مواجهة بين الإبقاء على تسمية مرتبطة بمسار لم ينفذ وبين تحديث المهمة لتواكب الواقع السياسي. لكن هذا الخطاب الأمريكي لا يلغي أن أي تغيير في ولاية بعثة أممية يظل خاضعاً لقرار مجلس الأمن، ولا يمكن أن يتحول إلى واقع مؤسسي بمجرد إعلان واشنطن رغبتها فيه.
ما لم يحظَ بالقدر الكافي من النقاش: المراجعة الاستراتيجية ومهام المينورسو الفعلية
من بين العناصر التي تستحق توسيع النقاش بشأنها، ما ورد في المراجعة الاستراتيجية لمستقبل المينورسو، التي أُحيلت إلى مجلس الأمن في 13 أكتوبر 2026 تحت الوثيقة S/2026/811، تنفيذاً للقرار 2797.
هذه الوثيقة مهمة لأنها تخرج النقاش من ثنائية الإبقاء على البعثة أو إنهائها، وتضع أمام المجلس سيناريوهات متعددة. فقد تناولت استمرار المفاوضات أو بقاء حالة الجمود، وإمكانية إعادة ضبط حجم البعثة ومهامها ووسائل عملها، بما في ذلك تقليص عدد المراقبين العسكريين والاستعانة بفرق تحقق متنقلة ووسائل تقنية للمراقبة والتحليل. كما تناولت سيناريو التوصل إلى تسوية سياسية، وما قد يترتب عليه من مهام انتقالية مرتبطة بتنفيذ الاتفاق، وعودة اللاجئين، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
وتكشف هذه المراجعة أن مستقبل المينورسو كان موضوع نقاش مؤسسي قبل التصويت الأخير، وأن مجلس الأمن كان أمام سؤال أوسع من مجرد تجديد سنوي روتيني. فهناك اعتراف بوجود صعوبات تعترض عمل البعثة، من بينها الخلافات السياسية المستمرة، والقيود على حرية الحركة، وتطور الظروف الأمنية، والقيود التقنية والمالية.
ومن المهم أيضاً ألا يُختزل دور المينورسو في الاستفتاء وحده. فقد اضطلعت البعثة، خلال السنوات الماضية، بمهام مرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار، ورصد الحوادث العسكرية، والتواصل بين الأطراف، وتيسير الحد من التصعيد، فضلاً عن جوانب مرتبطة بإزالة الألغام والتوعية بمخاطرها. وهذه الوظائف لا تعني أن البعثة نجحت في حل النزاع، لكنها تعني أن انتهاء ولايتها يطرح أسئلة عملية تتجاوز تغيير الاسم أو إنهاء وجود الطواقم.
فإذا غابت آلية المراقبة الأممية، فما البديل الذي يضمن استمرار رصد التطورات الميدانية؟ وكيف ستتم معالجة الحوادث التي كانت البعثة تتولى تسجيلها وإبلاغ الأمم المتحدة بها؟ وما الضمانات التي تمنع سوء التقدير أو التصعيد في منطقة ظلت لسنوات خاضعة لترتيبات وقف إطلاق النار؟
هذه أسئلة لا تنتقص من الموقف المغربي، ولا تتعارض مع المطالبة بإنهاء مهمة تجاوزت مبرراتها الأصلية. إنها أسئلة تتعلق بإدارة المرحلة المقبلة، وبمسؤولية الدولة عن حماية أمنها ووحدة أراضيها، مع تجنب أي فراغ قد تستغله الأطراف الأخرى لإعادة إنتاج التوتر.
ولا يمكن، في المقابل، التعامل مع انتهاء الولاية باعتباره إذناً تلقائياً بتغيير كل الترتيبات الميدانية أو تجاوز الالتزامات القائمة. فالمسائل المرتبطة بالمنطقة العازلة والانتشار العسكري ووقف إطلاق النار لها مرجعياتها وتقديراتها الخاصة، ولا تُحسم بمجرد انتهاء مدة التفويض الأممي.
البلاغ الملكي: انتقال من تدبير الملف إلى تغيير محدداته
البلاغ الصادر عن الديوان الملكي يوم 30 أكتوبر لم يكتف بالتعبير عن ارتياح المغرب لعدم تمديد ولاية المينورسو. فقد وضع الحدث ضمن تصور سياسي أوسع، يتحدث عن الانتقال من منطق تدبير الملف إلى مقاربة تستهدف تغيير محدداته، ويعتبر أن عدم التجديد ينبغي أن يؤدي إلى إنهاء وجود البعثة بطواقمها ومعداتها ورموزها خلال الأيام المقبلة.
كما دعا البلاغ إلى إنهاء إحالة الملف بصورة دورية على مجلس الأمن، وإلى عدم استمرار الاجتماعات النظامية والتقارير والإحاطات الأممية المرتبطة به، مع الإعلان عن اتخاذ خطوات مماثلة داخل أجهزة أخرى تابعة للأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه، أكد المغرب تشبثه بوقف إطلاق النار، واحترام سلامة ووحدة أراضيه وأمنه الوطني، ومواصلة الدينامية الدبلوماسية على المستويين الثنائي والإقليمي.
هذه الصياغة تحمل رسالة سياسية واضحة: الرباط لا تريد أن يُقرأ عدم تجديد الولاية باعتباره مجرد تعثر إجرائي في مجلس الأمن، بل باعتباره محطة في مسار أوسع لإعادة ترتيب طريقة التعامل الدولي مع الصحراء المغربية.
غير أن القراءة القانونية تقتضي التمييز بين الموقف المغربي والنتيجة المؤسسية داخل الأمم المتحدة. فالبلاغ الملكي يعبر عن توجه الدولة المغربية وما تعتزم اتخاذه من خطوات، لكنه لا يشكل بمفرده قراراً أممياً بحذف القضية من جدول أعمال مجلس الأمن. كما أن عدم اعتماد قرار جديد لا يلغي تلقائياً القرارات السابقة، ولا ينهي اختصاص المجلس في تناول المسألة، خصوصاً أن القرار 2797 نص صراحة على أن المجلس يظل منشغلاً بالموضوع.
وهذه نقطة مهمة في قراءة مداخلات الحلقة: عندما يتحدث الضيوف عن نهاية المينورسو، يجب تحديد المقصود بدقة. هل الحديث عن انتهاء الولاية التي كانت محددة إلى 31 أكتوبر 2026؟ أم عن إنهاء وجود البعثة على الأرض؟ أم عن إنهاء آلية المراقبة؟ أم عن إنهاء المسار السياسي الأممي؟ هذه أربع مسائل مترابطة، لكنها ليست شيئاً واحداً، ولا تنتج جميعها الأثر القانوني نفسه.
المغرب أعلن موقفه من وجود البعثة ومن استمرار إحالة الملف على المجلس، لكن ترجمة هذا الموقف إلى ترتيبات أممية وميدانية تتطلب متابعة ما سيصدر عن المؤسسات المعنية، وما ستتخذه الأطراف والدول الأعضاء من مواقف وإجراءات.
اللاجئون في مخيمات تندوف: ملف لا يجوز أن يبقى خارج النقاش
من النقاط التي تستحق اهتماماً إضافياً في النقاش المرتبط بمستقبل المينورسو، موضوع اللاجئين في مخيمات تندوف، ولا سيما مسألة التسجيل والإحصاء تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
لقد تضمن المشروع الأمريكي إشارات إلى هذا الملف، وهو موضوع يتجاوز الجدل حول اسم البعثة أو تمديد ولايتها. فغياب بيانات دقيقة ومحينة بشأن أعداد اللاجئين وأوضاعهم واحتياجاتهم يضعف قدرة المؤسسات الدولية على التخطيط الإنساني، كما يجعل النقاش السياسي حول التمثيل والعودة والمستقبل أكثر تعقيداً.
ولا ينبغي تقديم الإحصاء باعتباره إجراءً تقنياً محضاً؛ فالمعطيات السكانية والإنسانية ترتبط بحقوق الأفراد، وبالمسؤوليات الدولية، وبإمكانية بناء تصور واقعي لأي تسوية مستقبلية. لذلك، فإن أي انتقال إلى مرحلة جديدة ينبغي أن يضع حماية اللاجئين وظروفهم الإنسانية في صلب الاهتمام، بعيداً عن توظيف معاناتهم في السجال السياسي.
ما الذي كشفته الحلقة، وما الذي تركته مفتوحاً؟
أبرز ما كشفته حلقة «رادار» هو أن التصويت الأخير لم يكن مجرد خلاف على تمديد سنة إضافية لبعثة أممية. لقد كان اختباراً لمستقبل صيغة دولية تشكلت سنة 1991، في وقت تغيرت فيه المرجعيات السياسية التي يناقش مجلس الأمن على أساسها الملف.
الضيف المغربي قرأ التطور من زاوية التحول في الموقف الدولي وتعزيز موقع الحكم الذاتي المغربي. والضيف الروسي قدم اعتراض موسكو من زاوية رفض الصياغة الأمريكية والتوازنات داخل مجلس الأمن. أما الضيف الأمريكي فركز على تعثر الاستفتاء والحاجة إلى مراجعة مهمة لم تنفذ غايتها الأصلية منذ أكثر من ثلاثة عقود. وتقاطعت هذه المداخلات مع أسئلة أكاديمية تتعلق بالأمن الميداني وبمستقبل المراقبة الأممية.
لكن الحلقة، كما تكشفها محاورها، تترك أمام المتابع أسئلة تحتاج إلى نقاش أوسع من زمن البرنامج: ما طبيعة المرحلة التي تلي انتهاء الولاية؟ كيف ستتعامل الأمم المتحدة مع غياب قرار جديد؟ ما مصير الوظائف الميدانية التي كانت تضطلع بها البعثة؟ وما الخطوات الدبلوماسية التي سيعتمدها المغرب لتثبيت التحول السياسي الذي يدافع عنه؟
كما أن النقاش يحتاج إلى التمييز بين المواقف المعلنة والتقديرات الشخصية للضيوف. فاحتمال وجود حسابات روسية خارج الملف لا يساوي إثبات صفقة، والحديث عن فراغ أمني محتمل لا يعني أن وقوعه حتمي، والتقدم في مرجعية الحكم الذاتي لا يعني أن التسوية النهائية أصبحت منجزة بمجرد تعثر التصويت.
قيمة القراءة المغربية لا تكمن في تجاهل هذه الأسئلة، بل في القدرة على التعامل معها من موقع الثقة في الموقف الوطني، مع الاستناد إلى الوثائق والقرارات والوقائع، وعدم ترك المجال لتأويلات قد تضعف الحجة المغربية بدل أن تدعمها.
لقد أظهر التصويت أن واشنطن استطاعت حشد أحد عشر صوتاً لمشروعها، لكنها لم تستطع تمريره بسبب الفيتو الروسي. وأظهر أيضاً أن موسكو استطاعت منع المشروع الأمريكي، لكنها لم تتمكن من جمع أكثر من ثلاثة أصوات لمشروعها المضاد. وبين النتيجتين، لم يحصل مجلس الأمن على قرار جديد يحدد مستقبل المينورسو.
أما المغرب، فقد تعامل مع عدم التجديد باعتباره تطوراً استراتيجياً يستوجب الانتقال إلى مرحلة مختلفة في تدبير ملف الصحراء المغربية، وهو موقف عبّر عنه البلاغ الملكي بوضوح. لكن الرهان المقبل لن يكون في الاكتفاء بإعلان نهاية مرحلة امتدت 35 سنة، بل في تحويل التحول الدبلوماسي إلى مسار سياسي ومؤسساتي مستقر، يحمي المصالح الوطنية، ويعزز مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ويحافظ على الأمن والاستقرار في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ما انتهى في 31 أكتوبر هو الولاية التي كانت ممنوحة للمينورسو. أما ما ستؤول إليه ترتيبات الحضور الأممي، ومستقبل المسار السياسي، وطبيعة المرحلة الجديدة، فهذه ملفات ستحددها التطورات والقرارات اللاحقة، لا مجرد نتيجة التصويت وحدها.