ملف يستحق أن يصل إلى مكتب الوزير: لا خلاف حول حق وزارة الشباب والثقافة والرياضة في مراقبة الجامعات الرياضية، ومطالبتها باحترام القانون وملاءمة أنظمتها الأساسية مع التشريعات الجاري بها العمل. لكن المراجعة القانونية لا ينبغي أن تتحول إلى تجاهل لحقوق مؤسسات سبق أن حظيت بمساطر التأسيس والمصادقة الإدارية. وتبرز في هذا الصدد حالة الجامعة الملكية المغربية للجيوجيتسو البرازيلي والرياضات المشابهة، التي يرأسها جمال السوسي، كاتب هذا المقال، والتي تستند، وفق الوثائق التي يتوفر عليها، إلى مسار تأسيس ومصادقة يعود إلى سنة 2018. فمن حق الوزارة أن تراجع أوضاع الجامعات، لكن من حق هذه الجامعة أيضاً أن تطالب بتفسير إداري وقانوني واضح لوضعيتها، وبفتح تحقيق في القرارات والتدابير التي ظلت تؤثر على مسارها منذ سنة 2020. فالحديث عن الحكامة لا يكتمل بمراقبة المؤسسات التي تعاني اختلالات، بل يقتضي كذلك مراجعة ما قد تكون الإدارة نفسها قد ارتكبته من أخطاء في التعامل مع مؤسسات قائمة على وثائق رسمية.
800 ملعب للقرب ومراجعة الجامعات الرياضية.. بنسعيد أمام اختبار توسيع الممارسة وإصلاح الحكامة
أعلن محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والرياضة، عن تفعيل قرابة 800 ملعب للقرب خلال سنة 2026، مع إعطاء الأولوية للجماعات ذات الطابع القروي وهوامش المدن، وذلك خلال تقديم مشروع الميزانية الفرعية لوزارته برسم سنة 2027 أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، يوم الأربعاء 4 نونبر 2026.
الرقم يستحق التوقف عنده، ليس فقط باعتباره حصيلة معلنة لتوسيع البنيات الرياضية، وإنما بالنظر إلى الفئات التي يفترض أن تستفيد من هذه المنشآت. فملعب القرب ليس مجرد فضاء لممارسة كرة القدم، بل هو جزء من العرض الرياضي المحلي، ومرفق يفترض أن يكون متاحاً للأطفال والشباب في الأحياء والدواوير، بعيداً عن شروط الانخراط في الأندية ذات الإمكانات المالية والتنظيمية الكبيرة.
وقد شدد الوزير على حق المواطن في ممارسة الرياضة، وعلى ضرورة تحقيق العدالة المجالية في توزيع المنشآت، مع الانفتاح على الجماعات الترابية والشركاء والجامعات الرياضية من أجل تأطير الأنشطة المحلية. وهي توجهات تكتسب أهميتها من كون الخصاص الرياضي لا يظهر بالدرجة نفسها في مختلف المناطق؛ فهناك جماعات تتوفر على منشآت ومرافق، وأخرى لا يجد شبابها فضاء مناسباً للممارسة المنتظمة.
لكن تقييم هذه الحصيلة يظل مرتبطاً بتفاصيل التنفيذ. فالإعلان عن تفعيل 800 ملعب لا يقدم وحده صورة كاملة عن البرنامج: كم ملعباً دخل فعلياً حيز الاستغلال؟ وما التوزيع الجغرافي لهذه المنشآت؟ وما طبيعة التجهيزات والخدمات المتاحة فيها؟ وهل تتوفر على موارد بشرية للتأطير والصيانة؟ وما نصيب الرياضات الأخرى من هذا التوسع؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية البرنامج، وإنما تضعه في إطار التقييم العمومي الذي ينبغي أن يرافق كل استثمار في البنيات التحتية. فالمنشأة الرياضية لا تحقق غايتها بمجرد بنائها أو فتح أبوابها، بل بقدرتها على توفير ممارسة مستمرة وآمنة، وبوجود إطار رياضي قادر على استقطاب المستفيدين وتأطيرهم.
وتتضاعف أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالرياضات الشعبية التي لا تتطلب بالضرورة ملاعب كبرى أو استثمارات ضخمة، لكنها تحتاج إلى قاعات وتجهيزات وأطر متخصصة. رياضات الدفاع عن النفس، والجودو، والكاراتيه، والجوجيتسو، والملاكمة، وغيرها، تتيح إمكانات واسعة لإدماج الشباب في الممارسة الرياضية، ولا ينبغي أن تظل خارج التصور العام لتوسيع العرض الرياضي، خصوصاً في المناطق التي يصعب فيها الولوج إلى الأندية ذات البنية التحتية المكلفة.
فالعدالة المجالية لا تقاس بعدد المنشآت وحده، بل أيضاً بتنوع الرياضات التي يستطيع المواطن ممارستها داخلها، وبمدى قدرة البرامج العمومية على الوصول إلى الفئات التي لا تملك إمكانات الولوج إلى الرياضة المنظمة ذات الكلفة المرتفعة.
مراجعة الجامعات الرياضية.. المواكبة قبل العقوبة ومسؤولية الإدارة في تطبيق القانون
الشق الثاني من تصريحات بنسعيد يتعلق بملف أكثر تعقيداً، هو الوضع القانوني والتنظيمي للجامعات الرياضية. فقد أعلن الوزير عن تشكيل لجنة ستتولى مواكبة الجامعات التي تواجه إشكالات في تدبيرها، ومنحها آجالاً لتسوية وضعيتها قبل الانتقال إلى تطبيق الإجراءات القانونية.
واستحضر في هذا الإطار تجربة الجامعة الملكية المغربية لكرة السلة خلال الولاية السابقة، فيما أشار إلى وجود لجنتين مؤقتتين تتوليان تدبير شؤون الجامعة الملكية المغربية للكرة الحديدية والجامعة الملكية المغربية للبادمنتون. كما تحدث عن إشكالات تهم جامعات كرة الطاولة والسباحة والكريكيت والهوكي والكيك بوكسينغ والرماية والدراجات النارية.
هذه المقاربة، من حيث المبدأ، تدخل ضمن اختصاصات الوزارة الوصية. فالجامعات الرياضية ليست مؤسسات خارج الرقابة، ولا يمكن أن تتحول المصادقة على أنظمتها الأساسية إلى إعفاء دائم من احترام القانون أو من قواعد الحكامة والتدبير والمحاسبة. ومن حق الإدارة أن تتحقق من مدى مطابقة أنظمتها وممارساتها للقانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، وأن تطلب تصحيح الاختلالات التي تثبتها عمليات المراقبة.
غير أن الحديث عن تسوية الوضعيات يقتضي التمييز بين أنواع الملفات. فهناك جامعات قد تكون مطالبة بتصحيح اختلالات في تدبيرها، وأخرى قد تكون أنظمتها الأساسية بحاجة إلى الملاءمة مع مستجدات تشريعية، وهناك أيضاً مؤسسات قد يكون أصل الإشكال في طريقة تعامل الإدارة معها، أو في تفسير المقتضيات القانونية التي تستند إليها.
هذا التمييز ضروري حتى لا تصبح جميع الحالات موضوع معالجة إدارية واحدة، دون النظر في ظروف التأسيس والوثائق والقرارات السابقة لكل مؤسسة.
والقانون رقم 30.09 نفسه يضع إطاراً ينبغي قراءته بمقتضياته المتكاملة. فالمادة 23 تتناول تأسيس الجامعات الرياضية وإدارتها، وتحيل على ظهير تأسيس الجمعيات الصادر سنة 1958، إلى جانب الأحكام الخاصة الواردة في القانون. أما المادة 25 فتتناول التأهيل الذي تمنحه الإدارة للجامعات لممارسة صلاحياتها والاستفادة من الامتيازات المقررة لها، وتشترط التأسيس وفق القانون والمصادقة الإدارية على الأنظمة الأساسية وتطبيق البرنامج الوطني في مجال الرياضة، وتنص على ألا تؤهل إلا جامعة واحدة عن كل نشاط رياضي.
والتمييز بين التأسيس والتأهيل هنا ليس تفصيلاً اصطلاحياً. فوجود مسطرة تأسيس ومصادقة على النظام الأساسي، والحصول على التأهيل الإداري لممارسة الصلاحيات والتمتع بالمزايا القانونية، مسألتان ينبغي فحصهما كل على حدة، دون الخلط بينهما أو افتراض أن إحداهما تلغي الأخرى تلقائياً.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع إعلان الوزير عن مراجعة القانون المنظم للجامعات الرياضية، بهدف تحديث مقتضياته وتعزيز الحكامة. فالإصلاح التشريعي فرصة لمعالجة الثغرات التي كشفت عنها الممارسة، لكنه يحتاج إلى تشخيص دقيق للمشكلات، والاستماع إلى الجامعات، ومراجعة كيفية تنزيل النصوص من طرف الإدارة نفسها.
100 تظاهرة رياضية.. الحصيلة تحتاج إلى قراءة تتجاوز عدد المنافسات
في عرضه أمام اللجنة البرلمانية، أشار بنسعيد إلى تنظيم المغرب قرابة 100 تظاهرة رياضية كبرى خلال السنة الجارية، مستحضراً كأس إفريقيا للأمم 2025، وكأس الأمم الإفريقية لكرة القدم داخل القاعة 2026، والبطولة الإفريقية لكرة القدم لأقل من 23 سنة.
كما وصف النتائج الرياضية المحققة بالمهمة، مشيراً إلى تتويج المغرب بكأس أمم إفريقيا 2025 وكأس إفريقيا للفوتسال 2026، إلى جانب النتائج المسجلة في المونديال الأخير والإنجازات التي حققتها الأندية الوطنية في المنافسات القارية.
تنظيم التظاهرات الكبرى أصبح جزءاً من الحضور الرياضي المغربي قارياً ودولياً، وهو ما يفرض إمكانات لوجستية وتنظيمية وبشرية مهمة. لكن قياس أثر هذه التظاهرات لا يتوقف عند عدد المنافسات أو النتائج المحققة، بل يمتد إلى ما تتركه من أثر على الرياضة الوطنية، وعلى التكوين، والبنيات التحتية، وفرص الاحتراف، وتوسيع قاعدة الممارسة.
فاستضافة حدث رياضي كبير لا تعني بالضرورة أن أثره سينتقل تلقائياً إلى الأندية المحلية أو الجمعيات الصغيرة. وهذا الانتقال يحتاج إلى برامج واضحة تربط الاستثمار في التظاهرات بتطوير التكوين الرياضي، وتأهيل الأطر، وتوفير فرص المنافسة أمام الشباب.
وتظل الجامعات الرياضية شريكاً أساسياً في هذه العملية، بما تضطلع به من مسؤوليات في تنظيم المنافسات وتكوين الرياضيين والحكام والأطر، وهو ما يجعل إصلاحها جزءاً من إصلاح المنظومة الرياضية، وليس مجرد ملف إداري منفصل عنها.
الشغب ورقمنة التذاكر.. مسؤولية مشتركة بين الوزارة والأندية
وفي ما يتعلق بالشغب والمظاهر السلبية داخل الملاعب، تحدث الوزير عن اعتماد مقاربة استباقية تقوم على تحديث المنشآت وتجهيزها بكاميرات المراقبة وأنظمة التتبع، بتنسيق مع السلطات الأمنية المختصة.
كما أشار إلى التقدم المحرز في محاربة السوق السوداء والاختلالات المرتبطة ببيع التذاكر، من خلال الرقمنة الشاملة لعملية البيع عبر التطبيقات الإلكترونية، والتوجه نحو الاستغناء عن التذاكر الورقية.
ولم يحصر الوزير المسؤولية في الجانب الأمني، بل أكد دور الأندية في تأطير جماهيرها والمساهمة في التدبير الأمني للمباريات الكبرى، وتنظيم تنقلات المشجعين بين الأقاليم والعمالات ومواكبتها.
وهي نقطة مهمة، لأن تدبير المباريات لم يعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبح مرتبطاً كذلك بقدرة الأندية على التواصل مع جماهيرها، وتنظيم تنقلاتها، واحترام شروط السلامة داخل المنشآت الرياضية ومحيطها.
غير أن نجاح هذه الإجراءات يظل مرتبطاً بتقييم نتائجها على أرض الواقع، ومدى احترام الأندية والجهات المنظمة لالتزاماتها، ومدى مساهمة الرقمنة في الحد من المضاربة وضمان تكافؤ الفرص في اقتناء التذاكر.
مراجعة القانون فرصة لمراجعة طريقة تطبيقه أيضاً
إعلان محمد المهدي بنسعيد عن إشراك الجامعات الرياضية في تقديم مقترحاتها وملاحظاتها بشأن القانون المرتقب مراجعته خطوة تستحق الاهتمام. فالجامعات هي التي تتعامل يومياً مع مقتضيات النصوص المنظمة للرياضة، وتواجه في ممارستها العملية إشكالات قد لا تظهر بالوضوح نفسه عند صياغة القوانين.
لكن التشاور لا ينبغي أن يقتصر على سؤال الجامعات عما تريد تغييره في القانون، بل يتعين أن يشمل أيضاً ما واجهته من صعوبات في تطبيقه، وما إذا كانت بعض الإشكالات ناتجة عن غموض النصوص أو عن اختلاف في تفسيرها أو عن قرارات إدارية تحتاج إلى مراجعة.
وفي هذا الإطار، تظل حالة الجامعة الملكية المغربية للجوجيتسو البرازيلي مثالاً يستحق أن تدرسه الوزارة ضمن الملفات التي تستدعي مراجعة مؤسساتية.
فالجامعة، التي يرأسها جمال السوسي، تستند، وفق الوثائق التي يتوفر عليها رئيسها، إلى مسار تأسيس يعود إلى سنة 2018، وإلى مصادقة إدارية على قانونها الأساسي بتاريخ 6 مارس من السنة نفسها، بحسب ما يؤكده ملفها. كما يتحدث مسؤولوها عن مراسلات سابقة مع الوزارة، وعن حضور مسؤولين من القطاع في مرحلة التأسيس وتسليم النظام الأساسي المصادق عليه.
ومنذ سنة 2020، دخلت الجامعة في مسار من الصعوبات الإدارية والتنظيمية، وفق رواية مسؤوليها، ارتبط أساساً بتفسير مقتضيات المادة 25 من القانون رقم 30.09، ولا سيما شرط عدم تأهيل أكثر من جامعة واحدة عن كل نشاط رياضي.
والمطلوب هنا ليس منح الجامعة استثناءً من القانون، ولا مطالبة الوزارة بالتخلي عن اختصاصاتها الرقابية، وإنما إعادة فحص الملف من بدايته: ما طبيعة القرار الذي تأسست بموجبه الجامعة؟ وما الوضع القانوني للمصادقة على نظامها الأساسي؟ وهل حصلت على التأهيل الإداري، أم أن الخلاف يتعلق بهذا التأهيل تحديداً؟ وما القرارات والمراسلات التي صدرت بشأنها منذ سنة 2020؟ وهل جرى التعامل مع الوثائق السابقة وفق التفسير القانوني السليم؟
هذه أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد تصريحات الأطراف، بل تحتاج إلى الاطلاع على الملف الإداري الكامل والقرارات الأصلية والمراسلات المتبادلة.
كما أن المادة 25 لا ينبغي أن تقرأ بمعزل عن المادة 23، ولا أن يُخلط بين الاعتراف بمسار التأسيس وبين شروط التأهيل الإداري. ومن المفيد أن توضح الوزارة، في إطار المراجعة المرتقبة، المعايير التي تعتمدها في التمييز بين الجامعات المؤسسة قانونياً، والجامعات المؤهلة لممارسة صلاحياتها، والحالات التي تستوجب تسوية أوضاعها.
إن المطالبة بفتح تحقيق إداري في هذا الملف ليست اتهاماً مسبقاً لأي مسؤول، وإنما طلب لتحديد المسؤوليات وتوضيح الأساس القانوني للقرارات المتخذة، خصوصاً أن رئيس مصلحة الجامعات والمنظمات الشبابية، يونس الطرابي، بحسب المعطيات التي يقدمها رئيس الجامعة، كان من بين المسؤولين الذين واكبوا مرحلة التأسيس.
وإذا كانت الوزارة قد أعلنت استعدادها لمواكبة الجامعات ومنحها آجالاً لتسوية وضعياتها، فإن من المنطقي أن تشمل هذه المواكبة أيضاً المؤسسات التي تعتبر أن وضعيتها تأثرت بتفسير إداري لمقتضيات القانون، وأن تتيح لها فرصة عرض وثائقها والاستماع إلى توضيحات المسؤولين الذين أشرفوا على ملفاتها.
إن مشروع مراجعة القانون المنظم للجامعات الرياضية، بالتوازي مع توسيع المنشآت الرياضية وتطوير برامج الممارسة، يفتح المجال أمام إصلاح لا يقتصر على تحديث النصوص، بل يمتد إلى ضمان استقرار المؤسسات واحترام القرارات الإدارية السابقة، وتصحيح ما قد يثبت من أخطاء في تطبيق القانون.
ويبقى من المهم أن تقدم الوزارة، خلال المرحلة المقبلة، معايير واضحة لتقييم الجامعات، وجدولاً زمنياً للمواكبة، ومؤشرات لقياس نتائج تدخلاتها، حتى لا تظل ملفات المؤسسات الرياضية معلقة بين النص القانوني والتأويل الإداري.