بيروت تسأل نفسها.. هل يكسر القرار الظني أخيرًا جدار الإفلات من العقاب في انفجار المرفأ؟

0
38
تحليل سياسي معمق يرصد دلالات اقتراب صدور القرار الظني في قضية انفجار مرفأ بيروت، وتأثيره على مستقبل العدالة اللبنانية، وتوازنات السلطة، ومحاسبة المسؤولين بعد سنوات من التعطيل.
مرفأ بيروت بعد ساعات من انفجار 2020 - مصدر الصورة: AFP

لم يكن الـ 4 من غشت (أغسطس/ آب) 2020، مجرد تاريخ في الروزنامة اللبنانية، بل صار ساعةً لا تتوقف. كل عام يعود الميناء ليطرح السؤال ذاته: من قتل المدينة؟ لكن السؤال هذه المرة خرج من بين الأنقاض مرتدياً ثوب الدولة نفسها. فالرئيس جوزاف عون لم يطلب التعاطف، ولم يكتفِ بإحياء الذكرى، بل وضع القضاء أمام لحظة اختبار نادرة، حين قال إن القرار الظني لم يعد ترفًا قانونيًا، بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

في بلد اعتاد أن يدفن أزماته تحت طبقات السياسة والطائفية، بدا المشهد وكأن الزمن عاد إلى المرفأ، لا إلى الانفجار، بل إلى اللحظة التي قررت فيها الدولة أن تنظر إلى جرحها مباشرة.

السلطة تتداخل بالحصانة.. والقضاء بالسياسة

انفجار المرفأ لم يكن مجرد كارثة ناجمة عن نيترات الأمونيوم. لقد تحول إلى مرآة كشفت هشاشة الدولة اللبنانية، وعجز مؤسساتها، وتداخل السلطة بالحصانة، والقضاء بالسياسة.

فعلى مدى سنوات، تعطلت التحقيقات بفعل عشرات الدعاوى القضائية، والضغوط السياسية، والانقسام الداخلي، حتى أصبح القاضي طارق البيطار نفسه جزءا من الأزمة، بعدما واجه حملات منظمة لتعليق التحقيق وإبعاده عن الملف. وقد أعاد انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام في 2025 الزخم إلى التحقيق، ما سمح للبيطار باستكمال عمله وإحالة الملف إلى النيابة العامة بعد الادعاء على نحو 70 شخصية سياسية وأمنية وعسكرية.

لكن الحقيقة التي يدركها اللبنانيون هي أن العدالة التي تتأخر 5 سنوات تتحول إلى أزمة ثقة في الدولة نفسها.

رسالة جوزاف عون.. سياسية أكثر من قانونية

قد تبدو كلمات الرئيس اللبناني قانونية في ظاهرها، لكنها في جوهرها رسالة سياسية.

حين يؤكد أن “العدالة لا تعني الانتقام”، فهو يخاطب بيئة سياسية تخشى أن يتحول القرار الظني إلى تصفية حسابات.

وحين يشدد على أن المحاسبة يجب أن تشمل الجميع “أيًا كان موقعه”، فإنه يوجه رسالة إلى القوى التي اعتادت الاحتماء بالطائفة أو بالسلاح أو بالنفوذ.

إن الرئيس يدرك أن الدولة اللبنانية لا تستطيع أن تستعيد هيبتها إذا بقي أكبر انفجار غير نووي في التاريخ الحديث بلا مسؤولين حقيقيين.

الهامش الآن أوسع أمام القضاء

من الصعب فصل تطور التحقيق عن التحولات السياسية التي شهدها لبنان بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

فخلال السنوات السابقة، كان ملف المرفأ أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى حزب الله، الذي قاد حملة سياسية وقضائية للمطالبة بتنحية القاضي البيطار، معتبرًا أن التحقيق “مسيّس”. أما اليوم، فقد تبدلت موازين القوى نسبياً، وأصبح هامش الحركة أمام القضاء أوسع مما كان عليه في الأعوام السابقة، وهو ما أتاح استكمال التحقيق بعد سنوات من الجمود.

غير أن تراجع النفوذ لا يعني اختفاء النفوذ، ولذلك فإن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة المؤسسات اللبنانية على حماية استقلال القضاء إذا طالت الاتهامات شخصيات نافذة.

هل يصدر القرار الظني فعلًا؟

الملف اليوم موجود لدى النيابة العامة التمييزية، وهي الجهة التي يفترض أن تقدم مطالعتها قبل إعادته إلى المحقق العدلي لإصدار القرار الظني.

وهنا تكمن العقدة.

فأي تأخير إضافي سيُقرأ شعبيًا باعتباره امتدادًا لثقافة الإفلات من العقاب التي رافقت الحياة السياسية اللبنانية منذ نهاية الحرب الأهلية.

أما إذا صدر القرار، فسيكون للمرة الأولى منذ سنوات طويلة مستندًا قانونيًا يحدد المسؤوليات بصورة رسمية، ويفتح الباب أمام مرحلة المحاكمات.

ما بعد القرار.. هل تبدأ المعركة الحقيقية؟

قد يعتقد البعض أن صدور القرار الظني يعني نهاية القضية، لكنه في الواقع قد يكون بدايتها.

فالقرار سيضع أسماء، ويحدد مسؤوليات، ويفتح الباب أمام معارك قانونية وسياسية وإعلامية قد تمتد سنوات.

وقد تواجه المحاكم ضغوطًا هائلة، فيما ستسعى القوى السياسية إلى حماية رموزها، وستحاول أطراف أخرى تحويل الملف إلى معركة انتخابية أو طائفية.

وهذا يعني أن لبنان لا يواجه فقط سؤال: “من المسؤول؟”، بل يواجه سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل تستطيع الدولة أن تحاسب أصحاب النفوذ؟

بين المرفأ والدولة

انفجار المرفأ لم يدمر نصف العاصمة فحسب، بل دمر العقد غير المكتوب بين المواطن والدولة.

ولهذا فإن القضية لم تعد قضية ضحايا فقط، بل قضية شرعية النظام اللبناني كله.

إذا استطاع القضاء أن يصل إلى الحقيقة دون استثناءات، فقد يستعيد اللبنانيون شيئًا من ثقتهم بالدولة.

أما إذا ضاع القرار الظني في دهاليز السياسة كما ضاعت قبله آلاف الملفات، فلن يكون الخاسر أهالي الضحايا وحدهم، بل الجمهورية اللبنانية نفسها.

وربما لهذا السبب جاءت كلمات جوزاف عون مختلفة عن بيانات الذكرى المعتادة؛ لأنها لم تكن خطابًا في مناسبة حزينة، بل محاولة لإنقاذ فكرة الدولة قبل أن تضيع في الركام مرة أخرى.