الشهيد محمد الدرة من شاشة الانتفاضة إلى كتاب المدرسة المصرية.. القاهرة تُعيد القضية الفلسطينية لـ “وعي الجيل الجديد”

0
39
إدراج صورة الشهيد محمد الدرة في منهج البكالوريا المصرية يعكس اهتمام مصر بالقضية الفلسطينية ودور التعليم في ترسيخ الوعي بتاريخ فلسطين.
الطفل الشهيد محمد الدرة مع والده لحظة استهدافهما من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي - مصدر الصورة: الجزيرة نت

القاهرة – بعد نحو ربع قرن من اللحظة التي تحولت فيها صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة، وهو يحتمي بوالده جمال خلف حاجز إسمنتي في قطاع غزة، إلى واحدة من أكثر الصور رسوخاً في الذاكرة العالمية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تنتقل الصورة إلى مساحة مختلفة تماماً: كتاب التاريخ المدرسي في مصر.

إدراج صورة محمد الدرة ضمن منهج البكالوريا المصرية لا يحمل دلالة تعليمية فحسب، بل يفتح باباً أوسع حول الطريقة التي تنظر بها الدولة المصرية إلى القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً من الوعي التاريخي والسياسي للأجيال الجديدة، وليس مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية.

وقد أكد جمال الدرة، والد الطفل، أنه استقبل ظهور صورة نجله في المنهج بمزيج من الفخر والوجع، معتبراً أن الخطوة تتجاوز تكريم أسرته إلى تخليد معاناة الأطفال والشهداء الفلسطينيين. كما دعا الطلاب المصريين إلى عدم التعامل مع الصورة بوصفها مجرد وثيقة تاريخية، بل باعتبارها مدخلاً لفهم الإنسان الذي يقف خلف كل حدث سياسي.

من شاشة التلفزيون إلى صفحات التاريخ

في 30 شتنبر (سبتمبر/أيلول) 2000، كان محمد الدرة، البالغ من العمر 12 عاماً، برفقة والده في قطاع غزة عندما وقعت مواجهات وإطلاق نار بالقرب من مفترق نتساريم خلال الأيام الأولى للانتفاضة الفلسطينية الثانية.

التقطت كاميرا الصحفي الفلسطيني طلال أبو رحمة العامل مع قناة “فرانس 2” مشاهد الأب وابنه وهما يحتميان خلف حاجز إسمنتي، قبل أن يسقط محمد قتيلاً ويصاب والده. وسرعان ما انتشرت المشاهد عبر شاشات التلفزيون العالمية، وتحولت إلى صورة تختصر بالنسبة إلى ملايين المشاهدين مأساة المدنيين والأطفال في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد وثقت الأمم المتحدة اسم محمد جمال الدرة، البالغ 12 عاماً، ضمن قائمة الفلسطينيين الذين قُتلوا في 30 شتنبر 2000.

وبذلك لم تعد صورة الدرة مجرد صورة صحفية من صور الانتفاضة، وإنما أصبحت جزءاً من الذاكرة البصرية للصراع.

لكن انتقالها اليوم إلى كتاب مدرسي مصري يغير طبيعة حضورها.

فالصورة التي كان دورها الأول إعلامياً هو نقل حدث مأساوي إلى الجمهور، أصبحت الآن جزءاً من عملية تعليمية يفترض أن تضع الحدث داخل سياقه التاريخي والسياسي.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الخطوة المصرية.

لماذا يمثل إدراج الدرة في المنهج أكثر من مجرد صورة؟

بحسب تقارير مصرية وفلسطينية، تظهر صورة محمد الدرة في درس يتناول الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، أي أنها لم تُدرج بوصفها صورة منفصلة عن سياقها، وإنما باعتبارها جزءاً من دراسة مرحلة تاريخية من مراحل القضية الفلسطينية.

وهذا فارق جوهري.

فالطالب الذي يشاهد صورة الدرة داخل كتاب التاريخ لا يراها بالطريقة نفسها التي كان يشاهدها بها جيل عام 2000 على شاشات التلفزيون.

ذلك الجيل شاهد الحدث باعتباره خبراً عاجلاً؛ أما الجيل الجديد فسيدرسه باعتباره جزءاً من تاريخ المنطقة.

وبين الحالتين تغيرت وظيفة الصورة من التغطية الإعلامية إلى الذاكرة التاريخية.

وهذا يعني أن القاهرة لا تكتفي بإبقاء القضية الفلسطينية في المجال السياسي والدبلوماسي، وإنما تنقل جزءاً من سرديتها إلى المجال التعليمي، حيث تتشكل التصورات الأولى لدى الأجيال بشأن التاريخ والصراع والهوية والعدالة.

مصر والقضية الفلسطينية.. دبلوماسية بناء الوعي

لا يمكن فهم إدراج صورة محمد الدرة بمعزل عن الموقف المصري الأوسع من القضية الفلسطينية.

فالقاهرة حافظت خلال العام الجاري 2026 على خطاب سياسي يؤكد أن القضية الفلسطينية تظل محوراً أساسياً في أزمات الشرق الأوسط، وأن الحل الدائم يجب أن يقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الـ 4 من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام قادة عرب وأوروبيين على ضرورة استمرار دعم القضية الفلسطينية، وحذر من الإجراءات التي تقوض حل الدولتين، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات تهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم.

وفي يوليوز (يوليو/تموز)، أكدت القاهرة مجدداً أن معالجة معاناة الفلسطينيين لا يمكن فصلها عن معالجة جذور الصراع، وأن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة هي الطريق الأكثر قابلية لتحقيق سلام دائم في المنطقة.

أما على المستوى العملي، فقد استضافت القاهرة اجتماعات للفصائل الفلسطينية، وواصلت جهودها المرتبطة بوقف إطلاق النار في غزة وإعادة الإعمار وترتيبات إدارة القطاع، في إطار الدور المصري التاريخي كوسيط رئيسي في الصراع.

من هنا، يمكن قراءة إدراج الدرة باعتباره امتداداً لمسار أوسع، لا حدثاً منفصلاً.

فالدولة المصرية تتحرك في أكثر من دائرة في الوقت نفسه: دبلوماسياً للتوسط، وسياسياً لدعم حل الدولتين، وإنسانياً في ملف غزة، وتعليمياً في نقل تاريخ القضية إلى الأجيال الجديدة.

البكالوريا المصرية.. مساحة جديدة لبناء الوعي التاريخي

أيضًا تأتي هذه الخطوة في توقيت تعمل فيه مصر على إعادة صياغة منظومة التعليم الثانوي من خلال تطبيق شهادة البكالوريا المصرية.

وقد أعلنت وزارة التربية والتعليم في غشت (أغسطس/آب) الماضي إتاحة المناهج الخاصة بالبكالوريا، فيما أكدت الوزارة أن الأطر والمناهج خضعت للمراجعة والاعتماد في إطار النظام الجديد.

كما أشار وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف إلى أن النظام الجديد يستهدف إحداث نقلة في التعليم، مع تطوير المناهج والاستفادة من خبرات ومراجعات دولية.

وهنا تكتسب صورة الدرة أهمية إضافية.

فالمناهج الجديدة لا تقوم فقط على نقل المعلومات إلى الطالب، وإنما يفترض أن تساعده على فهم الأحداث ضمن سياقاتها التاريخية والسياسية والإنسانية.

وإذا كان محمد الدرة قد دخل ذاكرة العالم باعتباره صورة، فإن وجوده داخل درس عن الانتفاضة الثانية يحوله من “صورة مؤثرة” إلى “وثيقة تعليمية ضمن سرد تاريخي”.

وهذا التحول له آثار عميقة على الذاكرة الجماعية.

جيل لم يشاهد محمد الدرة على شاشات التلفزيون

هناك فارق زمني هائل بين عام 2000 وعام 2026.

الطلاب الذين يدرسون البكالوريا المصرية اليوم ينتمون إلى جيل لم يعش الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ولم يتابع سقوط محمد الدرة في بث تلفزيوني مباشر، ولم يكن حاضراً في الوعي السياسي الذي تشكل حول الحدث آنذاك.

بالنسبة إلى هذا الجيل، الانتفاضة الثانية يمكن أن تكون مجرد فصل في كتاب التاريخ.

وهنا تصبح صورة الدرة وسيلة لتجاوز جفاف الأرقام والتواريخ.

فالحدث التاريخي عندما يُختزل في تاريخ بداية وتاريخ نهاية، واسم اتفاقية أو شخصية سياسية، يمكن أن يفقد جانبه الإنساني.

أما صورة طفل يحتمي بوالده، فإنها تمنح الطالب وجهاً بشرياً للحدث.

وهذا تحديداً ما ركز عليه جمال الدرة في رسالته إلى الطلاب المصريين، عندما دعاهم إلى عدم النظر إلى صورة نجله باعتبارها رمزاً تاريخياً عابراً، وإنما إلى تذكر القصة الإنسانية والمعاناة الموجودة خلفها.

جمال الدرة: القضية ليست صورة ابني وحدها

ربما كان أكثر ما يلفت في تصريحات جمال الدرة أنه لم يحصر أهمية القرار في ابنه.

فهو يرى أن تخليد قصة محمد داخل الكتب المدرسية يتجاوز الأسرة ليشمل الأطفال الفلسطينيين والشهداء وكل من ارتبط بالقضية الفلسطينية.

وهذا التصور يوسع معنى الصورة.

فمحمد الدرة في الذاكرة الفلسطينية ليس فقط طفلاً قُتل في بداية الانتفاضة الثانية، بل أصبح رمزاً بصرياً لمعاناة الأطفال الفلسطينيين.

ومن ثم، فإن إدراج صورته في كتاب مدرسي مصري يمكن أن يُقرأ باعتباره اعترافاً بالدور الذي تلعبه الصور في تشكيل الذاكرة السياسية للشعوب.

فالكتب المدرسية لا تحفظ الأحداث فقط، وإنما تحدد أيضاً ما الذي يستحق أن تتذكره الأجيال، وكيف ينبغي أن تفهمه.

لكن ماذا عن الجدل الإسرائيلي حول ملابسات مقتل الدرة؟

هنا تبرز نقطة ينبغي ألا يتجاهلها أي تناول مهني للموضوع.

قصة محمد الدرة ظلت منذ عام 2000 محل جدل حاد حول مصدر الرصاص الذي أدى إلى مقتله، إذ شككت جهات إسرائيلية في المسؤولية عن إطلاق النار، بينما تمسك الجانب الفلسطيني ورواية صحفي “فرانس 2” بأن الطفل قتل برصاص إسرائيلي. وقد ظهرت في السنوات التالية تحقيقات وروايات متعارضة بشأن ملابسات الواقعة.

ولهذا، فإن إدراج الصورة في المنهج لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة باعتباره حسماً لكل جوانب الجدل التقني حول مصدر الطلقات، وإنما باعتباره إدراجاً لصورة حدث تاريخي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالانتفاضة الثانية وبالذاكرة العالمية للصراع.

وهذا التمييز مهم للغاية من الناحية الأكاديمية.

فالكتاب المدرسي يستطيع أن يدرس الحدث وتأثيره الإعلامي والسياسي والإنساني، مع الحفاظ على الدقة في القضايا التي لا تزال موضع نزاع تاريخي.

كما أن وثائق الأمم المتحدة في ذلك الوقت أدرجت اسم محمد جمال الدرة ضمن الفلسطينيين الذين قُتلوا في 30 شتنبر 2000، بينما كانت وسائل الإعلام الدولية توثق انتشار الصورة وتحولها إلى رمز للانتفاضة.

مصر لا تريد أن تصبح فلسطين مجرد خبر

ربما تكمن أعمق دلالات القرار في هذه النقطة تحديداً.

القضية الفلسطينية تظهر يومياً في نشرات الأخبار، وعلى شاشات الفضائيات، وفي البيانات السياسية والمؤتمرات الدولية.

لكن الخبر بطبيعته سريع الزوال.

أما التعليم فيعمل على مدى عقود.

عندما تدخل قضية ما إلى الكتاب المدرسي، فإنها تنتقل من دورة الأخبار اليومية إلى الذاكرة طويلة المدى.

وهذا ما يجعل إدراج صورة محمد الدرة ذا دلالة تتجاوز مساحة الصورة نفسها.

فالطالب الذي يقرأ عن الانتفاضة الثانية اليوم قد يصبح بعد سنوات موظفاً أو صحفياً أو دبلوماسياً أو باحثاً أو مسؤولاً سياسياً. وما يتعلمه عن القضية الفلسطينية خلال سنوات التكوين يمكن أن يؤثر لاحقاً في الطريقة التي ينظر بها إلى المنطقة والصراع ومفهوم السلام والاحتلال والحقوق الفلسطينية.

من هذه الزاوية، يصبح التعليم أحد أشكال القوة الناعمة للدولة.

الذاكرة المصرية والفلسطينية.. تاريخ مشترك

هناك أيضاً بعد خاص يتعلق بالعلاقة بين الشعبين المصري والفلسطيني.

فمصر ليست دولة عربية تتابع القضية الفلسطينية من بعيد؛ تاريخها الحديث مرتبط بصورة مباشرة بالصراع العربي الإسرائيلي، من حرب 1948 إلى حرب يونيو 1967 ثم حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وصولاً إلى اتفاقات السلام ومسارات التفاوض والوساطة المصرية المتواصلة.

وخلال العام الجاري، أكدت القاهرة مراراً أن دعم الحقوق الفلسطينية جزء من رؤيتها للأمن والاستقرار الإقليمي، فيما واصلت دورها كوسيط في ترتيبات غزة. وفي يناير (كانون الثاني)، اجتمعت فصائل فلسطينية في القاهرة بدعوة مصرية بهدف توحيد الرؤية الفلسطينية ومتابعة مراحل اتفاق وقف إطلاق النار.

كما أكد الرئيس السيسي في مارس (آذار) استمرار الجهود المصرية بالتنسيق مع الوسطاء لاستكمال مراحل الاتفاق وضمان وصول المساعدات إلى غزة، فيما أشاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالدور المصري في دعم الشعب الفلسطيني وحقه في الدولة المستقلة.

وبالتالي، فإن صورة محمد الدرة داخل كتاب مصري يمكن أن تُقرأ ضمن تاريخ طويل من التداخل المصري الفلسطيني، وليس فقط في إطار التطورات الراهنة.

من “صورة شهيد” إلى درس في التاريخ

المفارقة المؤثرة في قصة محمد الدرة أن الصورة التي خرجت من غزة قبل 26 عاماً تقريباً كانت في الأصل لحظة شديدة الخصوصية: طفل ووالده يحاولان النجاة من إطلاق النار.

لكن الصورة تجاوزت أصحابها.

تحولت إلى ملصقات، وشعارات، وجداريات، وأعمال فنية، وتغطيات صحفية، وأصبحت واحدة من أكثر الصور ارتباطاً بالانتفاضة الثانية. وفي عام 2002، نقلت رويترز أن أسرة فلسطينية سمت مولوداً جديداً باسم محمد الدرة، في إشارة إلى مدى تحول الطفل إلى رمز في الذاكرة الفلسطينية.

واليوم تنتقل الصورة إلى مكان آخر: الفصل الدراسي.

وهذه ربما تكون أطول مراحل عمر الصورة.

فالصور الصحفية قد تختفي من الصفحات، واللقطات التلفزيونية قد تتراجع أمام الأخبار الجديدة، لكن الكتاب المدرسي يعيد إنتاج الذاكرة في كل عام دراسي، مع كل دفعة جديدة من الطلاب.

هل يمثل القرار رسالة مصرية إلى الداخل والخارج؟

نعم، ولكن بدرجات مختلفة.

على المستوى الداخلي، الرسالة هي أن القضية الفلسطينية ليست قضية سياسية خارجية فقط، بل جزء من الثقافة والوعي التاريخي العربي والمصري.

وعلى المستوى الفلسطيني، تحمل الخطوة معنى التضامن مع الذاكرة الفلسطينية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بعيداً عن دورة الأخبار اليومية.

أما خارجياً، فإن القرار يعكس استمرار القاهرة في التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، في وقت تدفع فيه مصر باتجاه وقف الحرب، وإعادة إعمار غزة، ورفض تهجير الفلسطينيين، والتمسك بحل الدولتين.

وقد أكدت القاهرة في يوليوز الماضي أن معالجة جذور الصراع تتطلب حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بينما شدد الرئيس السيسي في أبريل (نيسان) على ضرورة منع الإجراءات التي تقوض حل الدولتين والتصدي للتوسع الاستيطاني ومحاولات تهجير الفلسطينيين.

ومن ثم فإن إدراج الدرة في المنهج ينسجم مع خط سياسي مصري أوسع يرفض اختزال فلسطين في الملف الإنساني وحده، ويتمسك بها كقضية حقوق وتاريخ ودولة ومستقبل سياسي.

التعليم كأداة لحماية الذاكرة الفلسطينية

في النهاية، لا تكمن أهمية القرار المصري في أن صورة محمد الدرة ستظهر في صفحة من كتاب.

القيمة الأعمق أن القضية الفلسطينية تنتقل من الذاكرة التي تصنعها الأخبار إلى الذاكرة التي تصنعها المؤسسات التعليمية.

وهذا انتقال بالغ الأهمية.

فجيل اليوم لم يعش الانتفاضة الثانية، وربما لم يكن آباؤه أنفسهم قد شاهدوا الحدث إلا عبر شاشات التلفزيون. لكن الجيل الجديد سيجد في كتاب التاريخ صورة طفل احتمى بأبيه، وسيعرف أن وراء المصطلح السياسي “الانتفاضة الثانية” حياة بشرية وأطفالاً ومدنيين وأسرًا دفعت أثماناً هائلة.

وهنا يصبح الدرس الحقيقي الذي أراد جمال الدرة أن يصل إلى الطلاب أكثر عمقاً من مجرد حفظ تاريخ 30 شتنبر 2000.

التاريخ ليس تواريخ فقط، وفلسطين ليست عنواناً في كتاب؛ وراء كل رقم إنسان، ووراء كل صورة قصة، ووراء كل حرب جيل كامل يحمل آثارها.

ولعل هذه هي الرسالة الأكثر دلالة في انتقال محمد الدرة من شاشة عام 2000 إلى صفحات البكالوريا المصرية عام 2026: أن الصورة التي هزت العالم قبل ربع قرن لم تعد مجرد لقطة من الماضي، بل أصبحت جزءاً من سؤال المستقبل؛ كيف تريد مصر أن يتذكر أبناؤها فلسطين، وكيف تريد للأجيال المقبلة أن تفهم أن القضية لم تكن يوماً مجرد خبر عابر؟

وفي هذا السياق، تبدو كلمات جمال الدرة في ختام حديث إعلامي له أكثر من تحية عاطفية؛ إنها تختصر المعنى السياسي والإنساني للخطوة: تبقى القضية حية في الوعي، وتحيا مصر، وتحيا فلسطين.