البنتاغون و«ستارز آند سترايبس».. معركة صغيرة بعنوان كبير حول استقلال الصحافة الأمريكية

0
44
إقالات داخل «ستارز آند سترايبس» تشعل مواجهة مع البنتاغون وتثير مخاوف على استقلال الصحافة العسكرية الأمريكية. ماذا وراء القرار؟ وإلى أين تتجه الأزمة؟
رئيس تحرير «ستارز آند سترايبس» المقال إريك سلافين في لقاء مع BBC في 22 غشت (أغسطس/ آب) 2026

أثارت قرارات البنتاغون الأخيرة بحق ثلاثة من كبار العاملين في صحيفة «ستارز آند سترايبس» (Stars and Stripes) جدلاً يتجاوز مسألة إنهاء خدمة ناشر أو محرر أو مراسلة؛ إذ أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكثر حساسية: هل تستطيع مؤسسة إعلامية تمولها وزارة الدفاع أن تحافظ على استقلالها التحريري عندما تصبح الجهة الممولة طرفاً مباشراً في تحديد طبيعة محتواها؟

ففي 21 غشت (أغسطس/آب) الجاري، أرسل البنتاغون إشعارات إنهاء خدمة إلى الناشر ماكس ليدرر، ورئيس التحرير إريك سلافين، ومراسلة الشرق الأوسط لارا كورت، في خطوة جاءت وسط نزاع متصاعد بين الصحيفة وقيادة وزارة الدفاع حول مفهوم الاستقلال التحريري وحدود تدخل المؤسسة العسكرية في عمل الصحفيين. وأكدت شبكة CBS News أن ليدرر وسلافين مُنحا خمسة أيام للطعن في قراري الفصل.

واللافت أن القرار جاء بعد أيام قليلة من إعلان ليدرر اعتزامه التقاعد في نهاية شتنبر (سبتمبر/أيلول) المقبل، بعدما أمضى عقوداً في الصحيفة، مشيراً إلى وجود اختلافات جوهرية بين رؤيته لمهمة «ستارز آند سترايبس» وبين الاتجاه الذي تتبناه قيادة البنتاغون تجاه المؤسسة.

من «عدم الانصياع» إلى معركة على استقلال الصحافة

بحسب رئيس التحرير إريك سلافين، فإن إشعار إنهاء خدمته ربط القرار باتهامه بـ «عدم الانصياع»، بعد مشاركته في مقابلة مع CBS تحدث فيها عن ضرورة الحفاظ على استقلال الصحيفة، وقال إن فرض رقابة على الأخبار الموجهة إلى أفراد القوات المسلحة سيكون بالنسبة إليه «خطاً أحمر». كما أكدت لارا كورت أن مشاركتها في المقابلة نفسها ارتبطت بقرار فصلها.

لكن من المهم صحفياً الفصل بين الوقائع المؤكدة وبين تفسير دوافع البنتاغون. فالوزارة تصف الإجراء بأنه مرتبط بعدم الانصياع، بينما يرى سلافين أن السبب الفعلي يتعلق بموقفه العلني من استقلال الصحيفة. ولذلك لا يمكن الجزم بأن الفصل كان عقوبة مباشرة على تحقيق بعينه، رغم أن توقيته جاء في خضم صراع واضح على طبيعة الصحيفة ودورها.

وهنا تكمن أهمية القضية.

لماذا «ستارز آند سترايبس» مختلفة؟

«ستارز آند سترايبس» ليست صحيفة تجارية عادية، كما أنها ليست نشرة علاقات عامة تابعة للبنتاغون. تاريخها يعود إلى عام 1861، وقد ارتبطت على مدى عقود بتغطية حياة العسكريين الأمريكيين والحروب والانتشار العسكري الأمريكي حول العالم.

وتعمل الصحيفة داخل منظومة وزارة الدفاع، وتحصل على تمويل حكومي، لكنها تتمتع تاريخياً بهامش من الاستقلال التحريري. وهذه العلاقة غير المعتادة خلقت دائماً توتراً بين طرفين: وزارة الدفاع تريد مؤسسة إعلامية تخدم أفراد القوات المسلحة، بينما يرى الصحفيون أن أفضل طريقة لخدمة هؤلاء العسكريين هي تقديم معلومات مستقلة حتى عندما تكون محرجة للقيادة العسكرية.

وهذا التوتر ليس جديداً تماماً. فقد خلص تقرير قديم لمكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي GAO إلى وجود تضارب تاريخي بين المسؤولين العسكريين المكلفين بالإشراف الإداري وبين ضرورة حماية التدفق الحر للمعلومات إلى أفراد وزارة الدفاع.

لكن ما يحدث في 2026 يبدو أكثر حدة لأنه يأتي ضمن إعادة تعريف أوسع للمؤسسة.

«التحديث» الذي أشعل الخلاف

في مارس (آذار) الماضي، أصدر البنتاغون مذكرة لإعادة تنظيم عمل «ستارز آند سترايبس» تحت عنوان «التحديث». ووفق واشنطن بوست، تضمنت المذكرة سياسة مؤقتة تنص على أن المحتوى يجب أن يكون متوافقاً مع «النظام والانضباط الجيدين»، كما فرضت قيوداً على استخدام مواد وكالات الأنباء ووضعت شروطاً جديدة على المحتوى المنشور.

المشكلة لم تكن في كلمة «تحديث» بحد ذاتها؛ فالانتقال من الصحافة الورقية إلى الرقمية وتغيير أنماط استهلاك الأخبار أمور طبيعية. المشكلة كانت في السؤال: من يحدد مضمون هذا التحديث؟

فإذا كان المقصود تحديث التكنولوجيا وتطوير المنصات الرقمية وتوسيع الوصول إلى العسكريين، فلن يكون هناك خلاف جوهري.

أما إذا تحول التحديث إلى إعادة تعريف لما يجوز للصحفي نشره وما لا يجوز، فإن الأمر ينتقل من الإدارة إلى التحكم التحريري.

وهذا هو تحديداً ما أثار مخاوف الصحفيين والمنظمات المدافعة عن حرية الصحافة.

لماذا جاءت الإقالات الآن؟

التوقيت يحمل دلالة سياسية وإعلامية مهمة.

فقد جاءت القرارات بعد نشر تقارير عن ظروف صعبة عاشها أفراد طاقم حاملة الطائرات الأمريكية USS Abraham Lincoln خلال انتشار طويل في الشرق الأوسط، بما في ذلك مخاوف أثارتها عائلات عسكريين بشأن الصحة النفسية ومخاطر إيذاء النفس. وأشارت تقارير صحفية إلى أن مهمة الحاملة امتدت لنحو تسعة أشهر.

هذه التغطية تمس واحدة من أكثر النقاط حساسية في المؤسسات العسكرية: المعنويات.

فالقيادة العسكرية قد ترى أن نشر تقارير عن مشكلات داخل وحدة قتالية يمكن أن يضر بالمعنويات أو بصورة القوات المسلحة. أما الصحفي، فينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة: إذا كانت المشكلة موجودة بالفعل، فإن إخفاءها لا يعالجها، بل يحرم العسكريين وعائلاتهم من المعلومات التي يحتاجون إليها.

وهنا يصطدم مفهومان: مفهوم حماية المعنويات، ومفهوم حق العسكريين في المعرفة.

والفارق بينهما هو جوهر الأزمة الحالية.

البنتاغون لا يتحرك في فراغ

من الصعب قراءة قضية «ستارز آند سترايبس» باعتبارها حادثاً منفرداً.

ففي يناير (كانون الثاني)، وصف المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل الصحيفة بأنها بحاجة إلى إعادة تركيز بعيداً عما سماه «المشتتات التقدمية» التي تستنزف المعنويات، معلناً عن خطة لإعادة توجيه محتواها. كما أثارت أسئلة تتعلق بولاء بعض المتقدمين للعمل في المؤسسة مخاوف بشأن العلاقة بين الصحافة والسياسة.

وفي أبريل (نيسان)، أقالت وزارة الدفاع أمينة المظالم جاكلين سميث، وهي الوظيفة التي كان دورها الأساسي مراقبة استقلال الصحيفة والدفاع عن مصالح القراء ورفع المخاوف إلى الجهات المختصة.

وبالتالي، فإن إقالة سلافين وكورت وليدرر تبدو جزءاً من سلسلة متراكمة من الإجراءات التي أعادت تشكيل علاقة البنتاغون بالصحيفة.

المفارقة: التمويل الحكومي لا يعني بالضرورة الصحافة الحكومية

تظهر هنا واحدة من أكثر النقاط تعقيداً في القضية.

نعم، «ستارز آند سترايبس» تعتمد جزئياً على التمويل الحكومي. لكن وجود التمويل لا يعني تلقائياً أن الصحيفة يجب أن تصبح لسان حال الجهة الممولة.

بل إن القيمة الأساسية للصحيفة بالنسبة إلى العسكريين قد تكمن تحديداً في كونها منبراً مستقلاً عن التسلسل القيادي.

وإذا أصبحت الأخبار التي تتناول إخفاقات الجيش أو ظروف الجنود خاضعة لاعتبارات رضا القيادة، فإن الصحيفة ستفقد جزءاً من سبب وجودها.

وهذا ما يجعل الأزمة أكبر من ثلاثة موظفين.

ماذا يعني ذلك للعسكريين الأمريكيين؟

التأثير المحتمل لا يقتصر على الصحفيين.

فالجمهور الأساسي لـ «ستارز آند سترايبس» هم أفراد القوات المسلحة وعائلاتهم. وهؤلاء يحتاجون إلى معلومات تتعلق بالخدمة والانتشار والرواتب والمزايا والحياة العسكرية، لكنهم يحتاجون أيضاً إلى معرفة ما يحدث داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

الصحافة العسكرية المستقلة تؤدي وظيفة رقابية داخل مؤسسة شديدة الهرمية.

والجندي الذي يخشى أن يؤدي التحدث إلى قائده إلى عواقب مهنية يحتاج إلى مؤسسة صحفية تستطيع التحقيق في المشكلات دون أن تكون جزءاً من سلسلة القيادة.

ولهذا فإن تقليص الاستقلال التحريري يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الثقة داخل المؤسسة التي تقول وزارة الدفاع إنها تريد خدمتها.

هل نحن أمام «صحيفة للبنتاغون»؟

هذه هي النقطة الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة.

ليس من الدقيق القول إن «ستارز آند سترايبس» تحولت بالفعل إلى صحيفة حكومية؛ فهذا استنتاج سابق لأوانه.

لكن يمكن القول إن المسافة بين المؤسسة الصحفية والجهة العسكرية الممولة لها أصبحت موضع اختبار غير مسبوق.

والسؤال الحقيقي ليس من سيكون الناشر المقبل أو رئيس التحرير المقبل، وإنما: هل يستطيع الصحفي داخل مؤسسة تمولها وزارة الدفاع أن ينشر قصة تنتقد البنتاغون من دون أن يخشى أن تتحول مهنته إلى أداة عقاب؟

وإذا كانت الإجابة نعم، فستبقى «ستارز آند سترايبس» محتفظة بجوهر مهمتها التاريخية.

أما إذا أصبحت الإجابة مرتبطة بمدى توافق المادة الصحفية مع رؤية القيادة العسكرية، فسيكون ذلك تحولاً جوهرياً في طبيعة الصحيفة.

معركة صغيرة بعنوان كبير

قد تبدو إقالة ثلاثة مسؤولين في صحيفة عسكرية أمريكية قضية داخلية محدودة، لكنها في الحقيقة تختبر مبدأ أوسع بكثير: هل يمكن للسلطة أن تكون ممولاً للصحافة ومراقباً لها في الوقت نفسه؟

المؤكد أن البنتاغون اتخذ خطوة حاسمة ضد قيادة «ستارز آند سترايبس»، وأن الإجراء جاء بعد أشهر من التوتر حول «التحديث» والمحتوى والاستقلال التحريري. كما أن سلافين وكورت يربطان الإجراء بموقفهما العلني الرافض للرقابة، بينما يستند البنتاغون إلى تهمة «عدم الانصياع».

لكن الحكم النهائي على مستقبل الصحيفة لن يتحدد بإقالة ليدرر أو سلافين أو كورت وحدهم.

المعيار الحقيقي سيكون ما إذا كانت الصحيفة ستظل قادرة على نشر أخبار لا تريد القيادة العسكرية سماعها، ولكن يحتاج العسكريون إلى معرفتها.

وهنا تحديداً تصبح قضية «ستارز آند سترايبس» اختباراً ليس فقط لاستقلال صحيفة عسكرية، بل لحدود العلاقة بين السلطة العسكرية والصحافة وحق الجنود في الحصول على معلومات مستقلة.