«يوم الحسم الاقتصادي».. ترامب يعلن انهيار إيران وطهران تلوّح بإغلاق نفط الخليج

0
35
ترمب يعلن أن إيران «تنهار» مع استعداد واشنطن لفرض أقوى عقوبات اقتصادية، بينما تهدد طهران بوقف صادرات نفط الخليج. تحليل لمخاطر التصعيد.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - مصدر الصورة: رويترز

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق أو الطائرات التي تحلّق فوق المنطقة. فمع دخول الحرب شهرها السادس، انتقلت المعركة إلى ساحة أكثر هدوءاً في ظاهرها وأكثر اتساعاً في آثارها: المال والنفط والمصارف والممرات البحرية.

وفي واشنطن، يتهيأ وزير الخزانة سكوت بيسنت لإطلاق ما وصفه بـ «يوم الحسم الاقتصادي»، بينما أعلن الرئيس دونالد ترامب أن إيران «تنهار». وفي الجهة المقابلة، ترد طهران بأن الحرب الاقتصادية لن تدفعها إلى الاستسلام، ملوّحة بأخطر ورقة تملكها: تعطيل صادرات النفط من الخليج عبر مضيق هرمز.

وهكذا، تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الخطورة: واشنطن تريد خنق إيران اقتصادياً من دون العودة إلى الحرب المباشرة، وطهران تريد إثبات أن خنقها لن يكون مجانياً، وأن أي محاولة لعزلها يمكن أن تتحول إلى أزمة طاقة عالمية.

ترامب: إيران «تنهار».. لكن ماذا يعني الانهيار؟

جاء تصريح ترامب بأن إيران «تنهار» في لحظة تحاول فيها الإدارة الأمريكية تحويل الضغوط المتراكمة إلى نقطة تحول سياسية. وتستعد وزارة الخزانة لتوسيع نطاق العقوبات الثانوية، بحيث لا تقتصر على الشركات الإيرانية، وإنما تطال دولاً وشركات ومؤسسات مالية تتعامل مع طهران.

وبحسب رويترز، تستهدف الإجراءات المرتقبة توسيع قدرة واشنطن على معاقبة الجهات التي تواصل التعامل التجاري مع إيران، خصوصاً في قطاعات النفط والشحن والتمويل، بهدف عزل طهران عن النظام المالي القائم على الدولار.

أما بيسنت، فقد رفع سقف الخطاب إلى مستوى غير مسبوق عندما وصف الحملة بأنها «أكبر هجوم مالي على الإطلاق»، مؤكداً أن واشنطن تريد قطع شرايين الاقتصاد الإيراني التي تسمح للنظام بمواصلة الصمود.

لكن هنا تظهر أولى المفارقات.

إيران قد تكون منهكة اقتصادياً، لكنها ليست بالضرورة على وشك الانهيار السياسي.

فالبلاد عاشت عقوداً من العقوبات وطورت شبكات معقدة للالتفاف عليها، بينما لا تزال الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. وتشير بيانات نقلتها «فاينانشال تايمز» إلى أن صادرات النفط الإيرانية إلى الصين بلغت في المتوسط نحو 1.4 مليون برميل يومياً خلال العام الماضي.

العقوبات الجديدة تستهدف الصين قبل إيران

ربما يكون أهم ما في «يوم الحسم الاقتصادي» أنه لا يستهدف إيران وحدها.

فالنفط الإيراني لا يخرج إلى الأسواق العالمية من دون مشترين وناقلات ومصارف وشركات تأمين ووسطاء. ولذلك فإن ضرب هذه الشبكة يعني عملياً استهداف الدول التي تمنح الاقتصاد الإيراني القدرة على التنفس.

وتبرز الصين هنا باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية.

وتقول رويترز إن واشنطن تضغط على بكين للتعاون معها، فيما تحذر طهران الدول من الانضمام إلى حملة العقوبات الجديدة.

وبحسب تحليل في «وول ستريت جورنال»، تشتري الصين نسبة ضخمة من صادرات النفط الإيرانية، فيما يمكن أن تشمل الجولة الجديدة من العقوبات مصافي صينية صغيرة ومؤسسات مالية تتعامل مع النفط الإيراني.

وهنا يتحول الصراع من أمريكا ضد إيران إلى اختبار أكبر:

هل تستطيع واشنطن إجبار الصين على الاختيار بين النفط الإيراني والنظام المالي الأمريكي؟

إذا حاولت الإدارة الأمريكية الذهاب إلى أقصى مدى في العقوبات الثانوية، فقد لا تكون النتيجة مجرد خنق إيران، بل فتح جبهة اقتصادية جديدة مع الصين.

إيران ترد من أضيق نقطة في العالم

طهران تعرف أن لديها نقطة ضعف كبيرة: الاقتصاد.

لكنها تعرف أيضاً أن لديها نقطة قوة استراتيجية هائلة: الجغرافيا.

مضيق هرمز.

ذلك الممر البحري الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم أصبح منذ اندلاع الحرب جزءاً من المعركة نفسها. وتراجعت حركة العبور فيه بصورة حادة، بحسب «فاينانشال تايمز»، فيما هددت إيران عشرات السفن بالعقوبات أو الاحتجاز أو المصادرة بدعوى مخالفة بروتوكولات العبور الإيرانية.

كما هددت طهران بمنع خروج النفط من الخليج إذا شاركت الدول المحيطة بها في الحملة الاقتصادية الأمريكية. ونقلت «الجزيرة» عن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي تحذيراً من أن أي مشاركة إقليمية في الحرب الاقتصادية ستقابل بإجراءات لمنع خروج النفط عبر الخليج ومضيق هرمز.

وهذه ليست ورقة اقتصادية فحسب.

إنها ورقة ابتزاز جيوسياسي متبادلة.

واشنطن تقول: سأقطع صادراتك النفطية.

وطهران تقول: إذا قطعت صادراتي، فقد أجعل صادرات المنطقة كلها تواجه الخطر.

لماذا هرمز هو قلب المعركة؟

قبل الحرب، كان يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، وفق بيانات نقلتها «فاينانشال تايمز». أما حالياً، فتشير تقديرات السوق إلى أن التدفقات تراجعت إلى ما بين 4 و6 ملايين برميل يومياً، مع صعوبة تحديد الرقم الدقيق بسبب حركة ناقلات لا تظهر بياناتها بصورة كاملة.

وهذا يعني أن أي تصعيد جديد في المضيق يمكن أن يضيف صدمة عرض إلى سوق النفط العالمي.

ولذلك لم يكن غريباً أن ترتفع أسعار النفط بقوة خلال الأسابيع الماضية، قبل أن تتراجع اليوم مع ترقب المستثمرين تفاصيل العقوبات الأمريكية الجديدة. وأفادت «وول ستريت جورنال» بأن خام برنت تراجع في التعاملات المبكرة، فيما ظل السوق شديد الحساسية تجاه أي إشارة إلى طبيعة العقوبات وما إذا كانت ستؤثر في تدفقات النفط الإيراني.

بمعنى آخر، الأسواق لا تسأل فقط: ماذا ستفعل أمريكا بإيران؟

بل تسأل: ماذا ستفعل إيران بمضيق هرمز إذا شعرت أنها محاصرة؟

الاقتصاد الإيراني.. ينزف لكنه لم يسقط

الأرقام القادمة من الداخل الإيراني تعكس حجم الأزمة.

فقد سجل الريال مستوى قياسياً جديداً أمام الدولار، متجاوزاً حاجز مليوني ريال للدولار في السوق المفتوحة، وفق تقارير حديثة.

كما تشير تقارير إلى ارتفاع التضخم بصورة حادة وتزايد أسعار الغذاء، في وقت تواجه فيه الأسر الإيرانية ضغوطاً متصاعدة على قدرتها الشرائية.

لكن المشكلة بالنسبة لواشنطن هي أن الانهيار الاقتصادي لا يساوي بالضرورة سقوط النظام.

هذه هي المفارقة التي واجهتها الولايات المتحدة خلال عقود من العقوبات.

يمكن أن ينخفض سعر العملة، وترتفع الأسعار، وتتراجع الاستثمارات، ويتدهور مستوى المعيشة، من دون أن ينهار النظام السياسي.

بل إن العقوبات قد تدفع النظام إلى تعزيز الاقتصاد الموازي وشبكات التهريب والوسطاء، بما يسمح له بتوزيع تكلفة الأزمة على المجتمع مع حماية المؤسسات الأكثر أهمية بالنسبة إلى بقائه.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تتألم إيران؟، فالجواب واضح: نعم.

بل إن السؤال هو: هل أصبح الألم أكبر من قدرة النظام على تحمله؟، وهنا لا توجد حتى الآن إجابة قاطعة.

طهران ترفض رواية «الانهيار»

في المقابل، رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف الضغوط الأميركية بأنها دليل على نجاح واشنطن، معتبراً أن انتقال الولايات المتحدة من العمليات العسكرية إلى العقوبات يعكس، من وجهة نظره، عجزها عن تحقيق أهدافها بالقوة.

كما نقلت رويترز عن مسؤولين إيرانيين تأكيدهم أن العقوبات الجديدة ستفشل في إخضاع طهران.

وهذا الخطاب ليس موجهاً إلى الخارج فقط.

إنه أيضاً رسالة إلى الداخل الإيراني مفادها أن القيادة لا تزال تملك القدرة على المقاومة، وأن التراجع أمام واشنطن قد يكون أخطر من تحمل الأزمة الاقتصادية.

دخول باكستان على الخط.. نافذة أخيرة للدبلوماسية؟

وسط هذا التصعيد، يصل قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران.

الزيارة تكتسب أهمية استثنائية لأن رويترز كشفت أن الرئيس ترامب تحدث مع منير الأسبوع الماضي، وطلب من باكستان استخدام نفوذها لدفع إيران إلى العودة إلى المفاوضات.

وتحاول إسلام آباد لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، بعدما ساهمت في وقت سابق في التوصل إلى تفاهم مؤقت في يونيو (حزيران)، لكنه سرعان ما انهار.

وهذا يجعل زيارة منير اختباراً لفرصة أخيرة قبل أن تتحول الحرب الاقتصادية إلى مسار يصعب التراجع عنه.

لكن المهمة ليست سهلة.

فالمشكلة الأساسية ليست غياب الوسطاء، وإنما انعدام الثقة.

إيران تريد رفع الحصار والوصول إلى أصولها المجمدة وضمانات بشأن مستقبل العقوبات.

وواشنطن تريد تنازلات إيرانية أوسع، وتريد من الدول الأخرى وقف تقديم شريان اقتصادي لطهران.

وبين الشرطين، تقف المفاوضات في منطقة شديدة الضيق.

أخطر سيناريو: العقوبات تُشعل سوق النفط

المفارقة الكبرى أن نجاح العقوبات الأمريكية قد يحمل معه تكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها.

فإذا نجحت واشنطن في خفض صادرات النفط الإيراني بشدة، فإن المعروض العالمي سينكمش.

وإذا ردت طهران بمحاولة تعطيل حركة ناقلات النفط في هرمز، فإن الصدمة ستكون أكبر.

وتحذر تحليلات السوق من أن زيادة القيود على النفط الإيراني في ظل انخفاض التدفقات عبر المضيق يمكن أن ترفع أسعار الطاقة بصورة أكبر.

وهنا يمكن أن تتحول الحرب المالية إلى أزمة تضخم عالمية.

فارتفاع النفط يعني ارتفاع تكلفة النقل والطاقة والصناعة، ثم انتقال التكلفة إلى المستهلكين.

وهذا بالضبط ما يجعل «يوم الحسم الاقتصادي» مقامرة مزدوجة: إذا نجح، قد يخنق إيران. وإذا بالغ في النجاح، قد يخنق جزءاً من سوق الطاقة العالمية معه.

تقدير الموقف: هل تعود الحرب العسكرية؟

المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة أن واشنطن وطهران تتجهان حتماً إلى جولة عسكرية جديدة، لكنها تشير إلى أن مساحة الخطأ أصبحت أضيق بكثير.

فمن جهة، لا توجد منذ أسابيع ضربات عسكرية مباشرة بين القوات الأمريكية والإيرانية، وفق رويترز، بينما توقفت آخر محادثات مباشرة رسمية في يونيو (حزيران).

ومن جهة أخرى، يستمر التصعيد في البحر، وتتصاعد لغة التهديد، وتتحول العقوبات إلى سلاح رئيسي، بينما يزور الوسيط الباكستاني طهران بحثاً عن مخرج.

لذلك يمكن تصور ثلاثة مسارات:

الأول – العودة إلى التفاوض:

إذا نجحت وساطة باكستان في بناء قناة اتصال جديدة، فقد تستخدم واشنطن العقوبات كورقة ضغط لإجبار طهران على العودة إلى الطاولة، لا كخطوة تمهيدية للحرب.

الثاني – حرب اقتصادية طويلة:

وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير؛ عقوبات متدرجة، ومحاولات إيرانية للالتفاف عليها، وضغط على الصين، وتوتر مستمر في هرمز من دون العودة الفورية إلى الضربات المباشرة.

الثالث – انفجار جديد:

وهو الأخطر. يمكن أن يحدث إذا احتجزت إيران سفناً، أو وقع هجوم كبير على ناقلة، أو قررت واشنطن ضرب منشآت مرتبطة بالقدرة الإيرانية على التحكم بالمضيق. عندها يمكن أن تنتقل الأزمة من حرب مالية إلى مواجهة عسكرية جديدة خلال ساعات.

عندما تصبح المصارف سلاحاً والمضائق جبهة حرب

المشهد الآن أكثر تعقيداً من مجرد عقوبات أمريكية جديدة على إيران.

إنها محاولة لإعادة رسم ميزان القوة بعد ستة أشهر من الحرب.

ترمب يريد أن يثبت أن الاقتصاد يستطيع إنجاز ما لم تحققه الصواريخ.

وإيران تريد أن تثبت أن الدولة التي عاشت عقوداً تحت العقوبات لا يمكن خنقها بسهولة.

وبين الروايتين، يقف العالم أمام مضيق هرمز.

فإذا بقي مفتوحاً، تظل هناك مساحة للدبلوماسية.

وإذا تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فلن تبقى الحرب شأناً أمريكياً إيرانياً فقط، بل ستتحول إلى أزمة طاقة عالمية قد تصل آثارها إلى كل مستورد للنفط تقريباً.

ولهذا تبدو زيارة عاصم منير إلى طهران أكثر من زيارة وساطة عابرة. إنها محاولة لمعرفة ما إذا كانت هناك نافذة صغيرة لا تزال مفتوحة خلف هذا الجدار المتراكم من العقوبات والتهديدات.

ففي هذه اللحظة، لا يبحث الطرفان فقط عن طريقة للفوز بالحرب؛ بل يبحث كل منهما عن طريقة تمنع الآخر من الاعتقاد بأنه خسرها.