في المستشفيات لا تُقاس الأزمات فقط بعدد المرضى أو نقص الأسرة أو ضغط الموارد البشرية، بل تُقاس أحياناً بأشياء تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف ما يجري في العمق. فحين يتحول مكتب إداري إلى موضوع نزاع، وحين تتداخل الاختصاصات بين المسؤوليات، وحين تنتقل التوترات الشخصية والمهنية إلى فضاء يفترض أن يكون مخصصاً لإنقاذ الأرواح، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد خلاف عابر داخل مؤسسة صحية، بل يصبح مؤشراً على أزمة أعمق ترتبط بطريقة تدبير المرفق العمومي نفسه.
هذا بالضبط ما تحاول النقابة المستقلة لقطاعات الصحة، العضو في اتحاد النقابات المستقلة بالمغرب، أن تضعه أمام الرأي العام من خلال موقفها الأخير بشأن الأوضاع داخل قسم المستعجلات بالمركز الاستشفائي الجهوي مولاي يوسف بالرباط. فالبيان لا يتحدث فقط عن واقعة مرتبطة باستغلال مكتب إداري أو عن خلاف بين مسؤولين داخل المرفق الصحي، وإنما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة الحكامة المعتمدة في تدبير المؤسسات الصحية العمومية خلال مرحلة تعتبر من أهم المراحل الإصلاحية التي يشهدها قطاع الصحة بالمغرب.
فقسم المستعجلات ليس مصلحة إدارية عادية يمكنها تحمل آثار الصراعات التنظيمية أو الحسابات الشخصية. إنه الواجهة الأولى التي يلتقي فيها المواطن بالدولة عندما يكون في وضع صحي حرج، وهو المكان الذي تتقاطع فيه معاناة المرضى مع ضغط الأطباء والممرضين والتقنيين والإداريين. لذلك فإن أي اضطراب في التوازن المهني أو التنظيمي داخل هذا الفضاء ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمرتفقين.
وتشير المعطيات التي أثارتها النقابة إلى أن الأشهر الأخيرة عرفت تسجيل وقائع وسلوكيات خلقت أجواء من الاحتقان والتوتر داخل قسم المستعجلات، وهو ما تعتبره مؤشراً مقلقاً على وجود خلل في تدبير العلاقات المهنية وفي توزيع الاختصاصات والمسؤوليات. فحين يشعر العاملون داخل مرفق حساس بأن هناك غموضاً في الأدوار أو تضارباً في مراكز القرار، يصبح من الصعب الحديث عن بيئة مهنية مستقرة قادرة على مواجهة الضغوط اليومية الهائلة التي تفرضها طبيعة العمل الاستعجالي.
ومن بين النقاط التي أثارت الكثير من التساؤلات تلك المتعلقة بطلب استغلال مكتب مخصص لرئيس قسم المستعجلات من طرف مسؤولة حديثة التعيين على رأس مصلحة تابعة لنفس القسم. وفي ظاهر الأمر قد يبدو الموضوع إدارياً صرفاً، غير أن النقابة ترى فيه رمزاً لإشكالية أكبر ترتبط بحدود الاختصاصات وتسلسل المسؤوليات داخل المؤسسة الصحية. فالإدارة الحديثة لا تقوم فقط على النصوص القانونية، بل تعتمد أيضاً على وضوح البنيات التنظيمية واحترام المجال الوظيفي لكل مسؤول، لأن أي تداخل غير مدروس قد يتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراع.
لكن خلف هذا الجدل الإداري يبرز سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن إنجاح الورش الملكي الكبير المتعلق بإصلاح المنظومة الصحية إذا كانت بعض المؤسسات لا تزال تعاني من ممارسات توصف بالارتجالية أو الانغلاق أو غياب التشاور؟ فالإصلاح الصحي الذي انخرط فيه المغرب خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد تعديل تقني لبعض القوانين، بل يمثل مشروعاً استراتيجياً ضخماً يهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والخدمة الصحية العمومية، عبر تعميم الحماية الاجتماعية وتأهيل المؤسسات الصحية وتحسين ظروف اشتغال الموارد البشرية.
ومن هنا يصبح العنصر البشري حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي. فكل الدراسات والتجارب الدولية تؤكد أن نجاح الأنظمة الصحية لا يرتبط فقط بحجم الميزانيات أو عدد التجهيزات، بل بقدرة المؤسسات على تعبئة مهنيي الصحة وتحفيزهم وإشراكهم في اتخاذ القرار. وعندما يشعر الأطباء والممرضون بأن الكفاءة والاستحقاق لم يعودا المعيار الأساسي في تدبير المسؤوليات، أو عندما تنتشر الانطباعات المرتبطة بالمحاباة والزبونية أو التداخل غير المبرر في الاختصاصات، فإن الثقة التنظيمية تبدأ في التآكل، ويصبح الحديث عن النجاعة والجودة أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق، تدافع النقابة عن رؤية تعتبر أن مواجهة الاختلالات لا ينبغي أن تتم بمنطق الاصطفافات الشخصية أو الصراعات الإدارية، وإنما عبر ترسيخ مبادئ الشفافية والوضوح واحترام المساطر القانونية والتنظيمية المؤطرة للعمل الصحي. لذلك دعت إلى الكشف عن مختلف الملابسات المرتبطة بالوقائع التي أثارت الجدل داخل قسم المستعجلات، بما في ذلك المعطيات المتعلقة باستعمال خاتم وتوقيع يخصان رئيسة مصلحة المستعجلات، مع ضرورة التحقق من مدى مطابقة الإجراءات المتخذة للمقتضيات القانونية والإدارية الجاري بها العمل.
غير أن أهمية هذا النقاش تتجاوز حدود المركز الاستشفائي الجهوي مولاي يوسف بالرباط. فالقضية في جوهرها تطرح إشكالية وطنية مرتبطة بمستقبل تدبير المؤسسات الصحية العمومية في المغرب. فهل ستنجح المنظومة الصحية في الانتقال من ثقافة التدبير الفردي المغلق إلى ثقافة الحكامة التشاركية؟ وهل تستطيع المؤسسات الصحية بناء فضاءات عمل قائمة على الحوار والاحترام المتبادل وتكامل الأدوار بدل الصراعات حول النفوذ والاختصاصات؟ وهل يمكن للورش الإصلاحي أن يحقق أهدافه إذا لم يشعر المهنيون أنفسهم بأنهم شركاء حقيقيون في عملية التغيير؟
إن ما يجري داخل أقسام المستعجلات ليس مجرد شأن إداري داخلي، لأنه يمس بصورة مباشرة حق المواطن في العلاج وحق العاملين في ظروف مهنية سليمة. فكل دقيقة تضيع في التوترات التنظيمية هي دقيقة تُقتطع من الزمن المخصص لخدمة المرضى، وكل نزاع حول الصلاحيات قد يتحول في نهاية المطاف إلى عبء إضافي على مرفق يفترض أن يكون منشغلاً بإنقاذ الأرواح لا بتدبير الخلافات.
لهذا يبدو أن الرسالة الأعمق التي تحملها هذه التطورات لا تتعلق بشخص أو منصب أو مكتب إداري، بل تتعلق بالسؤال الذي يواجه اليوم مختلف المؤسسات العمومية بالمغرب: هل يمكن بناء إدارة حديثة وفعالة دون ثقافة مؤسساتية تؤمن بالحوار والشفافية واحترام الاختصاصات؟ لأن نجاح الإصلاحات الكبرى لا يقاس بما يكتب في المخططات والاستراتيجيات، بل بما يحدث يومياً داخل المكاتب والمصالح وأقسام المستعجلات، حيث تتحول المبادئ المعلنة إلى ممارسات فعلية، أو تتحول، في المقابل، إلى شعارات تصطدم بواقع التدبير اليومي.