شيك سياسي بلا رصيد اجتماعي… شوكي يطلب الثقة والمغاربة يواجهون الغلاء بلا ضمانات

0
101

في كثير من البيوت المغربية، لم يعد النقاش اليومي يدور حول مشاريع المستقبل أو أحلام الغد، بل حول سؤال أكثر بساطة وأكثر قسوة في الوقت نفسه: كيف يمكن تدبير ما تبقى من الشهر بما تبقى من الراتب؟ بين أسعار المواد الغذائية، وفواتير الماء والكهرباء، وتكاليف التعليم والعلاج والنقل، أصبح المواطن يعيش مواجهة يومية مع واقع اقتصادي يزداد تعقيداً، فيما تستمر النخبة السياسية في الحديث عن المؤشرات والبرامج والإصلاحات. ومن هنا اكتسبت خرجة محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، على برنامج “ساعة الصراحة” دلالة تتجاوز مجرد حوار إعلامي عابر، لأنها جاءت في لحظة تتسع فيها المسافة بين الخطاب السياسي وما يشعر به المواطن في حياته اليومية.

ظهر شوكي مدافعاً عن حصيلة حكومة عزيز أخنوش، مستعرضاً ما يعتبره الحزب إنجازات وإصلاحات وتدابير اجتماعية واقتصادية. غير أن المتتبع للمشهد لم يكن أمام مجرد عرض للحصيلة الحكومية، بل أمام محاولة لإعادة بناء الثقة في مشروع سياسي يواجه منذ سنوات اختباراً صعباً عنوانه القدرة الشرائية. فحين يصبح الغلاء الموضوع الأكثر حضوراً في النقاش العمومي، لا يعود السؤال المطروح هو عدد البرامج التي أطلقتها الحكومة، بل مدى انعكاسها على حياة الناس. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي تواجه الخطاب الحكومي: الفجوة بين الأرقام التي تقدمها المؤسسات والإحساس المعيشي الذي يعيشه المواطن.

منذ وصول حكومة أخنوش إلى السلطة، واجه المغرب سلسلة من الأزمات المتداخلة؛ من تداعيات الجائحة إلى الجفاف المتكرر، مروراً بالاضطرابات الدولية التي رفعت أسعار الطاقة والحبوب وسلاسل التوريد. وهي عوامل لا يمكن إنكار تأثيرها على الاقتصاد الوطني. غير أن السياسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بقدرتها على تفسير أسباب الأزمة، بل بمدى نجاحها في التخفيف من آثارها. فالمواطن لا يعيش داخل تقارير المؤسسات الدولية، بل داخل السوق. ولا يقيس نجاح السياسات العمومية بمعدلات النمو أو حجم الاستثمارات فقط، بل بقدرته على شراء حاجياته الأساسية دون أن يشعر بأن دخله يتآكل شهراً بعد آخر.

في هذا السياق، بدت تصريحات شوكي بشأن أزمة الأضاحي ذات دلالة خاصة. فقد استحضر منطق العرض والطلب وارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل والوساطة التجارية لتفسير الأسعار المرتفعة. من الناحية الاقتصادية، تبدو هذه المعطيات صحيحة ومفهومة. لكن من الناحية السياسية، يطرح الأمر سؤالاً مختلفاً: هل وظيفة المسؤول السياسي هي شرح أسباب الغلاء أم البحث عن أدوات لحماية المواطنين من نتائجه؟ فحين يتحول الخطاب إلى تفسير دائم للأزمة دون تقديم شعور ملموس بالحماية، يشعر المواطن بأن السياسة أصبحت وسيطاً بينه وبين السوق، لا قوة قادرة على ضبط اختلالاته.

وهنا يظهر جوهر الإشكال الذي يطبع النقاش العمومي في المغرب خلال السنوات الأخيرة. فالسوق أصبح الفاعل الأكثر حضوراً في تفسير الظواهر الاقتصادية، بينما تراجعت الأسئلة المرتبطة بالدور الاجتماعي للدولة. ومع أن الاقتصاد الحديث يقوم على آليات السوق والمنافسة، فإن التجارب الدولية أثبتت أن نجاح الحكومات لا يُقاس فقط بتحرير الاقتصاد، بل أيضاً بقدرتها على حماية الفئات الهشة والطبقة الوسطى من التقلبات الحادة. لذلك فإن الجدل الحقيقي لا يتعلق بوجود السوق أو عدمه، بل بالحدود التي ينبغي أن تتدخل عندها الدولة لضمان التوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

ولعل أكثر ما أثار الانتباه في حديث رئيس التجمع الوطني للأحرار كان تركيزه على الحضور الرقمي للحزب وقدرته على التواصل مع المواطنين عبر المنصات الاجتماعية. لا شك أن التواصل السياسي أصبح جزءاً أساسياً من العمل الحزبي المعاصر، وأن الفضاء الرقمي بات ساحة رئيسية للتأثير وتشكيل الرأي العام. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول النجاح في الفضاء الافتراضي إلى معيار لقياس النجاح السياسي على الأرض. فعدد المشاهدات لا يخفف فاتورة الكهرباء، ونسب التفاعل لا تخفض أسعار المواد الغذائية، والحملات الرقمية لا تعوض الشعور بالأمان الاقتصادي لدى الأسر.

لقد شهد العالم خلال العقد الأخير صعود ما يمكن تسميته بـ”سياسة الصورة”، حيث أصبح التواصل أحياناً أكثر حضوراً من السياسات نفسها. وفي مثل هذا السياق، تجد الحكومات نفسها أمام إغراء التركيز على تسويق الإنجازات أكثر من التركيز على أثرها الفعلي. لكن التجربة أثبتت أن المواطن قد يتأثر بالصورة لبعض الوقت، إلا أنه يعود دائماً إلى معيار أكثر بساطة: هل تحسن وضعه أم لا؟ وهل أصبح يشعر بأن الدولة أقرب إلى مشاكله أم أن المسافة ما زالت تتسع بين الخطاب والواقع؟

ومن هنا يكتسب مفهوم “القرب من المواطنين” بعداً مختلفاً عن المعنى الذي تقدمه الحملات السياسية. فالقرب الحقيقي لا يُقاس بعدد اللقاءات أو المؤتمرات أو المنشورات الرقمية، بل بمدى إحساس الناس بأن مؤسساتهم تقف إلى جانبهم عندما تشتد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. المواطن لا يبحث فقط عن خطاب يشرح له لماذا ارتفعت الأسعار، بل عن سياسات تمنحه شعوراً بأن هناك من يدافع عن قدرته الشرائية وعن استقراره الاجتماعي.

لقد أراد محمد شوكي أن يقدم صورة مطمئنة عن أداء الحكومة وعن مستقبل التجمع الوطني للأحرار، لكن مداخلته أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر من الحكومة والحزب معاً: ما معنى النجاح السياسي في زمن تتراجع فيه الثقة في الخطابات التقليدية؟ هل يكفي الحديث عن الإصلاحات والإنجازات إذا كان المواطن لا يلمس أثرها في تفاصيل حياته اليومية؟ وهل تستطيع الأحزاب أن تحافظ على مصداقيتها بالاعتماد على قوة التواصل، أم أن الامتحان الحقيقي يبقى دائماً في قدرتها على تحويل الوعود إلى واقع ملموس؟

في النهاية، لا يبدو الجدل الدائر حول تصريحات شوكي مرتبطاً بشخصه أو بحزبه فقط، بل بطبيعة العلاقة الجديدة بين الدولة والمجتمع. فالمغاربة لا يطالبون بخطابات أكثر إقناعاً بقدر ما يطالبون بنتائج أكثر وضوحاً. وبين لغة الأرقام ولغة المعيشة اليومية تتحدد اليوم معركة الثقة السياسية. ذلك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ليس ارتفاع الأسعار في حد ذاته، بل اتساع الفجوة بين ما تقوله للمواطنين وما يشعرون به في حياتهم. وعندما يحدث ذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس من يكتب الشيك السياسي، بل من يملك فعلاً الرصيد الاجتماعي الذي يجعله قابلاً للصرف في وجدان الناس قبل جيوبهم.