أوجار يفتح ملف العفو والمحاسبة معاً.. انفراج حقوقي وترسانة قانونية تحمي قرينة البراءة

0
108

لم يضع محمد أوجار دعوته إلى “عفو كبير” في خانة مطلب سياسي ظرفي، بل ربطها بصورة أوسع لتطور المغرب ومؤسساته، حين تحدث عن معتقلي حراك الريف واحتجاجات جيل “زد” باعتبار أن البلاد، في تقديره، بلغت من النضج السياسي ما يسمح بتجاوز هذه الملفات وإنهائها بما ينسجم مع ما راكمته من مكتسبات حقوقية.

أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار ووزير العدل الأسبق ووزير حقوق الإنسان سابقاً، قال في حوار خاص مع هسبريس إن المغرب “مؤهل اليوم للتطور حقوقياً وديمقراطياً ومواصلة إشعاعه”، داعياً إلى تهيئة الظروف لـ“عفو كبير في المغرب”. ولم يقدّم في التصريح صيغة قانونية محددة لهذا العفو، بقدر ما دعا إلى خلق دينامية وتوافق وطني حوله، مقترحاً أن تنخرط المؤسسات العاملة في مجال حقوق الإنسان، وفي مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في هذا المسار.

اللافت في كلام أوجار أن المسألة لم تُطرح عنده باعتبارها تسوية لملف واحد. فهو جمع بين حراك الريف واحتجاجات جيل “زد”، ثم أعاد إدراج الملفين داخل مسار أطول يتحدث عن هيئة الإنصاف والمصالحة، وتطور التشريع الحقوقي، ومدونة الأسرة، وما يعتبره مكاسب راكمها المغرب خلال السنوات الماضية.

لكن أوجار وضع قيداً واضحاً على الطريقة التي ينبغي أن يُناقش بها الملف. فهو رفض أن يتحول إلى مادة لـ“الشعبوية أو المزايدات”، وقال إن المطلوب هو التعامل معه من موقع الاعتراف بأن البلاد “نضجت وتطورت”.

هذه اللغة تكتسب دلالتها أيضاً عند مقارنتها بما قاله أوجار نفسه عندما كان وزيراً للعدل في خضم الأحكام القضائية المرتبطة بحراك الريف سنة 2018. يومها شدد على استقلال القضاء، وقال إن المحاكمات استمرت أشهراً وإن الدفاع مارس دوره، وإن الأحكام لا تستند إلى العاطفة وإنما إلى النصوص القانونية، مع تأكيده آنذاك أن المغرب ليس “جنة” لحقوق الإنسان أو الديمقراطية.

اليوم لا يعود أوجار إلى تقييم تلك الأحكام، ولا يعلن موقفاً من وقائع قضائية بعينها. ما يطرحه مختلف: بعد مرور سنوات، هل أصبح ممكناً التعامل مع الملفات المتبقية من زاوية الانفراج والعفو وطيّ مرحلة كاملة؟

وهو لا يضع ذلك في مواجهة القضاء، بل يربطه بما يسميه نضجاً سياسياً وطنياً وبالدينامية التي يمكن أن تصنعها المؤسسات الحقوقية. لذلك بقيت عبارته الأساسية سياسية ومؤسساتية أكثر منها قضائية: “تهيئة الظروف” و“توافق وطني” و“إنهاء كافة هذه القضايا”.

ثم ينتقل الحوار إلى ملف آخر يبدو في ظاهره بعيداً عن العفو، لكنه يكشف جانباً آخر من التصور الذي يقدمه أوجار لما بعد انتخابات 2026: المحاسبة لا ينبغي أن تتوقف عند المنتخبين.

هنا يصبح حديثه أكثر اتساعاً. فهو يقول إن المحاسبة يجب أن تشمل المنتخبين والمعينين على حد سواء، ويذكر بالاسم رجال الإدارة الترابية ومفتشي المالية والكتاب العامين والأطر الإدارية في الوزارات والمؤسسات العمومية، بل وحتى المسؤولين في مؤسسات وشركات الدولة.

ويبدأ أوجار هذه المرة من الدفاع عن نقطة حساسة: وزارة الداخلية وأطر الإدارة الترابية، حسب تصريحه، أداروا انتخابات 2026 بـ“حياد ومهنية عالية”. لكنه يضيف أن السياسي والمنتخب مطالبان بالدفاع عن صلاحياتهما واختصاصاتهما، وأنه لا يمكن تحميل المعينين كل شيء، كما لا يمكن تحميل المنتخبين كل شيء.

هذه النقطة ليست جديدة تماماً في خطاب أوجار. فقد سبق له، في نقاشات سياسية وقانونية خلال 2025، أن أثار مسألة مساءلة الولاة والعمال وكبار مدبري المال العام، في وقت كان الجدل يتركز بدرجة كبيرة على المنتخبين.

لكن التصريح الجديد يضع الفكرة داخل تصور تشريعي لما بعد 2026. أوجار يريد، بحسب كلامه، أن تأتي الحكومة المقبلة بـ“ترسانة” من القوانين التي تجعل ربط المسؤولية بالمحاسبة أكثر شمولاً، لأن غياب الأطر القانونية الكافية، في نظره، يبقي البلاد داخل السجال السياسي بدل نقل المسألة إلى قواعد قانونية واضحة.

وهنا يدخل الإثراء غير المشروع إلى الحديث مجدداً.

أوجار يذكّر بأن المقتضيات المتعلقة بالإثراء غير المشروع كانت مدرجة في مشروع القانون الجنائي، ويقول إنه عندما كان وزيراً للعدل دافع عنها بقوة، وأن مختلف الأحزاب والفرق البرلمانية، بما فيها العدالة والتنمية، كانت معبأة لتمرير النص مع التعديلات التي أُدخلت عليه. كما يدافع عن تفسيره لسحب وزير العدل الحالي عبد اللطيف وهبي للمشروع، معتبراً أن النية كانت حسنة وأن الهدف كان إعداد مشروع شامل للقانون الجنائي يتضمن تلك المقتضيات وغيرها.

هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها أوجار بهذا الموقف من تجريم الإثراء غير المشروع. ففي النقاشات البرلمانية السابقة حول مشروع القانون الجنائي، شدد على ضرورة الجمع بين محاربة الفساد والضمانات الحقوقية، وربط المسألة صراحة بقرينة البراءة وشروط المحاكمة العادلة.

اللافت أن التصور الذي يقدمه الآن لا يضع مكافحة الفساد وحقوق المسؤولين في جهتين متعارضتين. بل يتحدث عن الاثنين في الجملة نفسها تقريباً: أدوات قانونية قوية لملاحقة الفساد، وضمانات تمنع أن تتحول المحاسبة إلى إدانة مسبقة.

ولذلك كان حريصاً على تعداد المواقع التي يمكن أن تشملها المحاسبة: منتخب، معين، وزير، مفتش مالية، مهندس زراعي أو أي مسؤول آخر. الفكرة الأساسية ليست توسيع دائرة الاتهام، وإنما توسيع دائرة المسؤولية القانونية بحيث لا يصبح الموقع الوظيفي، في حد ذاته، فاصلاً بين من يخضع للمساءلة ومن يبقى خارجها.

هذا النقاش يلامس أيضاً سؤالاً أوسع عن العلاقة بين السياسة والإدارة. فإذا كان المنتخب مسؤولاً عن القرار السياسي، فإن تنفيذ جزء كبير من السياسات العمومية يمر عبر أجهزة إدارية ومؤسسات عمومية وشركات تملكها الدولة أو تساهم فيها. تحميل طرف واحد مسؤولية الاختلالات، في هذه الحالة، قد لا يعكس دائماً المسار الفعلي الذي تمر منه القرارات والموارد والمشاريع.

أوجار لا يقدم في تصريحه نموذجاً قانونياً جاهزاً لهذه المحاسبة، ولا يحدد المواد التي ينبغي تعديلها أو القوانين التي ينبغي اعتمادها. لكنه يضع مبدأين متلازمين: لا حصانة وظيفية أمام المحاسبة، ولا محاسبة خارج الضمانات القانونية.

وهذا يفسر أيضاً إصراره على قرينة البراءة. فمحاربة الفساد، في تصوره، لا تعني تحويل الاشتباه إلى إدانة، ولا استعمال المحاسبة كأداة في الصراع السياسي. بل يفترض أن يكون القانون هو الذي يحدد الأفعال والمسؤوليات والإجراءات ووسائل الإثبات، وأن تبقى كرامة الشخص وحقوقه مصونة إلى أن تقول العدالة كلمتها.

اللافت كذلك أن أوجار وضع هذه الملفات كلها أمام الحكومة التي ستأتي بعد انتخابات 2026، وليس أمام الحكومة الحالية وحدها. حديثه عن “ما بعد سنة 2026” يحول المقابلة من مجرد موقف سياسي بشأن ملفات قائمة إلى تصور لما ينبغي أن يدخل إلى الأجندة التشريعية المقبلة: انفراج حقوقي، مراجعة أو استكمال ترسانة المحاسبة، وإعادة ضبط العلاقة بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الإدارية.

ولا يعني ذلك أن ما طرحه أصبح سياسة حكومية معلنة. التصريحات صادرة عن قيادي حزبي ووزير سابق، وليست في حد ذاتها قراراً حكومياً أو نصاً تشريعياً. كما أن الدعوة إلى “عفو كبير” لا تعني، في حد ذاتها، صدور عفو أو الاتفاق على شروطه.

لكن وزن التصريحات يأتي من موقع صاحبها ومن الطريقة التي جمع بها بين ملفين عادة ما يُناقشان منفصلين: كيف تُغلق بعض الملفات الحقوقية القديمة والجديدة، وكيف تُفتح في الوقت نفسه صفحة أكثر صرامة في المحاسبة؟

في الحالتين، يعود أوجار إلى فكرة واحدة تقريباً: القانون.

في ملف المعتقلين، القانون لا ينبغي أن يتحول إلى جدار يمنع الانفراج إذا أصبح التوافق السياسي والحقوقي ممكناً. وفي ملف الفساد، القانون هو نفسه الذي يجب أن يمنح الدولة أدوات أقوى للمحاسبة، لكن من دون أن يسقط حق أي مسؤول في قرينة البراءة.

وبذلك يبقى الجزء الأكثر حساسية في تصريح أوجار معلقاً على ما ستفعله المؤسسات بعد الانتخابات: هل تتحول دعوة العفو إلى مبادرة مؤسساتية؟ وهل تتحول الدعوة إلى ترسانة جديدة للمحاسبة إلى قوانين محددة؟ التصريحات وحدها لا تجيب عن ذلك. الذي سيجيب هو النص الذي سيُقترح، والمسار الذي سيسلكه، والضمانات التي سيتضمنها، ثم كيفية تطبيقه عندما يصبح القانون هو الحكم بين المسؤولية والاتهام.