بوريطة: العلاقات مع إسرائيل لم تغيّر موقف المغرب من فلسطين.. والجزائر دخلت منطق الإفراط

0
85

أكد ناصر بوريطة أن استئناف المغرب لعلاقاته مع إسرائيل لم يغيّر موقف المملكة من القضية الفلسطينية، وأن الرباط ماضية في دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، مع تمسكها بحل الدولتين. وجاء هذا الموقف في حوار أجراه وزير الخارجية المغربي مع «RFI» و«France 24» في فبراير 2022، في وقت كانت فيه عودة العلاقات المغربية الإسرائيلية تفتح نقاشاً واسعاً حول حدود هذا المسار وانعكاساته على الموقف المغربي من فلسطين. بوريطة وضع آنذاك العلاقة بين الرباط وتل أبيب في إطار مختلف عن القراءة التي تربط بين وجود علاقات سياسية وأمنية واقتصادية وبين تغيير الموقف من الحقوق الفلسطينية، مؤكداً أن المغرب يرى في هذه العلاقات، على العكس، إمكانية للمساهمة في الدفع نحو حل يضمن للفلسطينيين حقوقهم ودولتهم.

والأهم أن الحوار الذي جمع وزير الخارجية المغربي بممثلي RFI وFrance 24 جرى في فبراير 2022، في مرحلة كانت فيها عودة العلاقات المغربية الإسرائيلية لا تزال موضوعاً حاداً داخل النقاش العربي والإفريقي، كما كانت العلاقات المغربية الجزائرية قد دخلت بالفعل مرحلة القطيعة والتوتر. لذلك فإن عبارة بوريطة حول فلسطين لا ينبغي فصلها عن ذلك الظرف الزمني.

عندما سئل عن الاتهام بأن الرباط أصبحت تقدم علاقاتها التجارية والعسكرية مع إسرائيل على القضية الفلسطينية، جاء رده مباشراً: المغرب، حسب تعبيره، «منخرط إلى جانب الشعب الفلسطيني»، والعودة إلى العلاقات مع إسرائيل «لن تغير بأي شكل» موقف المملكة من القضية الفلسطينية.

الموقف الذي شرحه بوريطة لم يُبنَ على رفض وجود إسرائيل، بل على تصور سياسي مختلف لطبيعة التسوية. المغرب، كما قال، يؤيد حل الدولتين، ومعنى ذلك بالنسبة إليه وجود دولتين تعيشان جنباً إلى جنب في السلام والأمن. وأضاف أن تطور العلاقات المغربية الإسرائيلية يمكن، من وجهة نظر الرباط، أن يُستخدم أيضاً للمساهمة في تمكين الفلسطينيين من حقوقهم وإقامة دولتهم المستقلة.

هذه النقطة كانت أساسية في حديثه، لأنها تفسر كيف كانت الدبلوماسية المغربية تحاول في تلك الفترة الجمع بين مسارين يبدوان متعارضين في الخطاب السياسي: استمرار العلاقات مع إسرائيل من جهة، والإبقاء على القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سياسية وحقوقية مستقلة عن طبيعة تلك العلاقات من جهة أخرى.

بوريطة رفض أن تتحول العلاقة مع إسرائيل إلى معيار للحكم على الموقف المغربي من فلسطين. وفي حديثه عن الانتقادات الموجهة إلى الرباط داخل الاتحاد الإفريقي، انتقل النقاش سريعاً من مضمون القضية الفلسطينية إلى مسألة أخرى: كيف تُدار الخلافات داخل المنظمة القارية، ومن يملك حق فرض موقفه على بقية الدول؟

كان الوزير المغربي يشير إلى أن 44 دولة إفريقية كانت تقيم علاقات مع إسرائيل، مستنداً إلى ذلك في رفض ما اعتبره محاولة من بعض الدول لتغيير واقع قائم داخل الاتحاد الإفريقي من خلال الضغط السياسي. وخص جنوب إفريقيا بالذكر، متسائلاً عن كيفية قبول وجود علاقات مع إسرائيل على المستوى الوطني ثم الدفع في اتجاه موقف مختلف داخل المنظمة القارية.

ولم يتعامل بوريطة مع مسألة منح إسرائيل صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي بوصفها مجرد تأييد مغربي لإسرائيل. كان حريصاً على نقل النقاش إلى «المسطرة» ونصوص المنظمة، قائلاً إن موقف المغرب مرتبط أولاً بتطبيق القواعد والإجراءات التي تحكم الاتحاد الإفريقي. وهذه الصياغة كانت جزءاً من محاولة الرباط تقديم القضية باعتبارها مسألة مؤسساتية أيضاً، لا مجرد اصطفاف سياسي حول إسرائيل.

لكن الجزء الأكثر ارتباطاً بالعلاقات المغربية الجزائرية جاء عندما سئل عن الاتهامات الجزائرية بشأن التعاون العسكري المغربي الإسرائيلي.

هنا استعاد بوريطة عبارة دبلوماسية شهيرة نسبها إلى تاليران، مفادها أن الإفراط يفقد الموقف تأثيره، وقال إنه توقف منذ مدة عن متابعة ما يصدر عن الجزائر أو الدبلوماسية الجزائرية بسبب ما وصفه بكثرة التناقضات. وفي حديثه عن أسباب قطع الجزائر للعلاقات مع المغرب، أشار إلى أن القرار الجزائري لم يكن، بحسب روايته، مبنياً على العلاقات المغربية الإسرائيلية وحدها، بل رافقته آنذاك أسباب أخرى مرتبطة بالصحراء وحرب 1963 وملفات مختلفة.

ثم وصل الحوار إلى النقطة الأكثر حساسية: هل يمكن أن تتحول القطيعة السياسية إلى مواجهة عسكرية مباشرة؟

جواب بوريطة كان أن المغرب «ليس في مسار تصعيد»، وأن المملكة لا تريد «رهن المستقبل». كما ربط ذلك بمنطق أوسع في السياسة المغربية، يقوم، بحسب شرحه، على عدم الدخول في التصعيد والتركيز على ما يجمع البلدين بدل توسيع مساحة الخلاف.

هذه الإجابة اكتسبت معناها الكامل عندما انتقل الحديث إلى الصحراء المغربية. بوريطة قال إن المغرب «موجود في أراضيه» وإنه في «حالة دفاع مشروع عن النفس»، نافياً أن تكون الرباط قد سعت إلى المواجهة. وفي الوقت نفسه أعاد التأكيد على أن الحل الذي يدعمه المغرب يجب أن يكون في إطار الأمم المتحدة، وعلى أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وكان واضحاً في كلامه أن الرباط أرادت في تلك المرحلة تثبيت حدود مختلفة بين موقفها العسكري في الميدان وبين تصورها للتسوية السياسية. فالمغرب، بحسب بوريطة، يتمسك بمبادرة الحكم الذاتي، ويرى أن إطار المفاوضات هو الموائد المستديرة بمشاركة الأطراف المعنية بالنزاع الإقليمي.

أما الجزائر، فكان الوزير المغربي يضعها في موقع مختلف. قال إن التصعيد الجزائري، من وجهة نظره، جعل دور الجزائر أكثر وضوحاً باعتبارها طرفاً أساسياً في النزاع، وليس مجرد دولة مجاورة تتابع الملف من الخارج. كما اتهمها بعدم الانسجام مع الإطار الذي حدده مجلس الأمن، بينما شدد على أن المغرب يتحرك داخل ذلك الإطار.

وهذه النقطة تفسر لماذا كان الحديث عن الجزائر في المقابلة مرتبطاً دائماً تقريباً بملف الصحراء، حتى عندما يبدأ السؤال من العلاقات مع إسرائيل. بالنسبة إلى الرباط، الملفات ليست متجاورة فقط؛ بعضها يستخدم لفهم بعض. الاتهام بالتعاون العسكري مع إسرائيل، مثلاً، يُقرأ داخل الصراع السياسي الأوسع بين البلدين، بينما تنظر الرباط إلى موقف الجزائر من الصحراء باعتباره مفتاحاً لفهم جزء كبير من التوتر الثنائي.

بعد ذلك، انتقل الحوار إلى ليبيا، حيث ظهر اختلاف في طبيعة خطاب بوريطة. لم يكن الحديث هذه المرة عن مواجهة مغربية جزائرية أو عن صراع على مواقف داخل منظمة إقليمية، بل عن مسار سياسي تحاول الرباط دعمه بين أطراف ليبية متنافسة.

بوريطة أشار إلى أن الليبيين أنفسهم كانوا قد حددوا، خلال حوار جنيف، موعد الانتخابات، وأن الجميع كان يعرف أن تنظيمها لن يكون مهمة سهلة. لكنه ركز على أن المسار السياسي حقق تحولاً مهماً: الانتقال من منطق المواجهة العسكرية إلى البحث في القاعدة الدستورية والقانون الانتخابي.

بالنسبة إلى الرباط، لم تكن المشكلة في ذلك الوقت غياب المؤسسات الليبية بقدر ما كانت في كيفية منع الخلاف حول الانتخابات من إنتاج فراغ مؤسساتي. لذلك عدد بوريطة البرلمان ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي والحكومة باعتبارها مؤسسات ينبغي الحفاظ على دورها، مع رفض الدخول في مرحلة يصبح فيها غياب التوافق سبباً لتعطيل الدولة نفسها.

ما يجمع أجزاء الحوار المختلفة ليس تصريحاً واحداً يمكن اختزاله في عنوان سياسي سريع، بل تصور دبلوماسي كرره بوريطة في أكثر من ملف: علاقات المغرب مع إسرائيل لا تعني، وفق الموقف الذي عرضه، التخلي عن فلسطين؛ التوتر مع الجزائر لا يعني أن الرباط تتجه إلى حرب؛ والحرب في الصحراء لا تعني التخلي عن المسار الأممي؛ والخلاف الليبي لا ينبغي أن يتحول إلى فراغ مؤسساتي.

وتبقى الإشارة الزمنية ضرورية هنا. المقابلة التي تتضمن هذه التصريحات تعود إلى فبراير 2022، وقد أعادت بعض المنصات تداول مضمونها بصيغ توحي أحياناً بأنها حديثة. البحث في النص الأصلي المتداول للمقابلة يؤكد أن تصريحات بوريطة حول فلسطين والجزائر والصحراء والاتحاد الإفريقي تعود إلى ذلك التاريخ.

أما العلاقات المغربية الإسرائيلية نفسها فقد شهدت تطورات لاحقة؛ ففي سبتمبر 2026، نقلت وكالة رويترز عبر Yahoo عن لقاء جمع بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في نيويورك، مع إعلان البلدين الاتفاق على المضي نحو فتح سفارتيهما وتعزيز التعاون. وهذا يجعل الفصل بين ما قاله بوريطة في 2022 وبين ما استجد في 2026 أمراً ضرورياً في أي معالجة صحافية جديدة للموضوع.