الأحرار و”البام” يشعلان سباق 2026… وبنكيران يقرع جرس الإنذار: هل بدأت ثنائية تبتلع الأحزاب؟

0
96

قبل أكثر من عشرين عامًا، وأنا خارج المغرب، وجدت نفسي في جلسة طويلة مع أحد كبار المسؤولين الذين كانوا قريبين من دوائر صناعة القرار. امتد الحديث لساعات، وانتقل من الاقتصاد إلى الدبلوماسية، ومن الإصلاح إلى مستقبل الحياة الحزبية. وبين ثنايا ذلك الحوار، قال الرجل عبارة لم تغادر ذاكرتي إلى اليوم: “سيأتي وقت يصبح فيه المشهد السياسي المغربي أقرب إلى النموذج الأمريكي؛ قطبان كبيران يتناوبان على قيادة الحياة السياسية، بينما تتقلص بقية الأحزاب تدريجيًا، وحتى النقابات ستتجه نحو الاندماج في إطار واحد.” يومها بدت لي الفكرة أقرب إلى تمرين في استشراف المستقبل منها إلى وصف لمسار سياسي قيد التشكل. لكن وأنا أتابع اليوم ما يجري من إعادة تموقع للأحزاب، ومن حديث متزايد عن استقطاب ثنائي يقوده التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، أجد نفسي أستحضر تلك الجملة القديمة من جديد. ليس لأن النبوءة تحققت بالكامل، بل لأن الوقائع تدفع إلى طرح سؤال مشروع: هل يسير المغرب بالفعل نحو إعادة هندسة الحقل الحزبي في اتجاه قطبين كبيرين، تذوب حولهما الأحزاب الصغيرة والمتوسطة عبر التحالفات أو الاندماجات أو الاصطفافات الانتخابية؟ أم أن ما نراه اليوم ليس سوى محطة عابرة في دورة سياسية ستعيد إنتاج التعددية بصيغ جديدة؟

لم يكن يوم السبت مجرد محطة تنظيمية اعتيادية في أجندة الأحزاب المغربية، ولم تكن الاجتماعات المتزامنة التي احتضنتها الداخلة وسلا مجرد صدفة زمنية فرضتها روزنامة العمل الحزبي. ما جرى، في عمقه، كان أقرب إلى إعلان غير مكتوب عن انطلاق المعركة الحقيقية لانتخابات 2026، حيث خرج الفاعلون السياسيون من مرحلة جس النبض إلى مرحلة رسم موازين القوى، فيما بدأت الرسائل السياسية تتجاوز الخطابات المباشرة لتتحول إلى إشارات محسوبة تخاطب الخصوم أكثر مما تخاطب القواعد الحزبية.

فالسياسة، كما هي في لحظات التحول الكبرى، لا تُقرأ فقط بما قيل فوق المنصات، بل أيضًا بما تعمد المتحدثون إلى عدم قوله، وبمن حضر ومن غاب، وبالرموز التي اختيرت، وبالتوقيت الذي نُظمت فيه الأحداث. ومن هذه الزاوية، بدا “السبت الاستثنائي” وكأنه لحظة تأسيسية لمرحلة انتخابية جديدة، عنوانها أن التحالف الحكومي الحالي بدأ يتحول، بهدوء، إلى فضاء للتنافس المفتوح.

في الداخلة، لم يكن اختيار المكان بريئًا. فالمدينة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة تحمل رمزية سيادية وتنموية واستراتيجية، تحولت إلى منصة بعث من خلالها حزب التجمع الوطني للأحرار رسالة مزدوجة؛ الأولى إلى الداخل الحزبي، مفادها أن الحزب ما يزال متماسكًا بقيادة عزيز أخنوش، والثانية إلى خصومه، بأن الحزب لا يستعد فقط للدفاع عن حصيلته الحكومية، بل للاستمرار في قيادة المشهد السياسي لما بعد الانتخابات.

واللافت أن أخنوش، الذي راهن كثيرون خلال الأشهر الماضية على تراجع حضوره السياسي بفعل ضغط الاحتجاجات والانتقادات الاجتماعية، اختار العودة من بوابة التنظيم الحزبي لا من بوابة الحكومة. وكأن الرسالة تقول إن الرجل لا يزال يمسك بخيوط الحزب، وإن الرهان المقبل لن يكون فقط على حصيلة الحكومة، وإنما على قوة التنظيم واستعادة المبادرة السياسية.

لكن ما كان أكثر إثارة في هذا المشهد، لم يكن ما فعله الأحرار، بل الطريقة التي تلقى بها عبد الإله بنكيران تلك الرسائل. فالأمين العام لحزب العدالة والتنمية بدا، من خلال خطابه، وكأنه يستشعر خطرًا جديدًا لا يتمثل في الأحرار وحدهم، بل في احتمال تشكل ثنائية سياسية جديدة بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ثنائية قد تدفع حزبه إلى الهامش، وهي المنطقة التي لطالما اعتبرها بنكيران أخطر من الهزيمة نفسها.

لهذا بدا خطابه أكثر انفعالًا من المعتاد، وأكثر استدعاءً لذاكرة الصراع القديمة. عاد إلى مفردات “التحكم”، واستحضر سرديات 2011 و2016، وكأنه يحاول إعادة إنتاج المسرح السياسي الذي صنع نجوميته قبل عقد من الزمن. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل لا تزال البلاد تعيش الشروط نفسها التي جعلت تلك السردية قابلة للحياة؟ أم أن المغرب السياسي انتقل إلى مرحلة مختلفة لم تعد تستجيب للثنائيات القديمة؟

في الحقيقة، ما كشفه هذا السبت هو أن بنكيران لم يعد يخوض فقط معركة استعادة السلطة، بل يخوض أيضًا معركة البقاء داخل مركز الاهتمام السياسي والإعلامي. فالرجل يدرك أن أسوأ سيناريو بالنسبة إليه ليس خسارة الانتخابات، وإنما أن تدور المعركة الكبرى بين خصمين آخرين، بينما يتحول حزبه إلى مجرد متفرج يعلق على ما يجري.

وفي الجهة المقابلة، بدا حزب الأصالة والمعاصرة هو الآخر أمام اختبار دقيق. فمنذ أشهر وهو يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره المنافس الأول للأحرار، إلا أن المشهد الجديد يوحي بأن الحزب يحاول إعادة تعريف موقعه داخل الخريطة السياسية، بعيدًا عن الصورة التقليدية التي لازمته منذ تأسيسه. وإذا كان الأحرار يراهنون على شرعية التدبير الحكومي، فإن “البام” يراهن على إعادة بناء صورته كحزب قادر على قيادة مرحلة ما بعد الحكومة، لا مجرد شريك فيها.

ومن بين أكثر النقاط التي أثارت النقاش، ما رافق عودة فوزي لقجع إلى واجهة المشهد الحزبي داخل التجمع الوطني للأحرار. فقد سارعت بعض القراءات إلى اعتبار الخطوة تمهيدًا لسيناريو رئاسة الحكومة، غير أن المؤشرات التي برزت خلال هذا اللقاء تبدو أكثر تعقيدًا من هذا التفسير المبسط.

فلقجع، بحكم موقعه داخل المؤسسات الرياضية الكبرى، وإشرافه على ورش تنظيم كأس العالم 2030، وتحوله إلى أحد أبرز الوجوه التنفيذية في الدولة، يبدو أقرب إلى لعب دور “مهندس الحزب” أكثر من كونه مرشحًا انتخابيًا تقليديًا. لذلك فإن إدخاله إلى البنية القيادية للحزب قد يعكس رغبة في إعادة هيكلة التنظيم وتجديد نخبته، أكثر مما يعكس قرارًا جاهزًا بإعداده لرئاسة الحكومة.

وهنا تظهر نقطة جوهرية كثيرًا ما تغيب وسط الضجيج السياسي، وهي أن الدستور المغربي يمنح جلالة الملك صلاحية تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، لكنه لا يجعل هذا التعيين عملية ميكانيكية أو نتيجة سيناريوهات مسبقة. ولذلك فإن أي حديث عن “رئيس حكومة جاهز” قبل صناديق الاقتراع لا يسيء فقط إلى الفاعلين السياسيين، بل يختزل أيضًا منطق المؤسسات الدستورية في قراءات إعلامية متسرعة.

وربما كانت الرسالة الأهم التي خرج بها هذا “السبت الاستثنائي” هي أن الانتخابات المقبلة لن تكون معركة محسومة سلفًا، كما يحاول البعض تصويرها، ولا مجرد سباق شكلي بين أحزاب تؤدي أدوارًا مرسومة. بل إن المؤشرات توحي بعودة السياسة نفسها إلى قلب المشهد؛ عودة الصراع حول البرامج والقيادات والتموقعات، وعودة الأحزاب إلى استعادة دورها في صناعة الحدث بدل الاكتفاء بردود الفعل.

لكن خلف هذه الحيوية الظاهرة، يختبئ سؤال أكثر عمقًا: هل نحن أمام عودة فعلية للتنافس الديمقراطي، أم أمام إعادة توزيع للأدوار داخل المنظومة السياسية نفسها؟ وهل ستنجح الأحزاب في تحويل هذا الزخم إلى نقاش عمومي حول الاقتصاد والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، أم أن المعركة ستنتهي مرة أخرى إلى صراع على المواقع والأشخاص؟

في النهاية، قد لا يكون “السبت الاستثنائي” قد حسم شيئًا في موازين القوى، لكنه كشف حقيقة يصعب تجاهلها: أن العد العكسي لانتخابات 2026 قد بدأ بالفعل، وأن التحالفات لم تعد تُقرأ بمنطق الحكومة القائمة، بل بمنطق الحكومة المقبلة. أما الرسالة الأكثر وضوحًا، فهي أن المغرب يدخل موسمًا انتخابيًا يبدو أكثر سخونة مما كان يتوقعه كثيرون، وأن الصراع الحقيقي لن يكون فقط حول من يفوز بالأغلبية، بل حول من ينجح في احتكار رواية المرحلة، لأن من يربح معركة السرد، كثيرًا ما يقترب خطوة إضافية من ربح معركة الصناديق.