الاستقلال في آخر أمتار السباق.. أين اختفى طموح الصدارة؟

0
57

مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر من يوم الاقتراع، أصبح حزب الاستقلال أمام وضع انتخابي أكثر تعقيداً مما قد توحي به كثافة تحركاته التنظيمية. الحزب قدم برنامجه، حسم جزءاً كبيراً من ترشيحاته، دخل أمينه العام نزار بركة بنفسه المنافسة في دائرة العرائش، ويخوض مرشحوه الحملة في مختلف الدوائر، لكنه لا يحتل في النقاش السياسي والإعلامي المساحة نفسها التي بات يحتلها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ولا حتى تلك التي فرضها العدالة والتنمية من موقع المعارضة.

المسألة لا تتعلق إذن بحزب لم يستعد للانتخابات أو بقي خارج الحملة. الوقائع التنظيمية تقول العكس. لكنها تضع سؤالاً آخر أكثر صعوبة: ماذا فعل الاستقلال بكل هذا الاستعداد كي يتحول إلى حضور سياسي قادر على فرض نفسه في الأيام الأخيرة من المنافسة؟

في 29 غشت الماضي، قدم الحزب برنامجه الانتخابي للفترة 2026-2031 تحت شعار «وطني.. مستقبلي»، في لقاء ترأسه نزار بركة بالمركز العام للحزب في الرباط، بحضور مرشحات ومرشحي الاستقلال. البرنامج وضع الأسرة والقدرة الشرائية والخدمات العمومية ومحاربة الفساد والريع وتعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة ضمن محاوره الأساسية.

وكان ذلك تتويجاً لمسار بدأ قبل أشهر. ففي أبريل أعلن بركة انطلاق عملية تزكية مرشحي الحزب لمجلس النواب بالتوازي مع إعداد البرنامج، قبل أن تظهر في يوليوز قائمة أولية من المرشحين في عدد من الدوائر. وفي نهاية غشت، انتقل الحزب إلى المرحلة العملية للحملة، بعد استكمال جزء مهم من ترتيبات الترشيح وتأطير المرشحين.

ثم جاءت خطوة بركة نفسه. ففي 31 غشت أودع الأمين العام للحزب ترشيحه رسمياً بدائرة العرائش، بما يعني أن قيادة «الميزان» لم تكتف بإدارة الانتخابات من المركز، بل اختارت أن تدخل المنافسة الانتخابية مباشرة، بحثاً عن شرعية صناديق الاقتراع التي ستحدد وزن الحزب وقيادته بعد 23 شتنبر.

لكن الحضور التنظيمي شيء، والقدرة على تحديد أجندة المنافسة شيء آخر.

وهذا الفارق هو الذي جعل صورة الاستقلال تبدو أقل وضوحاً في الأيام الأخيرة. فالأحرار والبام دخلا في مواجهة مفتوحة حول استقطاب المرشحين والمنتخبين، وتحول الخلاف بين شريكي الأغلبية إلى مادة سياسية وإعلامية يومية. أما العدالة والتنمية، الموجود في المعارضة، فوجد في حصيلة الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية مادة جاهزة للهجوم السياسي، وقدم برنامجه في 7 شتنبر بخطاب يضع نفسه في موقع البديل.

الحركة الشعبية بدورها دخلت السباق ببرنامج «التعاقد الحركي» الذي قدمته في 5 شتنبر، متناولة ملفات القدرة الشرائية والتعليم والصحة والتشغيل والفلاحة، فيما ظل أمينها العام محمد أوزين حاضراً في النقاش السياسي والإعلامي، وإن ارتبط جزء من هذا الحضور بسجال آخر مع الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين انتهى في 9 شتنبر بإعلان الجمعية تجاهل أنشطة الحزب وأمينه العام على خلفية تصريحات اعتبرتها مسيئة.

في هذه البيئة الانتخابية، يجد الاستقلال نفسه في موقع مختلف. فهو لا يستطيع أن يتصرف كحزب معارض، لأنه كان أحد مكونات الأغلبية الحكومية خلال الولاية المنتهية. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع أن يخوض الانتخابات باعتباره مجرد مدافع عن الحصيلة الحكومية المشتركة، لأن الناخب لا يصوت للأغلبية ككتلة واحدة، بل يختار حزباً ومرشحين وبرنامجاً.

وهذه واحدة من أصعب المعادلات التي تواجه الحزب.

التجمع الوطني للأحرار يستطيع أن ينسب جزءاً كبيراً من الحصيلة إلى كونه الحزب الذي قاد الحكومة. والأصالة والمعاصرة يستطيع أن يبرز مساهمته الخاصة داخلها، مع تحميل حليفه الأكبر مسؤولية جوانب من التدبير. أما الاستقلال، فموقعه أكثر حساسية: عليه الدفاع عن حصيلة حكومة شارك في تدبيرها، وفي الوقت نفسه أن يقنع الناخب بأن له عرضاً سياسياً مختلفاً وأنه يستحق موقعاً أكبر داخل المشهد المقبل.

وقد بدأ هذا التمايز يظهر في خطاب نزار بركة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالقدرة الشرائية والأسعار والمضاربة، حيث يجمع الحزب بين الدفاع عن الحصيلة الحكومية وتقديم إجراءات يقول إنه سيعمل عليها في حال توليه قيادة الحكومة.

غير أن هذا التمايز لم يتحول، إلى حدود المرحلة الحالية، إلى معركة سياسية خاصة بالاستقلال بالوضوح الذي فرض به الأحرار والبام ثنائية الصدارة والقيادة واستقطاب المنتخبين والمرشحين.

وهنا تعود إلى الواجهة مسألة أخرى: هل يتعلق الأمر بخيار في إدارة الحملة، أم أن وراءه أثراً لما جرى داخل الحزب قبل الوصول إلى هذه المرحلة؟

فالاستقلال لم يصل إلى الحملة الانتخابية من دون توترات. شهدت مرحلة التزكيات والترشيحات تنافساً داخلياً في عدد من الدوائر، وظهرت اعتراضات محلية على بعض الاختيارات، كما غادرت أسماء الحزب نحو منافسين، ومن بينها الخطاط ينجا، رئيس مجلس جهة الداخلة – وادي الذهب، الذي التحق بالأصالة والمعاصرة.

وفي 27 غشت صادقت اللجنة التنفيذية للحزب على مجموعة من المرشحين المحليين والجهويين، بعد مسار من الحسم التدريجي للترشيحات، مؤكدة اعتماد اعتبارات قانونية وأخلاقية وتنظيمية في دراسة الملفات.

وجود هذه الخلافات ثابت، لكن تحويلها إلى تفسير مباشر لضعف الحضور السياسي الحالي يحتاج إلى دليل إضافي. أقصى ما يمكن أن يقال، استناداً إلى المعطيات المتاحة، إن هذا التدافع ربما استهلك جزءاً من الطاقة التنظيمية للحزب وأخذ حيزاً من اهتمامه قبل الحملة، كما يرجح أستاذ العلوم السياسية إسماعيل حمودي، من دون أن يعني ذلك أن الترشيحات وحدها تفسر موقع الاستقلال الحالي.

وتزداد حساسية المسألة عندما نستعيد ما كانت قيادة الحزب تقوله قبل أكثر من عام.

في ماي 2025، كان نزار بركة يتحدث عن رفع مستوى التعبئة وتعزيز جاذبية العرض الاستقلالي بهدف التموقع في صدارة المشهد السياسي. وفي الوقت نفسه، كان حريصاً على عدم تحويل ذلك الطموح إلى سباق انتخابي مبكر يمكن أن يؤثر على تماسك الأغلبية وعمل الحكومة.

الآن انتهت تلك المرحلة. الانتخابات أصبحت أمام الأبواب، والبرنامج معلن، والمرشحون في الميدان، والأمين العام نفسه يخوض المنافسة. ولذلك يعود السؤال القديم بصيغة أكثر مباشرة: هل ما يزال الاستقلال يستهدف صدارة انتخابات 23 شتنبر، وبالتالي أن يكون نزار بركة مرشحاً طبيعياً لرئاسة الحكومة، أم أن الحسابات تغيرت مع اقتراب لحظة الاقتراع؟

لا توجد في المعطيات المتاحة إجابة صريحة من قيادة الحزب على ذلك.

«الصحيفة» تواصلت مع نزار بركة وعبد الجبار الراشدي، رئيس المجلس الوطني للحزب، للحصول على توضيح حول موقع الاستقلال في المنافسة، وما يميزه عن شريكيه في الأغلبية، والنتيجة التي يستهدفها في 23 شتنبر، فضلاً عن طموحاته بشأن قيادة الحكومة المقبلة. وكان هناك تعهد بتقديم جواب من الأمين العام أو رئيس المجلس الوطني، لكن إلى حدود نشر المادة لم يصل أي رد مباشر، لتبقى هذه النقطة معلقة.

ويقرأ إسماعيل حمودي وضع الاستقلال من زاوية أخرى. فهو يرى أن انخفاض مستوى بروزه مقارنة بالأحرار والبام والعدالة والتنمية لا يعني بالضرورة تراجعاً انتخابياً أو تنظيمياً. فمركز الجدل السياسي انتقل خلال الفترة الأخيرة إلى المواجهة بين الأحرار والبام، بينما اختار الاستقلال خطاباً أقل صدامية وأكثر ارتباطاً بالبرنامج والهوية الحزبية.

لكن حمودي يسجل في الوقت نفسه وجود مشكلة في «المبادرة السياسية». فامتلاك الحزب لتنظيم ومرشحين وانتشار وطني لا يكفي وحده لكي يفرض المعركة التي يريد خوضها. الاستقلال، وفق هذه القراءة، لم ينجح بالقدر نفسه في جعل المنافسة تدور حول سؤال سياسي خاص به.

وهذا لا يعني أن العناوين التي يحتلها الحزب أو لا يحتلها يمكن تحويلها مباشرة إلى توقع انتخابي. الحضور الإعلامي ليس هو الصندوق. حزب أقل ظهوراً قد يحصل على نتيجة أفضل من حزب يملأ واجهة الأخبار، كما أن الانتشار التنظيمي لا يتحول تلقائياً إلى أصوات.

لكن الفجوة بين الاثنين تظل ذات أهمية، خصوصاً في انتخابات تعرف عزوفاً انتخابياً وضعفاً في الثقة بالأحزاب. فالحزب الذي يمتلك قاعدة انتخابية ومرشحين في مختلف الدوائر يحتاج أيضاً إلى الوصول إلى الناخب المتردد وإقناعه بأن التصويت له يمثل اختياراً سياسياً واضحاً، وليس فقط استمراراً لموقع تنظيمي قائم.

وحزب الاستقلال يقول عملياً إنه يمتلك هذه المقومات. فهو من الأحزاب التي غطت مختلف الدوائر المحلية والجهوية، وله امتداد تنظيمي وتاريخ انتخابي وقاعدة وفية. لكن السؤال الذي لم تجب عنه الحملة حتى الآن بشكل حاسم يتعلق بقدرته على تحويل هذا الرصيد إلى موقع متقدم في انتخابات 2026.

وفي الوقت الذي تتداول فيه الساحة السياسية أسماء عدة لرئاسة الحكومة المقبلة، من فوزي لقجع وفاطمة الزهراء المنصوري والمهدي بنسعيد من الأصالة والمعاصرة، إلى عزيز أخنوش ومحمد شوكي من الأحرار، وصولاً إلى احتمال عودة اسم من العدالة والتنمية إذا تصدر المشهد، بما في ذلك عبد الإله بن كيران، يظل اسم نزار بركة مرتبطاً بنتيجة حزبه أكثر من ارتباطه بالضجيج السياسي المحيط بالانتخابات.

فالاستقلال يدخل الأيام الأخيرة وهو يحمل برنامجاً واضحاً، ومرشحين، وقيادة حاضرة في الميدان، وطموحاً سبق أن أعلنت عنه قيادة الحزب. وفي المقابل، لا تزال هناك أسئلة حول موقعه في المنافسة، وحول قدرته على فرض أجندته السياسية، وحول السقف الحقيقي للنتيجة التي يريدها.

الجواب لن يأتي من كثافة الأنشطة وحدها، ولا من عدد العناوين التي يحصل عليها الحزب، ولا من مكانته التاريخية.

سيأتي من عدد الأصوات والمقاعد في 23 شتنبر. عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كان هدوء الاستقلال في هذه المرحلة يعكس أسلوباً مختلفاً في إدارة المعركة، أم أنه أخفى وراءه صعوبة أكبر في تحويل رصيده التنظيمي وطموحه السياسي إلى صدارة انتخابية.