لم يكتفِ حزب الأصالة والمعاصرة بإعلان برنامج انتخابي جديد. في تقديم برنامجه التشريعي لانتخابات 23 شتنبر، اختار عبارة ثقيلة سياسياً: «تغيير المسار». واللافت أن هذا التغيير لا يبدأ فقط من اقتراحات جديدة، بل من إعادة توصيف المرحلة التي كان الحزب نفسه جزءاً من صناعتها.
البرنامج الذي قُدم في الرباط يوم فاتح شتنبر يضع «ميثاق القدرة الشرائية» في واجهة العرض، ويقترح خمس حزم كبرى: خفض أسعار المواد الأساسية، مجانية فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم، تخفيف الضريبة على الأجور، رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً إلى 1000 درهم. كما يربط جزءاً من أزمة الأسعار باختلالات في سلاسل التوزيع والتصدير والوساطة والاحتكار.
هذه ليست مجرد وعود اجتماعية انتخابية. إنها، في جانب منها، مراجعة ضمنية للرواية التي دافعت بها الأغلبية عن حصيلتها خلال السنوات الماضية.
فحين يقول «البام» اليوم إن السوق تعرف اختلالات، وإن هناك تضارباً في المصالح، وإن سلاسل التسويق تسمح للوسطاء بالاستحواذ على جزء كبير من السعر، وإن الأسعار أرهقت الأسر، فإنه يقترب، ولو بلغة انتخابية، من كثير من الانتقادات التي ظلت تُوجه إلى الحكومة من خارجها.
المفارقة أن «البام» لم يكن خارج الحكومة.
من الحزب المعارض إلى الحزب الذي يراجع الحكومة من داخلها
منذ حكومة 2021، كان الأصالة والمعاصرة أحد مكونات التحالف الحكومي إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، وحصل على عدد مهم من الحقائب الوزارية. وفي النسخة الأولى من الحكومة، تولى وزراؤه قطاعات من بينها العدل، إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، الإدماج الاقتصادي والشغل، التعليم العالي، الانتقال الطاقي، الشباب والثقافة والتواصل، إضافة إلى حقائب أخرى.
وبالتالي، فإن الحزب لا يقدم نفسه اليوم كقوة سياسية تكتشف مشاكل الحكومة من مقاعد المعارضة.
إنه يتحدث من داخل التجربة نفسها.
وهذه نقطة لا ينبغي القفز عليها.
فالبرنامج الجديد يقول إن السوق تحتاج إلى إعادة تنظيم، وإن تصدير المنتجات الفلاحية يجب أن يخضع لأولويات السوق الوطنية، ويقترح شركات جهوية للتوزيع الفلاحي، ومنصات متعددة الخدمات، ومرافق تبريد عمومية للصيد، وربط الدعم الفلاحي بحاجيات السوق الداخلية، وإعادة تنظيم أسواق اللحوم، وتشديد محاربة الوساطة الطفيلية.
كل ذلك يعني، عملياً، أن الحزب يرى أن آليات التدخل العمومي التي كانت قائمة لم تكن كافية لضبط العلاقة بين الإنتاج والسوق والمستهلك.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً من مجرد سؤال حول الوعود: إذا كانت هذه الاختلالات موجودة إلى هذا الحد، فمتى أصبح «البام» مقتنعاً بأنها تستوجب تغيير المسار؟
«السوداوية» تعود من الباب الانتخابي
هذه هي أكثر النقاط السياسية حساسية.
خلال السنوات الماضية، كان خطاب الانتقاد الحاد للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يُواجه أحياناً باتهامات من قبيل «السوداوية» و«العدمية»، وهي مفردات لم تكن حكراً على رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بل حضرت في الخطاب السياسي لعدد من مكونات الأغلبية.
أما اليوم، فقد دخل جزء من ذلك الخطاب إلى وثيقة انتخابية رسمية لحزب حكومي سابق وحالي في الوقت نفسه.
ارتفاع الأسعار لم يعد مجرد انطباع.
القدرة الشرائية لم تعد قضية يضخمها المنتقدون.
اختلالات السوق لم تعد مجرد رواية صادرة عن المعارضة.
والحديث عن تضارب المصالح لم يعد خارج القاموس السياسي للحزب.
بل صار جزءاً من البرنامج الذي يريد به «البام» أن يقنع الناخب بأن هناك حاجة إلى «تغيير المسار». وقد أكدت القيادة الجماعية للحزب أن الاستحقاق المقبل يأتي في سياق «غير مريح»، وأن استعادة الثقة تتطلب مواجهة الحقيقة بدل تجميل الواقع.
المفارقة هنا ليست في أن حزباً سياسياً يغير مواقفه؛ فالسياسة بطبيعتها تسمح بالمراجعة.
المشكلة تبدأ عندما لا يشرح الحزب بوضوح أين تنتهي مسؤوليته عن المرحلة السابقة وأين تبدأ مسؤوليته عن المرحلة المقبلة.
البرنامج يعترف بالمشكلة… لكنه لا يفتح بالكامل دفتر المسؤولية
في الجانب الاقتصادي، تبدو بعض مقترحات «البام» جريئة انتخابياً.
ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي، منصات حديثة لأسواق الجملة، وحدات تبريد للصيد، تنظيم الصادرات، ربط الدعم الفلاحي بالسوق الداخلية، إعادة هيكلة مسلك اللحوم، وآلية لمحاربة الوسطاء غير المنتجين.
وفي الجانب الاجتماعي، يرفع الحزب السقف أكثر: إعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة، اعتماد ثلاثة أشطر ضريبية بسقف هامشي يبلغ 20 في المائة، رفع المعاشات إلى 3000 درهم، رفع معاش الأرملة إلى كامل معاش الزوج المتوفى، ومضاعفة الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً.
لكن كل وعد من هذه الوعود يفتح سؤال التمويل والتنفيذ.
كم ستكلف مجانية فواتير الكهرباء؟
ما حجم الكلفة السنوية لرفع المعاشات إلى 3000 درهم عبر مختلف أنظمة التقاعد؟
ما أثر الإعفاء الضريبي المقترح على موارد الدولة؟
ومن أين سيمول رفع الدعم الاجتماعي من 500 إلى 1000 درهم؟
وهل تستطيع الدولة فعلاً إعادة تنظيم سلاسل توزيع شديدة التعقيد بقرار إداري أو بإنشاء شركات عمومية جهوية؟
هذه ليست اعتراضات على البرنامج، بل هي الاختبار الطبيعي لأي برنامج يريد الانتقال من لغة الحملة إلى لغة الحكومة.
والحزب يعرف ذلك، ولذلك فإن قيمة برنامجه لن تحددها جاذبية الأرقام وحدها، بل قدرته على تقديم حساب سياسي ومالي أكثر وضوحاً لهذه الوعود.
اللافت أن «البام» لا يهدم كل ما سبق
وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً.
فالبرنامج لا يقدم المرحلة السابقة باعتبارها فشلاً كاملاً. بل يعترف، مثلاً، بالمكاسب التي تحققت في ورش الدعم الاجتماعي المباشر، لكنه يقترح تغيير طريقة الاستهداف ورفع الحد الأدنى للدعم. كما يعتبر برنامج إعادة بناء القطيع الوطني، الذي خصصت له الدولة اعتمادات كبيرة خلال 2025 و2026، مكسباً استراتيجياً ينبغي مواصلة تنفيذه.
إذن نحن أمام مراجعة انتقائية أكثر من كونها قطيعة.
الحزب لا يقول إن كل شيء كان خطأ.
ولا يستطيع، سياسياً، أن يقول ذلك، لأنه كان جزءاً من الأغلبية ومن صناعة عدد من السياسات العمومية.
لذلك يختار صيغة أكثر ذكاءً انتخابياً: الاعتراف بوجود اختلالات، اقتراح إصلاحات، والتقدم إلى الناخب باعتباره القوة القادرة على تصحيح المسار.
لكن تبقى المساحة الرمادية: من يتحمل مسؤولية المسار الذي يُراد تغييره؟
الانتخابات ستختبر أكثر من الوعود
هنا تحديداً يكتسب برنامج «البام» أهميته السياسية.
فالانتخابات المقبلة لن تختبر فقط قدرة الحزب على إقناع المغاربة بأن أسعار الطماطم والبطاطس واللحوم يمكن أن تنخفض، أو أن فاتورة كهرباء صغيرة يمكن أن تصبح مجانية، أو أن المعاشات يمكن أن تصل إلى 3000 درهم.
ستختبر أيضاً قدرة الحزب على الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة:
ماذا فعل حين كان في موقع القرار، ولماذا لم يفعل ما يقترحه اليوم؟
هذا السؤال لا يعني رفض البرنامج مسبقاً. بالعكس، قد تكون بعض مقترحاته جديرة بالنقاش الجدي. لكنه يمنع تحويل الانتخابات إلى مسابقة وعود منفصلة عن الذاكرة السياسية.
فالناخب لا يصوت على وثيقة فقط؛ يصوت أيضاً على تجربة.
ومن الصعب أن يطلب من المواطن أن ينسى السنوات التي سبقت البرنامج الجديد لمجرد أن اللغة الانتخابية تغيرت.
من «السوداوية» إلى «تغيير المسار»
ربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الخطاب الذي كان يُدفع أحياناً إلى هامش النقاش باعتباره متشائماً، عاد اليوم إلى قلب الخطاب الانتخابي.
الفارق أن المواطن لم يتغير.
الأسعار لم تتغير في ليلة تقديم البرنامج.
والأسئلة التي كانت تطرحها الأسر حول الدخل والغلاء والوساطة والعدالة الاجتماعية لم تولد في شتنبر 2026.
الذي تغير هو موقع المتحدث.
حين كان الحزب داخل الحكومة، كان عليه الدفاع عن حصيلتها وعن اختيارات الأغلبية. وحين دخل زمن الانتخابات، أصبح عليه أن يقدم نفسه باعتباره قوة قادرة على مراجعة ما لم يعد مقنعاً.
وهذا حق سياسي مشروع.
لكن «تغيير المسار» سيكون أكثر إقناعاً إذا رافقه أيضاً تغيير في طريقة النظر إلى المسؤولية السياسية.
فالمراجعة الحقيقية لا تعني فقط اكتشاف أخطاء المرحلة السابقة، وإنما الاعتراف بما كان للحزب نفسه من دور فيها، ثم شرح ما الذي سيفعله بصورة مختلفة هذه المرة.
عندها فقط لن يكون البرنامج مجرد إعادة صياغة للانتقادات القديمة بلغة انتخابية جديدة.
وسيكون «تغيير المسار» فعلاً تغييراً، لا مجرد تغيير في الرواية التي تُروى بها الحصيلة.