الانتخابات النصفية الأمريكية تضغط على حسابات المغرب: لماذا تتحرك الرباط قبل نوفمبر؟

0
112

لم يكن إعلان المغرب وإسرائيل، في نيويورك يوم 16 شتنبر، رفع تمثيلهما الدبلوماسي إلى مستوى السفارات حدثاً معزولاً عن الحركة الدبلوماسية الأمريكية في تلك الأيام. الاتفاق أُعلن بحضور وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، وبرعاية السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، وتضمن إلى جانب رفع التمثيل الدبلوماسي خطوات تتصل بالرحلات الجوية والتعاون الاقتصادي والاستثماري. كما أعاد الإعلان تثبيت الدور الأمريكي في دفع العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مرحلة جديدة بعد سنوات من تطبيع العلاقات في إطار اتفاقات أبراهام.

اللافت في الأمر ليس فقط مضمون الاتفاق، وإنما توقيته. فالولايات المتحدة تتجه إلى انتخابات منتصف الولاية في 3 نونبر، وبعدها لن تبقى تركيبة الكونغرس الحالية كما هي بالضرورة. والملف المغربي، خصوصاً قضية الصحراء، لا يمر في واشنطن من بوابة البيت الأبيض وحدها؛ فجزء مهم من العلاقات الثنائية يرتبط أيضاً بالكونغرس، وباللجان التي تتحكم في التشريع والاعتمادات والدفاع والسياسة الخارجية.

لهذا تبدو الأشهر القليلة المقبلة بالنسبة إلى الرباط فترة تثبيت، أكثر منها فترة انتظار.

الكونغرس الحالي لا يزال في يد الجمهوريين، لكن الفارق في مجلس النواب ضيق إلى درجة تجعل بضعة مقاعد كافية لتغيير ميزان القوة. وكانت التركيبة الرسمية في النصف الأول من السنة قد أظهرت 217 جمهورياً مقابل 212 ديمقراطياً ومستقل واحد وخمس شواغر، قبل أن تتغير بعض المقاعد نتيجة الانتخابات الخاصة، فيما ظل هامش الأغلبية ضيقاً للغاية. وتُظهر بيانات مجلس النواب الحالية استمرار وجود شواغر، من بينها مقعد تكساس 23 ومقعد فلوريدا 20، بينما دخل أعضاء جدد إلى المجلس خلال السنة.

في مجلس الشيوخ، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من حيث العدد، إذ يملك الجمهوريون 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين الذين يصوتون مع الكتلة الديمقراطية. لكن الانتخابات المقبلة ستجدد 35 مقعداً من أصل 100، ولذلك فإن انتقال عدد محدود من المقاعد يمكن أن يعيد رسم الخريطة التشريعية الأمريكية خلال العامين الأخيرين من ولاية دونالد ترامب الحالية.

المشكلة بالنسبة إلى البيت الأبيض ليست فقط في احتمال تغير الأغلبية، بل في أن أي إدارة أمريكية تحتاج إلى الكونغرس في ملفات تتجاوز إصدار القوانين بالمعنى الضيق: الموازنات، الاعتمادات الدفاعية، بعض التعيينات، الرقابة، والتشريعات التي تمس ملفات السياسة الخارجية والأمن.

والمغرب يعرف هذه القاعدة جيداً.

ملف الصحراء لم يعد بالنسبة إلى الرباط ملفاً دبلوماسياً منفصلاً عن شبكة العلاقات الأمريكية المغربية. واشنطن اعترفت في نهاية الولاية الأولى لترامب بسيادة المغرب على الصحراء، ومنذ ذلك التاريخ تحولت هذه المسألة إلى أحد أهم مكونات العلاقة السياسية بين البلدين. وفي المقابل، فإن استمرار هذا الزخم داخل المؤسسات الأمريكية لا يتوقف فقط على موقف الرئيس الموجود في البيت الأبيض.

لهذا السبب تكتسب الانتخابات النصفية أهمية خاصة في الحسابات المغربية.

المؤكد أن الكونغرس يشهد تحركات وتشريعات تتصل بالمغرب والصحراء، كما أن هناك تاريخاً من القرارات والمبادرات البرلمانية التي دعمت الموقف المغربي وانتقدت جبهة البوليساريو. لكن اختزال هذا المسار في الحزب الجمهوري وحده سيكون قراءة ناقصة. فالانتخابات الحالية نفسها تكشف أن الحزب الديمقراطي الذي يمكن أن يستعيد إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما يمر بتحول داخلي واضح، وقد تغيرت طبيعة بعض المرشحين الذين سيصلون إلى واشنطن في يناير 2027 إذا فازوا بمقاعدهم.

في نيويورك مثلاً، أصبح زهران ممداني، منذ يناير 2026، عمدة للمدينة وأحد أبرز الوجوه التي تعرّف نفسها صراحة بالاشتراكية الديمقراطية داخل الحزب الديمقراطي. وقد استخدم نفوذه في الانتخابات التمهيدية لدعم مرشحين تقدميين، ونجح عدد منهم في إزاحة شخصيات ديمقراطية تقليدية.

وفي ميشيغن، كانت المفاجأة أكبر على مستوى مجلس الشيوخ. عبدول السيد، الذي ينتمي إلى التيار التقدمي ويحظى بدعم شخصيات اشتراكية ديمقراطية مثل بيرني ساندرز، فاز بالانتخابات التمهيدية الديمقراطية وأصبح مرشح الحزب لمقعد مجلس الشيوخ. لكنه ليس، بحسب مصادر أمريكية، «اشتراكياً ديمقراطياً» بالمعنى التنظيمي أو التعريفي الدقيق؛ بل إن بعض التقارير تضعه في خانة اليسار التقدمي داخل الحزب، مع مواقف سياسية قريبة من هذا التيار.

هذه التفاصيل مهمة بالنسبة إلى المغرب لأن التحول داخل الحزب الديمقراطي لا يتعلق فقط بتغيير أسماء في الكونغرس. بعض المرشحين الجدد يحملون مواقف أكثر تشدداً في قضايا الشرق الأوسط وإسرائيل، فيما أصبحت الحرب في المنطقة عاملاً مؤثراً في الانتخابات التمهيدية والنقاش داخل الحزب.

السيد نفسه دخل السباق في ميشيغن بعد حملة أولية صعبة، وأصبح الآن في مواجهة الجمهوري مايك روجرز. وأظهر استطلاع واشنطن بوست/جامعة جورج ميسون في 17 شتنبر تقدمه بثلاث نقاط، 48 في المائة مقابل 45 في المائة، وهي نتيجة تقع داخل هامش الخطأ البالغ 3.9 نقاط؛ أي أنها تقيس سباقاً متقارباً ولا تسمح باستخلاص نتيجة نهائية.

وعلى مستوى مجلس النواب، تبدو المؤشرات الوطنية أكثر وضوحاً في اتجاه واحد، لكنها لا تعني تلقائياً انتقال الأغلبية.

متوسط Silver Bulletin المنشور في 16 شتنبر وضع الديمقراطيين متقدمين بـ7.5 نقاط في التصويت العام للكونغرس، وارتفع الفارق إلى 8.2 نقاط بعد تعديل النموذج وفق الناخبين المرجح مشاركتهم. هذه أرقام تخص التصويت العام وليست توقعاً مباشراً لعدد المقاعد.

وفي الدوائر الأكثر تنافسية، يتقلص الفارق بصورة ملحوظة. استطلاع Cook Political Report، الذي شمل 1052 ناخباً مرجحاً في 37 دائرة تنافسية بين 8 و11 شتنبر، أعطى الديمقراطيين 49 في المائة مقابل 47 في المائة للجمهوريين. وهذه الدوائر تحديداً أكثر أهمية من الرقم الوطني، لأنها الأقرب إلى تحديد من يملك الأغلبية في مجلس النواب.

الانتقال من رقم إلى آخر يوضح لماذا يصعب التعامل مع انتخابات نوفمبر باعتبارها محسومة. التصويت الوطني يعطي الديمقراطيين هامشاً أكبر، لكن توزيع الناخبين داخل الدوائر يجعل تحويل هذا التفوق إلى مقاعد عملية مختلفة. وفي مجلس الشيوخ تصبح الحسابات أكثر تعقيداً، لأن الانتخابات تجري على مستوى الولايات، وليس على مستوى الدوائر النيابية.

المغرب لا يستطيع، عملياً، انتظار معرفة شكل الكونغرس الجديد ثم بناء علاقاته معه من الصفر.

هذه هي النقطة التي تجعل التحرك الدبلوماسي الحالي قابلاً للقراءة ضمن حساب أوسع، حتى من دون افتراض وجود صفقة سرية لا تثبتها الوثائق المنشورة. فرفع العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى السفارات، الذي تم الإعلان عنه في نيويورك تحت مظلة أمريكية، يوسع شبكة المصالح التي تربط الرباط بواشنطن وتل أبيب في وقت تستعد فيه المنطقة والولايات المتحدة معاً لمرحلة سياسية جديدة. الإعلان نفسه تحدث عن استئناف وتوسيع الرحلات الجوية، واتفاقات اقتصادية، وزيارات رفيعة المستوى، فيما أكدت واشنطن استمرار التزامها بإطار اتفاقات أبراهام.

أما ما يتردد عن ربط هذه الترتيبات مباشرة بقرار مجلس الأمن المقبل حول الصحراء أو بصفقات دفاعية، فيحتاج إلى التعامل معه بدرجة أعلى من التحفظ. بعض التقارير المغربية تحدثت عن اتصالات وترتيبات أوسع شملت واشنطن وقضايا الصحراء والدفاع، لكن النص المنشور للبيان الثلاثي لا يتضمن هذه التفاصيل.

المعطى الأكثر صلابة يبقى أن قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء يأتي في أكتوبر، بينما تدخل الولايات المتحدة بعدها مباشرة في الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية النصفية. وفي 3 نونبر سيصوت الأمريكيون على جميع مقاعد مجلس النواب الـ435 وعلى 35 مقعداً في مجلس الشيوخ، على أن يبدأ الكونغرس الجديد ولايته في يناير 2027.

لهذا تبدو الحركة المغربية الحالية مفهومة أكثر باعتبارها محاولة للاستفادة من الوضع القائم قبل أن يتغير، لا باعتبارها رهانا معلناً على نتيجة انتخابية بعينها. فالبيت الأبيض جمهوري اليوم، لكن الكونغرس الذي سيعمل معه ترامب خلال 2027 قد يكون مختلفاً. والحزب الديمقراطي نفسه لا يدخل هذه الانتخابات بالوجوه والمواقف التي كانت مألوفة قبل سنوات.

بالنسبة إلى الرباط، المسألة لا تختزل في معرفة من سيربح في نوفمبر. المسألة الأهم هي ألا تتحول المصالح التي بُنيت خلال السنوات الأخيرة داخل واشنطن إلى رهينة لتغير واحد في موازين المقاعد. وهذا يفسر لماذا تصبح الفترة الممتدة من إعلان نيويورك إلى جلسة مجلس الأمن ثم الانتخابات النصفية أكثر حساسية من مجرد تزامن في الروزنامة الدبلوماسية والانتخابية.