انتخابات 23 شتنبر.. عبد الرحيم الرماح يضع المجتمع كله أمام مسؤولية الاختيار

0
104

حين يكتب الأستاذ عبد الرحيم الرماح عن انتخابات 23 شتنبر 2026، فإنه لا يتعامل معها باعتبارها مجرد موعد للتنافس بين الأحزاب على مقاعد مجلس النواب. في مقاله المعنون «مسؤولية الجميع في انتخابات 23 شتنبر 2026»، يذهب النقاش إلى مكان آخر: من يتحمل مسؤولية أن تكون الانتخابات فعلاً مدخلاً إلى مؤسسات أكثر مصداقية؟

الرماح ينطلق من قاعدة واضحة في مقاله: لا يمكن لأي بلد أن يسير بصورة طبيعية من دون نهج ديمقراطي ومؤسسات تمثيلية، وفي مقدمتها البرلمان المنتخب في إطار من الوضوح والشفافية. ويستحضر في هذا السياق المكانة التي منحها دستور فاتح يوليوز 2011 لمجلس النواب.

لكن اللافت في طرحه أنه لا يتوقف عند المؤسسة.

فبعد أن سبق له أن كتب عن التعبئة الوطنية من أجل نزاهة الانتخابات وتعزيز الثقة في المؤسسات، ثم قدم عشر ملاحظات واقتراحات حول انتخابات مجلس النواب، يعود هذه المرة ليضع المسؤولية في صيغة أوسع: الانتخابات ليست شأناً حزبياً خالصاً، ولا مهمة الدولة وحدها، ولا مناسبة يذهب فيها المواطن إلى صندوق الاقتراع ثم تنتهي علاقته بالعملية السياسية.

هذه النقطة تحديداً تستحق التوقف.

فالرماح يربط الاختيار الانتخابي بتقييم ما أنجزه مجلس النواب منذ انتخابه سنة 2021، وبما قامت به الحكومة خلال الفترة نفسها، ثم بما تعرضه الأحزاب من برامج للمرحلة المقبلة إلى سنة 2031. بمعنى آخر، هو يقترح على الناخب أن ينظر إلى الانتخابات باعتبارها عملية محاسبة واختيار للمستقبل في الوقت نفسه.

وهذا يغيّر طبيعة السؤال.

المطلوب، وفق منطقه، ليس فقط: من نحب؟ أو إلى أي حزب ننتمي؟ وإنما: ماذا فعل من كان في موقع المسؤولية؟ وماذا يقترح من يريد الوصول إليها؟ ومن هو المرشح الذي يمكن الوثوق في قدرته ونزاهته لتنفيذ ما يقوله؟

في هذا المستوى، يتحول التصويت من انتماء عاطفي إلى ممارسة للمواطنة.

لكن الرماح يقترب من نقطة أكثر حساسية عندما يتحدث عن العزوف. فهو يقول إن هناك، حسب ما يبدو له، عزوفاً كبيراً وسط المواطنين، ويرى أن استمرار ذلك ستكون له نتائج سلبية، أياً كانت أسبابه.

المعطيات الرسمية تؤكد أن الانتخابات أصبحت الآن أمام واقع تنافسي واسع: 395 مقعداً، وآلاف المرشحين واللوائح، فيما أعلنت المعطيات الرسمية تقديم 1850 لائحة ترشيح وطنياً.

لكن كثرة المرشحين لا تجيب وحدها عن السؤال الذي يهم الرماح: كم مواطناً سيشعر أن صوته يستحق أن يذهب إلى صندوق الاقتراع؟

وهنا يبدو أن مقاله يتجاوز الحديث التقليدي عن «المشاركة» إلى محاولة تحميل المجتمع نفسه جزءاً من مسؤولية إعادة بناء الثقة.

فهو لا يحصر التعبئة في الأحزاب، وإنما يستدعي الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين الجادين والنقابات والجمعيات الحقوقية والمجتمع المدني والمحامين والأطباء والمهندسين ورجال التعليم والصحة والموظفين والعمال والمهنيين والتجار والفلاحين وسائر المواطنين.

هذه القائمة الطويلة ليست مجرد تعداد للفئات الاجتماعية.

الرماح يريد أن يقول إن الانتخابات، إذا كانت ستحدد شكل المؤسسات السياسية للسنوات المقبلة، فإن المجتمع الذي سينتظر من تلك المؤسسات معالجة مشكلات التشغيل والتعليم والصحة والاستثمار والفوارق الاجتماعية والتنمية الترابية لا يستطيع أن يتعامل معها كأنها شأن يخص الأحزاب وحدها.

فالاقتصاد والتنمية لا ينفصلان عن نوعية المؤسسة التي تصنع القرار وتراقب الحكومة وتشرّع القوانين. والسياسات الاجتماعية لا تنزل من فراغ؛ تحتاج إلى برلمان وحكومة وأحزاب قادرة على إنتاج الاختيارات ومحاسبة أصحاب القرار.

ومن هنا تصبح دعوة الرماح إلى المشاركة مرتبطة، بصورة غير مباشرة، بأسئلة التنمية نفسها.

أي برلمان نريد للمرحلة الممتدة إلى 2031؟
وأي كفاءات ينبغي أن تصل إليه؟
وهل تستطيع الأحزاب أن تقنع المواطن بأن مرشحيها ليسوا فقط قادرين على الفوز، وإنما قادرون على ممارسة التشريع والرقابة والدفاع عن مصالح دوائرهم والبلاد ككل؟

الرماح يذهب أبعد من ذلك حين يطلب مساندة المرشحين الذين تتوفر فيهم النزاهة والمصداقية والكفاءة، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.

وهذه ربما إحدى أكثر أفكار مقاله قابلية للنقاش.

فهو لا يدعو المواطن إلى إلغاء الأحزاب، ولا يقول إن الانتماء السياسي بلا قيمة. لكنه يقترح أن تكون شخصية المرشح وأخلاقه وكفاءته جزءاً أساسياً من قرار التصويت، وأن يُنظر إلى الحزب أيضاً من خلال نوعية الأشخاص الذين يقدمهم للمواطنين.

هنا تظهر مسؤولية الأحزاب بوضوح.

إذا كان الحزب يطلب من الناخب أن يمنحه صوته، فعليه أن يقبل في المقابل أن يُحاكم المواطن مرشحيه على أساس النزاهة والكفاءة والقدرة، لا فقط على أساس الانتماء التنظيمي أو قوة الشبكات الانتخابية.

والرماح يضع إصبعه على الجرح الأكثر حساسية عندما يتحدث صراحة عن شراء الأصوات، وعن ضرورة مقاومة المرشحين الفاسدين وعدم التصويت لهم بدعوى الانضباط الحزبي أو التعصب القبلي أو الأسري.

هذه ليست مسألة تقنية في نظره.

إنها معركة على معنى الصوت نفسه.

فالمال الانتخابي، حين يتحول إلى وسيلة لشراء الاختيار، لا يغير فقط نتيجة دائرة انتخابية. إنه يغير العلاقة بين المواطن والمؤسسة. المواطن الذي يبيع صوته قد يحصل على مقابل لحظي، لكن المؤسسة التي تنتج عن هذه العملية مطالبة لاحقاً باتخاذ قرارات تمتد آثارها لسنوات.

وهنا تبرز المفارقة التي يتركها مقال الرماح للقارئ من دون أن يحتاج إلى تسميتها: كيف يمكن لمجتمع أن يطالب بمؤسسات قوية ونزيهة إذا كان جزء منه يقبل، لحظة التصويت، بمنطق المال أو القرابة أو العصبية بدل الكفاءة؟

الرماح لا يقترح على المواطن أن يكون متفرجاً على العملية. بل يذهب إلى مفهوم أوسع للمشاركة، حين يدعو كل شخص إلى استعمال علاقاته المهنية والاجتماعية والمجالية، ووسائل الإعلام والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، من أجل التعريف بالمرشحين الذين يراهم جديرين بالثقة.

وهنا أيضاً تبرز مسؤولية الإعلام.

ليس المقصود أن يتحول الصحافي إلى داعم لمرشح، ولا أن تتحول وسائل التواصل إلى ماكينة انتخابية غير منضبطة. المقصود، في جوهر الفكرة، أن يكون المجتمع قادراً على إنتاج نقاش حول من يستحق الثقة ولماذا.

وهذا يفتح سؤالاً مهماً أمام الإعلام المغربي: هل يستطيع أن ينتقل خلال الحملة الانتخابية من تغطية تحركات المرشحين وتصريحاتهم إلى مساءلتهم عن حصيلتهم، وبرامجهم، ومصادر وعودهم، وقدرتهم الفعلية على تنفيذ ما يقدمونه؟

السؤال نفسه يمكن توجيهه إلى المواطن.

حين يقرأ برنامجاً انتخابياً يمتد إلى سنة 2031، ما الذي يجعله يصدقه؟ هل يكفي أن يكون الوعد جذاباً؟ أم أن المطلوب معرفة كلفته، وآليات تمويله، والجهة التي ستنفذه، والمدة التي يحتاجها، وماذا تحقق فعلاً من وعود سابقة؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها مقال الرماح بصورة تفصيلية، لكنه يفتح بابها بوضوح.

والمهم في طرحه أنه لا يضع المسؤولية كلها على الدولة أو الأحزاب. فهو يرى أن رفع المشاركة ومحاربة شراء الأصوات وتقوية حضور المرشحين النزيهين يتطلب عملاً من مواقع متعددة داخل المجتمع.

والنتيجة التي يتصورها من ذلك واضحة: تقوية الثقة في مجلس النواب، وتهيئة شروط قيام معارضة قوية وحكومة قوية، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي.

وهنا يصبح الحديث عن المشاركة أكبر من مجرد رفع رقم في نسبة التصويت.

إنه سؤال حول نوعية المؤسسات التي ستخرج من صناديق الاقتراع.

فالبرلمان المقبل لن يكون معزولاً عن الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي ستواجه المغرب خلال السنوات القادمة: التشغيل، التعليم، الصحة، الاستثمار، القدرة الشرائية، العدالة المجالية، التحولات الديمغرافية، وتغير طبيعة سوق العمل. وكل هذه الملفات تحتاج إلى مؤسسات تستطيع التشريع والمراقبة والمساءلة، وإلى أحزاب قادرة على تقديم بدائل يمكن قياسها ومحاسبتها.

لهذا فإن أهم ما يطرحه الرماح ربما لا يوجد في دعوته إلى التصويت وحدها، وإنما في السؤال الذي يسبق التصويت: ماذا نريد أن ننتخب؟

مرشحاً يستطيع الفوز فقط؟

أم نائباً يستطيع أن يمارس دوره؟

حزباً يستطيع تشكيل الحكومة؟

أم حزباً يملك برنامجاً يمكن مساءلته عليه؟

ومعارضة تكتفي بالاعتراض؟

أم معارضة قادرة على تقديم البديل؟

من هذه الزاوية، تتحول «مسؤولية الجميع» التي اختارها الرماح عنواناً لمقاله من دعوة أخلاقية إلى اختبار سياسي حقيقي. فالمواطن مسؤول عن اختياره، والحزب مسؤول عن مرشحيه، والمرشح مسؤول عن ماضيه ووعوده، والإعلام مسؤول عن طريقة مساءلته، والمجتمع المدني مسؤول عن مراقبة المسار، والمؤسسات مطالبة بضمان شروط النزاهة والشفافية.

أما ما ستكشفه صناديق الاقتراع في 23 شتنبر، فلا يمكن الجزم به مسبقاً.

لكن مقال عبد الرحيم الرماح يضع أمام النقاش سؤالاً يستحق أن يبقى حاضراً إلى آخر يوم من الحملة: هل سنذهب إلى الانتخابات لاختيار من يمثلنا فقط، أم سنذهب أيضاً لتحمل مسؤولية نوع السياسة التي نريدها للسنوات الخمس المقبلة؟