البكالوريا تحت الحصار الرقمي: عندما تهزم مجموعات “تلغرام” التكنولوجيا وتكشف أزمة الاستحقاق في المدرسة المغربية

0
126

في كل سنة، ومع اقتراب موسم امتحانات البكالوريا، يتكرر المشهد ذاته وكأن الزمن يدور في حلقة مغلقة. تخرج وزارة التربية الوطنية بخطط جديدة، وتعلن عن إجراءات أكثر صرامة، وتقدم للرأي العام منظومات تقنية متطورة قادرة ــ بحسب الخطاب الرسمي ــ على سد منافذ الغش والتسريب. لكن ما إن تُفتح أبواب مراكز الامتحان وتُوزع أوراق الاختبار حتى تنطلق على الجانب الآخر معركة موازية داخل الهواتف الذكية ومجموعات التواصل المغلقة، حيث تتحول الأسئلة والأجوبة إلى مادة متداولة بسرعة تفوق أحياناً سرعة انتقالها بين الطاولات داخل قاعات الامتحان نفسها.

هذا العام لم يكن استثناءً. فقد دخل نظام “T3 Shield” دائرة الضوء باعتباره أحد أبرز رهانات وزارة التربية الوطنية في مواجهة الغش الإلكتروني. المنظومة، التي جرى تقديمها باعتبارها نقلة تقنية نوعية، تعتمد على تتبع الموجات الراديوية ورصد الإشارات الصادرة عن أجهزة الاتصال المختلفة، بما فيها الأجهزة التي لا تحتاج إلى الارتباط المباشر بالإنترنت. غير أن الساعات الأولى من الامتحان الجهوي الموحد للسنة الأولى باكالوريا أعادت النقاش إلى نقطة الصفر، بعدما انتشرت صور ونسخ من مواضيع الامتحانات داخل مجموعات على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيق “تلغرام”، ما أثار تساؤلات واسعة حول مدى قدرة التكنولوجيا وحدها على حسم معركة تبدو أكثر تعقيداً من مجرد رصد إشارات إلكترونية.

المسألة في حقيقتها لا تتعلق فقط بوجود تسريب أو عدمه، بل تكشف عن سباق مستمر بين أنظمة المراقبة وأساليب التحايل. فكلما استثمرت المؤسسات التعليمية في وسائل تقنية جديدة، ظهرت في المقابل طرق أكثر تطوراً للالتفاف عليها. إنها معركة تشبه إلى حد بعيد سباق التسلح الرقمي؛ طرف يسعى إلى بناء جدار أكثر صلابة، وطرف آخر يبحث باستمرار عن ثغرة جديدة للعبور. وبين الجدار والثغرة، يبقى الامتحان الوطني ساحة مفتوحة لهذا الصراع المتجدد.

المثير في ما جرى ليس فقط تداول مضامين اختبار اللغة الفرنسية الخاص بالشعب العلمية والاقتصادية خلال الدقائق الأولى من انطلاق الامتحان، بل السرعة التي انتشرت بها هذه المضامين عبر فضاءات رقمية متخصصة في التسريبات. فالأمر لم يعد يتعلق بمبادرات فردية معزولة كما كان يحدث في سنوات سابقة، بل أصبح جزءاً من منظومة رقمية متكاملة تضم قنوات ومجموعات وصفحات تشتغل بمنطق الشبكات المتعاونة، حيث يتم استقبال الصور وإعادة نشرها وتداولها على نطاق واسع في زمن قياسي.

هذا التحول يكشف أن ظاهرة الغش لم تعد مجرد مخالفة تربوية داخل قسم دراسي، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية ورقمية عابرة للمؤسسات التعليمية. فالهاتف الذكي الذي دخل حياة التلميذ باعتباره وسيلة للتعلم والتواصل تحول لدى البعض إلى أداة لتجاوز قواعد الاستحقاق. كما أن منصات التواصل التي يفترض أن تكون فضاءات لتبادل المعرفة أصبحت في بعض الحالات فضاءات موازية لإعادة إنتاج ثقافة النجاح السريع بأقل مجهود ممكن.

ومن هنا يبرز سؤال أعمق من مجرد فعالية نظام تقني بعينه: هل المشكلة الحقيقية تكمن في أدوات الغش أم في البيئة التي تنتج الحاجة إلى الغش؟ فالتلميذ الذي يخاطر بمستقبله الدراسي عبر تسريب أو تداول مواضيع الامتحان لا يتحرك دائماً بدافع الرغبة في التحايل فقط، بل قد يكون انعكاساً لضغوط اجتماعية وأسرية ونفسية هائلة تجعل النتيجة أهم من التعلم، والنقطة أهم من المعرفة، والشهادة أهم من الكفاءة.

كما أن النقاش حول الغش يكشف جانباً آخر يتعلق بعلاقة المجتمع بمنظومة الاستحقاق نفسها. فعندما يترسخ لدى فئات واسعة الشعور بأن النجاح في الحياة لا يرتبط دائماً بالجهد والكفاءة، يصبح من السهل تبرير التحايل في الامتحان باعتباره مجرد وسيلة للوصول إلى الهدف. وهنا تتحول المدرسة إلى مرآة تعكس اختلالات أوسع داخل المجتمع، بدل أن تكون فضاءً لتصحيحها.

على المستوى المؤسساتي، يطرح ما حدث أسئلة حول حدود المقاربة التقنية في معالجة الظواهر الاجتماعية المعقدة. فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي وأجهزة الرصد وأنظمة المراقبة المتطورة يظل ضرورياً، لكنه لا يكفي وحده. فالتكنولوجيا تستطيع اكتشاف الإشارة الإلكترونية، لكنها لا تستطيع معالجة الأسباب الثقافية والتربوية التي تدفع إلى استخدامها بشكل غير مشروع. ويمكن لأي منظومة رقمية أن ترصد جهازاً داخل قاعة امتحان، لكنها لا تستطيع بمفردها بناء ثقافة النزاهة والمسؤولية لدى الأجيال الصاعدة.

لهذا يرى عدد من المتابعين أن مواجهة الغش تحتاج إلى رؤية أوسع تتجاوز منطق “الأمن الامتحاني” نحو بناء منظومة متكاملة تشمل التربية على القيم، وتحسين جودة التعلمات، وتقليص الضغط النفسي المرتبط بالامتحانات، وتطوير التشريعات الزجرية، إلى جانب تحديث وسائل المراقبة التقنية. فكل عنصر من هذه العناصر يمثل جزءاً من الحل، بينما يؤدي التركيز على عنصر واحد فقط إلى إنتاج شعور متكرر بالإحباط كلما ظهرت ثغرة جديدة.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الجدل الذي يتجدد كل عام حول تسريب الامتحانات لا يتعلق في جوهره بأوراق اختفت من قاعة أو صور انتشرت على تطبيق ما، بل يتعلق بالسؤال الذي لم يجد المجتمع جواباً نهائياً عنه بعد: كيف يمكن بناء مدرسة تجعل التلميذ مقتنعاً بأن النجاح الذي يحققه بجهده الشخصي أكثر قيمة من أي نقطة يحصل عليها عبر الغش؟

فإذا كانت التكنولوجيا قادرة على تعقب الإشارات والذبذبات، فإن التحدي الحقيقي يظل في تعقب ذلك الشرخ الخفي الذي يفصل بين قيمة المعرفة وقيمة الشهادة. وعندما ينجح المجتمع في ردم هذه الهوة، قد تصبح معركة الغش أقل ارتباطاً بالأجهزة والبرامج، وأكثر ارتباطاً بقناعة جماعية بأن النزاهة ليست شرطاً لنجاح الامتحان فقط، بل شرطاً لنجاح الدولة والمجتمع معاً.