من يصنع “الحريك الرياضي”؟

0
118

حين تتحول الرياضة من صناعة للأبطال إلى معبر للهجرة… تحقيق في المنظومة التي تدفع المواهب إلى البحث عن مستقبلها خارج الوطن

لم يكن اختفاء عدد من الرياضيين المغاربة خلال مشاركاتهم في بطولات دولية، خلال السنوات الأخيرة، مجرد حوادث معزولة يمكن طي صفحاتها ببلاغ إداري أو ببيان مقتضب من جامعة رياضية. فكل حالة جديدة تعيد طرح السؤال نفسه، لكنها لا تتلقى سوى الجواب نفسه: “غادر اللاعب مقر الإقامة”، أو “اختفى أحد عناصر المنتخب”، أو “فُتح تحقيق داخلي”. وبين البلاغات الرسمية والجدل العابر على مواقع التواصل الاجتماعي، ظل السؤال الحقيقي غائباً: لماذا أصبح بعض الرياضيين يرون في البطولة الدولية فرصة للهجرة أكثر مما يرون فيها محطة لتمثيل الوطن؟

لقد اعتاد النقاش العمومي أن يحاكم الرياضي بعد اختفائه، وأن يفتح سجالاً حول الوطنية والالتزام والانضباط، بينما نادراً ما يلتفت إلى المنظومة التي سبقته إلى صناعة ذلك القرار. فالهجرة الرياضية ليست لحظة تبدأ في مطار أوروبي بعد انتهاء المنافسات، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات، داخل قاعة تدريب صغيرة، وفي نادٍ يفتقر إلى الإمكانات، وفي رياضي يكتشف تدريجياً أن مستقبله المهني أكثر غموضاً من مستقبله الرياضي، وأن سنوات التضحية قد لا تمنحه في النهاية سوى شهادة مشاركة وميدالية، بينما يبقى سؤال العيش الكريم معلقاً بلا جواب.

من هنا، لا يتعامل هذا التحقيق مع “الحريك الرياضي” باعتباره قضية أمنية أو مخالفة تنظيمية، وإنما باعتباره مؤشراً على اختلال أعمق داخل المنظومة الرياضية المغربية، خصوصاً في الرياضات الفردية والرياضات القتالية، التي تعيش وضعاً يختلف جذرياً عن النموذج الذي نجحت الدولة في بنائه داخل كرة القدم.

في هذا السياق، يلفت محمد الداودي، الإطار الرياضي والإعلامي، مراسل موقع المغرب الآن وعضو هيئة تحرير مجلة MMA MAG المتخصصة في الفنون القتالية المختلطة، الانتباه إلى أن اختفاء الرياضيين في الخارج ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الاختلالات. فمن خلال متابعته الميدانية لسنوات، لا يرى الداودي أن الأزمة تبدأ عند اللاعب الذي يقرر عدم العودة، بل تبدأ عندما تتحول الرياضة، بالنسبة إلى آلاف الشباب، من مشروع لبناء المستقبل إلى مجرد وسيلة لعبور الحدود.

هذه القراءة تستحق التوقف عندها، ليس لأنها تقدم تفسيراً جاهزاً، وإنما لأنها تدعو إلى إعادة طرح الأسئلة التي ظل النقاش الرياضي يتجنبها. فهل يتعلق الأمر فعلاً بضعف الحس الوطني لدى بعض الرياضيين؟ أم أن الوطنية نفسها تحتاج إلى بيئة تجعل الرياضي يشعر بأن وطنه يمنحه أفقاً مهنياً واجتماعياً يوازي حجم التضحيات التي يقدمها؟

إن أخطر ما تكشفه حالات “الحريك الرياضي” ليس مغادرة بعض اللاعبين للبعثات الوطنية، بل أنها تكشف وجود فجوة بين الخطاب الرسمي الذي يحتفي بالأبطال عند الفوز، وبين الواقع الذي يواجهونه عندما تنطفئ أضواء المنافسات. ففي كثير من الرياضات، ينتهي المسار الرياضي غالباً دون خطة للإدماج المهني، أو للتكوين المستمر، أو للمواكبة الاجتماعية، ليجد الرياضي نفسه أمام معادلة قاسية: سنوات من التدريب والانضباط، مقابل مستقبل لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار.

غير أن محمد الداودي يذهب أبعد من ذلك، حين يربط هذه الظاهرة بطبيعة النموذج الذي تُدار به بعض الرياضات القتالية في المغرب. فهو يرى أن الأزمة لا ترتبط فقط بالإمكانات المالية أو بضعف الدعم، بل أيضاً بثقافة تنظيمية تجعل المبادرة الرياضية المستقلة أكثر تعقيداً مما ينبغي، وتحد من توسع قاعدة المنافسة، وهي البيئة الطبيعية التي تُصنع فيها المواهب.

وهنا يبرز سؤال جوهري قلّما يُطرح في النقاش العمومي: هل يستطيع أي فاعل رياضي في المغرب أن ينظم بطولة في الكاراتيه، أو الكيك بوكسينغ، أو المصارعة، أو التايكوندو، أو الكونغ فو، أو غيرها من الرياضات القتالية، بالسهولة نفسها التي يُنظم بها دوري للهواة في كرة القدم أو الفوتسال؟

وفق ما يعاينه عدد من الفاعلين في هذا المجال، ومن بينهم محمد الداودي، فإن الجواب ليس بهذه البساطة. إذ تشير شهاداتهم إلى أن تنظيم تظاهرة في بعض الرياضات القتالية قد يستدعي سلسلة من الإجراءات والموافقات والتنسيق مع جهات متعددة، في حين تبدو المبادرات في رياضات أخرى أكثر مرونة من الناحية العملية. وهنا لا يهدف التحقيق إلى الجزم بوجود تمييز قانوني، بقدر ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول اختلاف الممارسة الإدارية بين تخصصات رياضية يفترض أنها تخضع جميعها للإطار القانوني نفسه.

فإذا صحّ أن تعدد المساطر والقيود يحدّ من المبادرات الخاصة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون انخفاض عدد البطولات، وتراجع فرص الاحتكاك، وضعف اكتشاف المواهب، ثم تقلص السوق الرياضية نفسها. وعندما تقل المنافسات، لا يخسر الرياضي وحده، بل يخسر المدرب، والحكم، والمنظم، والمصور، والراعي، وكل الحلقة الاقتصادية المرتبطة بالنشاط الرياضي.

وهنا يفرض التحقيق سؤالاً آخر لا يقل أهمية: من يصنع البطل الرياضي؟ هل تصنعه الجامعة وحدها؟ أم النادي؟ أم المدرب؟ أم كثرة المنافسات التي تمنحه فرصة التطور وإثبات الذات؟

من يصنع البطل… الجامعة أم المنافسة؟

هنا يبدأ التحقيق في ملامسة المنطقة التي ظل كثيرون يتجنبون الاقتراب منها. فالنقاش حول الرياضة في المغرب ينحصر غالباً في سؤال التمويل، أو في عدد الميداليات، أو في نتائج المنتخبات الوطنية، بينما يغيب سؤال أكثر جوهرية: كيف يُصنع البطل الرياضي أصلاً؟

في نظر محمد الداودي، الإطار الرياضي والإعلامي، مراسل موقع المغرب الآن وعضو هيئة تحرير مجلة MMA MAG، فإن الإجابة لا توجد داخل قاعات الاجتماعات، بل داخل قاعات التدريب، وعلى الحلبات، وفي البطولات المحلية التي تمنح الرياضي فرصة الاحتكاك والتطور وإثبات الذات. ويختصر فكرته بجملة تبدو بسيطة، لكنها تختزل فلسفة رياضية كاملة: “الأبطال لا يصنعهم المكتب… بل تصنعهم المنافسة.”

هذه العبارة ليست مجرد رأي شخصي، بل مدخل إلى سؤال استراتيجي يتعلق بطريقة إدارة الرياضة في المغرب. فكلما اتسعت دائرة المنافسات، واتسعت معها فرص الاحتكاك، ارتفع مستوى الرياضيين، وظهرت أسماء جديدة، واشتدت المنافسة بين الأندية والمدربين. أما عندما تصبح المنافسة نفسها نادرة، أو معقدة التنظيم، فإن أول الخاسرين يكون الرياضي.

ومن خلال تجربته الميدانية، يروي الداودي صورة يراها معبرة عن هذا الواقع. فإذا أرادت جمعية رياضية أو إطار متخصص تنظيم كأس محلية في الكاراتيه، أو الكيك بوكسينغ، أو التايكوندو، أو المصارعة، أو الكونغ فو، أو غيرها من الرياضات القتالية، فإنها – بحسب ما يؤكده – تجد نفسها أمام مسار طويل من الإجراءات والموافقات والتنسيق مع جهات متعددة، قبل أن ترى المنافسة النور، إن رأت النور أصلاً.

ويضيف أن الأمر لا يتعلق برفض وجود ضوابط قانونية أو متطلبات السلامة، فهذه ضرورية في كل نشاط رياضي، وإنما يطرح سؤالاً مختلفاً: هل أصبحت بعض المساطر التنظيمية، في التطبيق العملي، عائقاً أمام المبادرة الرياضية أكثر من كونها إطاراً لتنظيمها؟

ولإبراز هذا التفاوت، يقدم الداودي مثالاً بسيطاً، لكنه يحمل دلالات كبيرة. ففي مختلف المدن المغربية، تُنظم بشكل شبه يومي دوريات للهواة في كرة القدم أو الفوتسال داخل القاعات الرياضية أو الملاعب القريبة، ويستأجر الشباب الفضاءات الرياضية لساعات محددة، دون أن يثير ذلك النقاش نفسه حول الموافقات التنظيمية التي تُثار في بعض الرياضات القتالية. ولا يعني ذلك أن كرة القدم خارج القانون، بل يفتح باب التساؤل حول أسباب اختلاف الممارسة الإدارية بين تخصصات رياضية يفترض أنها جميعاً تخضع للإطار القانوني الوطني.

وهنا لا يتعلق الأمر بالمقارنة بين لعبة وأخرى، وإنما بالمقارنة بين نموذجين في تدبير الرياضة. نموذج يسمح باتساع المبادرات، وتعدد المنافسات، وظهور منظمين جدد، ومدربين جدد، وأبطال جدد. ونموذج آخر يظل أكثر مركزية، وأكثر ارتباطاً بالمساطر، وأقل قدرة على استيعاب المبادرات القادمة من المجتمع الرياضي نفسه.

هذا التفاوت، إن ثبت أنه قائم على مستوى الممارسة، لا ينعكس فقط على عدد البطولات، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الرياضي برمته. فكل بطولة محلية ليست مجرد يوم للتنافس، بل سلسلة اقتصادية متكاملة: قاعات تُستأجر، وحكام يُكلفون، ومدربون يرافقون رياضييهم، ومصورون يوثقون الحدث، ومقاولات صغيرة تقدم خدماتها، ورعاة يبحثون عن فرص للظهور، وأسر تواكب أبناءها. وعندما تتراجع البطولات، تتراجع معها هذه الدورة الاقتصادية بأكملها.

ومن هنا يطرح التحقيق سؤالاً قد يبدو مستفزاً، لكنه مشروع: هل يمكن لصناعة الأبطال أن تزدهر في بيئة تقل فيها المنافسات، ويصعب فيها تنظيم المبادرات الرياضية المستقلة؟

التجارب الدولية تقدم جواباً مختلفاً. ففي الولايات المتحدة، لم تُبنَ رياضات الفنون القتالية على البطولات الرسمية وحدها، بل على عشرات المنظمات الخاصة، والدوريات المستقلة، والمروجين الرياضيين، الذين حولوا المنافسة إلى صناعة قائمة بذاتها. وفي البرازيل، انتشر الجوجيتسو البرازيلي بفضل آلاف البطولات المحلية التي كانت تُنظم في الأحياء والجامعات والنوادي، قبل أن يصبح رياضة عالمية. أما في فرنسا، فتتعايش الاتحادات الرياضية مع عدد كبير من المبادرات الخاصة التي توسع قاعدة الممارسة، دون أن تلغي دور المؤسسات الرسمية.

أما في المغرب، فإن السؤال لا يزال مطروحاً: هل نحتاج إلى مزيد من المركزية، أم إلى نموذج يوازن بين سلطة التنظيم وحرية المبادرة؟

يرى محمد الداودي أن الرياضة المغربية لن تربح رهان صناعة الأبطال إذا بقيت تعتبر كل مبادرة مستقلة منافساً محتملاً للمؤسسة، بدل أن تراها شريكاً في توسيع قاعدة الممارسة. ويؤكد أن البطل الحقيقي لا يولد داخل قرار إداري، وإنما يولد عندما يجد عشرات الفرص للمنافسة، والخسارة، والتعلم، ثم الفوز.

وهنا تتجاوز القضية حدود الرياضات القتالية لتصبح سؤالاً وطنياً حول فلسفة تدبير الرياضة نفسها: هل نريد منظومة تُدير الرياضة، أم منظومة تُنتج أبطالاً؟ ففي النهاية، لا تصنع الأمم مكانتها الرياضية بعدد البلاغات التي تصدرها، بل بعدد الحلبات التي تفتحها أمام شبابها، وعدد الفرص التي تمنحها لكل موهبة حتى تثبت نفسها داخل الوطن، لا أن تبحث عن مستقبلها خارجه.

اقتصاد الاحتكار الرياضي… عندما تصبح المنافسة على التنظيم أشرس من المنافسة داخل الحلبة

إذا كانت الرياضة، في كل دول العالم، تُقاس بعدد الأبطال الذين تنتجهم، فإن هناك مؤشراً آخر لا يقل أهمية: عدد المنافسات التي تُقام كل سنة. فالأبطال لا يولدون في الاجتماعات، ولا تصنعهم البلاغات الرسمية، وإنما يولدون من كثرة الاحتكاك، وتراكم التجارب، وتعدد البطولات، واتساع دائرة المنافسة.

من هنا يطرح محمد الداودي سؤالاً يعتبره مفتاح فهم كثير من الاختلالات التي تعيشها الرياضات القتالية بالمغرب: لماذا يبدو تنظيم بطولة رياضية مستقلة، في بعض التخصصات، أكثر تعقيداً من تنظيمها في رياضات أخرى؟

هذا السؤال لا يستهدف مؤسسة بعينها، ولا يهدف إلى التشكيك في دور الجامعات الرياضية، التي يخولها القانون صلاحيات تنظيمية وتأطيرية أساسية، بل يدعو إلى مناقشة الطريقة التي تُمارس بها هذه الصلاحيات، ومدى تأثيرها على توسيع قاعدة الممارسة الرياضية.

فالجامعة الرياضية، في أي دولة، وُجدت أساساً لتطوير اللعبة، وتوحيد قوانينها، وتأهيل حكامها ومدربيها، وحماية سلامة الممارسين، وتمثيل البلد في المحافل الدولية. لكن الإشكال يبدأ عندما يُطرح سؤال آخر: هل ينتهي دور الجامعة عند التنظيم، أم يمتد إلى تشجيع المبادرات التي توسع دائرة اللعبة؟

في هذا السياق، يرى الداودي أن عدداً من الفاعلين الرياضيين أصبحوا يشعرون بأن المبادرة الخاصة في بعض الرياضات القتالية تواجه عراقيل تجعل كثيرين يعزفون عن تنظيم البطولات أو الاستثمار في هذا المجال. ويؤكد أن المشكلة، من وجهة نظره، ليست في وجود ضوابط، وإنما في الكيفية التي تتحول بها بعض المساطر، في التطبيق، إلى عنصر يثقل المبادرات بدل أن يواكبها.

وإذا صح هذا الانطباع، فإن الخسارة لا تقتصر على جمعية رياضية مُنعت من تنظيم بطولة أو تأخر ترخيصها، بل تمتد إلى المنظومة كلها. فكل بطولة لا تُقام تعني عشرات المباريات التي لن تُلعب، وعشرات الرياضيين الذين لن يختبروا مستواهم، ومدربين لن يكتشفوا مواهب جديدة، وحكاماً سيفقدون فرصة لاكتساب الخبرة، وآباءً لن يروا أبناءهم يعيشون تجربة التنافس.

بل إن الخسارة تمتد إلى الاقتصاد الرياضي نفسه، وهو الجانب الذي لا يحظى إلا بالقليل من النقاش في المغرب. ففي التجارب الدولية، لا تُعد البطولة مجرد حدث رياضي، بل مشروعاً اقتصادياً مصغراً. فكل منافسة تُنشط سلسلة كاملة من الخدمات: كراء القاعات، النقل، الإقامة، التجهيزات، الملابس الرياضية، خدمات التصوير، التغطية الإعلامية، الرعاية التجارية، التغذية، والخدمات الطبية.

كل هذا يشكل دورة اقتصادية حقيقية. ولذلك فإن الدول التي نجحت في تحويل الرياضة إلى صناعة لم تحقق ذلك فقط عبر تمويل المنتخبات الوطنية، وإنما عبر تحرير المبادرة الرياضية، وتشجيع القطاع الخاص، وفتح المجال أمام الشركات والجمعيات لتنظيم المنافسات وفق ضوابط واضحة وشفافة، مع بقاء الدور التنظيمي والرقابي للاتحادات قائماً.

وفي هذا الإطار، يلفت محمد الداودي الانتباه إلى أن الرياضات القتالية العالمية لم تبلغ مكانتها الحالية بفضل الاتحادات الرسمية وحدها. فرياضة الجوجيتسو البرازيلي، على سبيل المثال، انتشرت عالمياً عبر بطولات مستقلة ومنظمات خاصة أسهمت في اكتشاف آلاف المواهب. والأمر نفسه ينطبق على رياضات أخرى، حيث لعبت المبادرات المدنية والتجارية دوراً مكملاً، لا منافساً، للمؤسسات الرسمية.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً يستحق النقاش في المغرب: هل يمكن للجامعة الرياضية أن تتحول من جهة تُنظر إليها باعتبارها البوابة الوحيدة للنشاط، إلى شريك يواكب المبادرات، ويضع لها معايير الجودة والسلامة، دون أن يفقد دوره التنظيمي؟

إن التجارب المقارنة توحي بأن قوة الاتحاد الرياضي لا تُقاس بعدد الأنشطة التي يحتكر تنظيمها، وإنما بقدرته على جعل اللعبة تنمو خارج أسواره أيضاً. فكلما اتسعت قاعدة الممارسة، زاد عدد الأندية، وارتفع مستوى المنافسة، واتسعت قاعدة المنتخبات الوطنية، واستفادت الجامعة نفسها من هذا الزخم.

وهنا يطرح التحقيق سؤالاً لا يتعلق بالرياضة وحدها، بل بفلسفة التدبير العمومي: هل تخشى المؤسسات من المبادرة المستقلة لأنها تهدد النظام، أم لأن الثقافة الإدارية لم تتطور بعد لاستيعاب فكرة الشراكة؟

إن هذا السؤال لا يوجه اتهاماً إلى أي جهة، لكنه يدعو إلى نقاش ضروري حول التوازن بين متطلبات التنظيم، التي لا غنى عنها، وبين تحرير الطاقات المجتمعية التي تستطيع أن تحول الرياضة إلى رافعة للتنمية، لا إلى قطاع ينتظر دائماً المبادرة من المركز.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منظومة رياضية هو أن يتحول الرياضي أو المدرب أو المنظم إلى شخص يعتقد أن نجاح فكرته مرتبط أولاً بقدرته على تجاوز التعقيدات الإدارية، لا بقدرته على إنجاح المشروع نفسه. فعندما تصبح الإجراءات هي الهاجس الأول، تتراجع روح المبادرة، وتخسر الرياضة أهم مصادر حيويتها: المجتمع الرياضي نفسه.

وهنا يعود محمد الداودي إلى خلاصة يراها جوهرية، مفادها أن مستقبل الرياضات القتالية في المغرب لن يُبنى فقط بزيادة الدعم أو بتغيير بعض اللوائح، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين المؤسسات والفاعلين الميدانيين على أساس الثقة والتكامل. فكل بطولة محلية ناجحة، وكل مبادرة جادة، وكل مدرب يكتشف موهبة جديدة، لا يمثل تحدياً للمؤسسة، بل إضافة لرصيدها، واستثماراً في مستقبل الرياضة الوطنية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا الفصل: إذا كان الهدف هو صناعة الأبطال، فلماذا لا تتحول كل مبادرة جادة إلى فرصة لدعم اللعبة، بدل أن تصبح موضوعاً لنقاش طويل حول إمكان تنظيمها؟

من يحكم الرياضة… ومن يراقب نتائج الحكامة؟

إذا كانت ظاهرة “الحريك الرياضي” تكشف جانباً من الأزمة، وإذا كانت صعوبة المبادرة الرياضية تطرح أسئلة حول بيئة الممارسة، فإن الوصول إلى جذور المشكلة يفرض الانتقال إلى مستوى آخر من النقاش: الحكامة الرياضية.

ففي جميع التجارب الدولية التي نجحت في تحويل الرياضة إلى صناعة اقتصادية واجتماعية، لم يعد تقييم الاتحادات الرياضية يقتصر على عدد الميداليات أو الألقاب، بل أصبح يشمل مؤشرات أكثر عمقاً: عدد الممارسين الجدد، ونمو الأندية، وعدد البطولات المنظمة، وحجم الاستثمار الخاص، ونسبة اندماج الشباب، وعدد المدربين والحكام الذين جرى تأهيلهم، ومدى انفتاح المنظومة على المبادرات القادمة من المجتمع.

أما في المغرب، فإن السؤال الذي يطرحه هذا التحقيق هو: بأي معايير نقيس نجاح الجامعة الرياضية؟

هل يكفي أن تحصد ميدالية قارية أو عربية حتى نعتبر أن اللعبة تسير في الاتجاه الصحيح؟ أم أن المؤشر الحقيقي هو اتساع قاعدة الممارسة، وتكاثر البطولات، وارتفاع عدد الأندية النشيطة، وقدرة اللعبة على إنتاج أبطال بشكل متواصل لا بشكل استثنائي؟

يرى محمد الداودي أن الخلل يبدأ عندما تتحول بعض الجامعات إلى مؤسسات تُقاس نجاعتها بإدارة الموسم الرياضي فقط، لا بإنتاج منظومة قادرة على النمو الذاتي. ويعتبر أن الجامعة الناجحة ليست تلك التي تنظم بطولة وطنية واحدة كل سنة، بل تلك التي تجعل كل مدينة قادرة على تنظيم عشرات المنافسات المحلية في إطار قانوني واضح، وتدفع الأندية إلى التنافس في اكتشاف المواهب بدل التنافس على انتظار البرمجة المركزية.

وهنا يبرز سؤال حساس، لكنه مشروع: إذا كانت الجامعة الرياضية مؤسسة وُجدت لخدمة اللعبة، فهل أصبحت اللعبة، في بعض الحالات، هي التي تُسخَّر لخدمة المؤسسة؟

هذا السؤال لا يقصد التشكيك في شرعية المؤسسات، ولا في الجهود التي يبذلها كثير من المسيرين، وإنما يدعو إلى مراجعة فلسفة التدبير نفسها. فالمؤسسة الرياضية لا تُقاس بقوة حضورها الإداري، بل بقدرتها على جعل وجودها أقل ثقلاً على الفاعلين وأكثر دعماً لهم.

وفي هذا السياق، يلفت الداودي الانتباه إلى مفارقة تستحق التأمل. ففي الوقت الذي تعرف فيه بعض الجامعات الرياضية تنافساً انتخابياً حاداً على مناصب يُفترض أنها تقوم على خدمة اللعبة، يظل السؤال مطروحاً حول حجم النقاش الذي يسبق تلك الانتخابات: هل ينصب الاهتمام على البرامج والمشاريع ومؤشرات الأداء؟ أم يتركز، في الغالب، على موازين القوى والتحالفات؟

إن الديمقراطية الرياضية لا تكتمل بمجرد إجراء الانتخابات، بل تبدأ بعدها، عندما يصبح المسؤول خاضعاً للتقييم الدوري، وفق أهداف معلنة ومؤشرات قابلة للقياس. فكم نادياً جديداً أُسس؟ كم بطولة أُضيفت إلى الروزنامة؟ كم مدرباً تأهل؟ كم طفلاً التحق باللعبة؟ وكم بطلاً استمر في مساره الرياضي بدل أن يغادره؟

هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها تمثل جوهر الحكامة الحديثة.

وفي المقابل، تكشف التجارب الدولية أن الاتحادات التي حققت قفزات نوعية لم تكتف بإدارة المنافسات، بل تحولت إلى منصات لتشجيع المبادرة. ففي العديد من الدول، لا يُنظر إلى النادي أو الجمعية أو المنظم الخاص باعتباره منافساً للاتحاد، بل باعتباره شريكاً يوسع قاعدة اللعبة، ويخلق فرصاً جديدة للممارسين، ويجذب الرعاة والمستثمرين، ويمنح الرياضة قدرة على النمو دون أن تتحمل الدولة وحدها كلفة هذا التوسع.

إن هذه الفلسفة هي التي صنعت الفارق بين رياضات تحولت إلى صناعات عالمية، وأخرى بقيت رهينة دورة إدارية مغلقة.

ومن هنا يطرح التحقيق سؤالاً يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في داخله مشروع إصلاح كامل: هل تحتاج الرياضة المغربية إلى مزيد من الوصاية… أم إلى مزيد من الثقة؟

الثقة في المدرب الذي يريد أن ينظم بطولة.

والثقة في الجمعية التي تريد أن تكتشف مواهب جديدة.

والثقة في المستثمر الذي يرى في الرياضة قطاعاً اقتصادياً.

والثقة في الإعلام المتخصص الذي يمارس دوره في النقد والمتابعة.

فكلما اتسعت دائرة الثقة، اتسعت معها دائرة المبادرة. وكلما اتسعت المبادرة، زادت المنافسة. وكلما زادت المنافسة، ارتفع مستوى الأبطال.

ولعل هذا هو الدرس الذي يحاول محمد الداودي استخلاصه من سنوات طويلة قضاها بين القاعات الرياضية، والحلبات، والبطولات، والعمل الإعلامي المتخصص. فهو لا يرى أن الأزمة تكمن في نقص المواهب، بل في البيئة التي تتحرك فيها تلك المواهب. ويؤكد أن المغرب لا يعاني من فقر في الطاقات البشرية، وإنما من حاجة إلى نموذج تدبير يجعل هذه الطاقات تجد طريقها إلى النجاح داخل الوطن، لا خارجه.

وبهذا المعنى، فإن “الحريك الرياضي” لا يصبح سوى عنوان لملف أكبر: ملف يتعلق بحكامة الرياضة، وبالطريقة التي نُدير بها المواهب، وبالسؤال الذي سيحدد مستقبل الرياضة المغربية خلال العقد المقبل: هل نكتفي بإدارة الموجود، أم نبني منظومة قادرة على إنتاج المزيد؟

إن الأمم الرياضية الكبرى لا تُقاس بعدد الكؤوس التي تضعها في خزائنها، بل بعدد الفرص التي تفتحها أمام كل طفل يحمل حلماً، وكل مدرب يحمل مشروعاً، وكل جمعية تحمل مبادرة. وعندما تتحول المبادرة إلى قيمة، لا إلى استثناء، تصبح الرياضة صناعة وطنية حقيقية، ويتحول البطل من حالة نادرة إلى نتيجة طبيعية لمنظومة تعرف إلى أين تريد أن تصل.

من منطق الوصاية إلى منطق الشراكة… هل آن أوان إصلاح النموذج الرياضي؟

بعد تفكيك ظاهرة “الحريك الرياضي”، وقراءة البيئة التنظيمية التي تتحرك داخلها الرياضات القتالية، وتحليل أثر الحكامة على صناعة الأبطال، يفرض التحقيق سؤالاً لا يتعلق بجامعة رياضية بعينها، ولا بوزارة محددة، بل بمستقبل الرياضة المغربية نفسها: هل ما يزال النموذج الحالي قادراً على إنتاج رياضة تنافسية في عالم تغيرت قواعده بالكامل؟

لقد انتقلت الرياضة في أغلب دول العالم من كونها نشاطاً تؤطره الإدارات إلى صناعة اقتصادية واجتماعية قائمة بذاتها. ولم تعد الدولة أو الاتحادات تحتكر صناعة البطولة، بل أصبحت شريكاً في منظومة واسعة تضم الأندية، والجامعات، والجمعيات، والشركات، والمروجين الرياضيين، والإعلام، والقطاع الخاص. وكل طرف يؤدي وظيفة تكمل الآخر.

أما في المغرب، فما زال جزء من النقاش الرياضي يدور داخل منطق قديم، يقوم على أن المؤسسة المركزية هي صاحبة المبادرة، بينما ينتظر الآخرون الإذن أو البرمجة أو الموافقة. هذا النموذج ربما كان منسجماً مع مرحلة تاريخية كانت فيها الرياضة نشاطاً محدوداً، لكنه لم يعد ينسجم مع اقتصاد رياضي عالمي تحركه المبادرة والابتكار وسرعة القرار.

ومن هنا، يرى محمد الداودي أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأشخاص، بل من تغيير الفلسفة. فالسؤال ليس من يرأس الجامعة، بل كيف تُدار اللعبة. وليس كم عدد الاجتماعات، بل كم عدد البطولات. وليس كم قراراً صدر، بل كم موهبة اكتُشفت.

إن الجامعة الرياضية الحديثة لا تقاس بحجم سلطتها، وإنما بقدرتها على خلق بيئة تجعل آلاف المبادرات تنمو تحت مظلتها، لا خارجها ولا في مواجهتها. فكل جمعية جادة، وكل نادٍ نشيط، وكل منظم ملتزم بالمعايير، ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره امتداداً للمشروع الرياضي الوطني، لا باعتباره عبئاً إدارياً أو منافساً مؤسسياً.

ولعل أكبر مفارقة يكشفها هذا التحقيق أن المغرب لا يعاني من نقص في المواهب، بل من وفرتها. ففي مختلف المدن والقرى، توجد قاعات صغيرة، ومدربون يعملون بإمكانات محدودة، وشباب يقضون ساعات طويلة في التدريب، وحماس لا ينقصه شيء سوى اتساع فضاء المنافسة. إن رأس المال الحقيقي للرياضة المغربية موجود بالفعل، لكنه يحتاج إلى منظومة تفتح له الأبواب بدل أن تكتفي بإدارة الموجود.

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: كم بطلاً مغربياً لم نكتشفه أصلاً لأنه لم يجد بطولة يشارك فيها؟ وكم مشروعاً رياضياً توقف قبل أن يبدأ لأنه اصطدم بعوائق تنظيمية أو مالية أو إدارية؟

إن هذه الأسئلة قد لا تجد أرقاماً دقيقة للإجابة عنها، لكنها تفرض نفسها كلما قارنا المغرب بدول نجحت في تحويل الرياضة إلى قطاع منتج للقيمة الاقتصادية والاجتماعية. ففي تلك الدول، لا يُنظر إلى كل بطولة محلية باعتبارها حدثاً عابراً، بل باعتبارها استثماراً في اكتشاف بطل جديد، وتحريك الاقتصاد المحلي، وتوسيع قاعدة الممارسة، وبناء جمهور رياضي مستقبلي.

ولذلك، فإن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على تحسين نتائج المنتخبات الوطنية، وإنما على إعادة بناء العلاقة بين المؤسسة الرياضية والمجتمع الرياضي. علاقة تقوم على الثقة، والشفافية، وتكافؤ الفرص، ووضوح المساطر، واحترام القانون، مع فتح المجال أمام المبادرات الجادة التي تضيف إلى اللعبة ولا تنتقص منها.

ويؤكد محمد الداودي أن الرياضة المغربية تملك كل المقومات التي تؤهلها لتحقيق هذه النقلة: كفاءات تدريبية، ومواهب شابة، وإشعاعاً دولياً متزايداً للمغرب، واستثمارات مهمة في البنيات التحتية. غير أن هذه المقومات تحتاج إلى نموذج تدبير يجعل من الجامعة محفزاً للنمو، لا مجرد جهة منظمة للمنافسات، ويجعل من الإدارة شريكاً في الحل، لا محطة يخشى الجميع الوصول إليها.

وفي نهاية هذا التحقيق، لا يبدو السؤال الحقيقي هو: لماذا اختفى بعض الرياضيين في الخارج؟ بل سؤال أكثر عمقاً وإلحاحاً: كيف نجعل الرياضي يقتنع بأن أفضل فرصة لتحقيق حلمه توجد داخل وطنه؟

فالجواب لن يكون في تشديد العقوبات، ولا في مضاعفة البلاغات، ولا في تضييق إجراءات السفر، لأن هذه كلها تعالج النتيجة ولا تمس السبب. أما السبب الحقيقي، فهو بناء منظومة يشعر فيها الرياضي أن مستقبله المهني، وكرامته الاجتماعية، وفرص تطوره، لا تتوقف عند حدود بطولة واحدة أو مشاركة دولية، بل تمتد داخل وطن يفتح له مسارات النجاح.

لقد نجح المغرب، خلال السنوات الأخيرة، في أن يصبح قوة كروية صاعدة، وأن يفرض اسمه في كبريات المحافل الدولية. واليوم، يقف أمام فرصة تاريخية لتكرار التجربة نفسها في بقية الرياضات، لكن ذلك لن يتحقق إذا بقيت بعض الألعاب أسيرة منطق التدبير التقليدي، بينما يتحرك العالم بمنطق الاقتصاد الرياضي المفتوح، والشراكة، والابتكار.

وربما يكون الدرس الأهم الذي يخرج به هذا التحقيق هو أن الأبطال لا يهاجرون لأنهم فقدوا حب الوطن، بل قد يهاجر بعضهم عندما يفقد الأمل في أن يمنحهم الوطن المساحة الكافية لتحقيق أحلامهم. وعندما تتحول الرياضة إلى مشروع حياة، لا إلى محطة انتظار، تصبح الهجرة استثناءً، ويصبح البقاء هو الخيار الطبيعي.

وهنا تنتهي قصة “الحريك الرياضي” بوصفها خبراً، لكنها تبدأ بوصفها سؤالاً وطنياً: أي رياضة يريدها المغرب خلال العقد القادم؟ رياضة تُدار بالقرارات وحدها، أم رياضة تُبنى بالمبادرة، والمنافسة، والثقة، وصناعة الإنسان قبل صناعة البطل؟