جرسيف… حين تتحول رحلة عادية فوق “طريق الموت” إلى سؤال مرعب عن قيمة حياة المغاربة

0
112

في صباحٍ يبدو عاديًا على الطريق الوطنية رقم 15، كانت الحافلة تشقّ طريقها بين القرى والحقول الجافة بإقليم جرسيف، تحمل وجوهًا مختلفة جمعتها الصدفة: عامل يبحث عن يوم رزق جديد، أمّ عائدة إلى بيتها، طالب يحمل حقيبة صغيرة وأحلامًا أكبر من الطريق نفسها. دقائق قليلة فقط كانت كافية لتحويل الرحلة اليومية إلى مشهد ثقيل من الحديد الملتوي، والصراخ، والغبار، وصفارات الإسعاف التي مزّقت هدوء المنطقة بعد انقلاب الحافلة إثر اصطدام جانبي قوي مع شاحنة صهريجية بجماعة صاكة، مخلفة أربعة قتلى و32 مصابًا بجروح متفاوتة الخطورة.

لكن المأساة في المغرب لا تبدأ لحظة الحادث فقط، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، داخل شبكة طرقية تتحول في كثير من المناطق إلى اختبار يومي للحياة. فحوادث السير لم تعد مجرد “أقدار مفاجئة”، بل صارت مرآة تكشف هشاشة منظومة كاملة: طرق وطنية ضيقة تستقبل شاحنات ثقيلة وحافلات مكتظة في الوقت نفسه، مراقبة متقطعة، إرهاق مهني يلاحق السائقين، وأسئلة متكررة حول سلامة وسائل النقل العمومي التي أصبحت بالنسبة لآلاف المغاربة خيارًا اضطراريًا لا ترفًا.

الطريق الوطنية رقم 15 ليست مجرد خط إسفلتي يربط بين المدن، بل شريان اقتصادي واجتماعي تمر عبره حركة نقل البضائع والمسافرين نحو مناطق الشرق المغربي. ومع ذلك، فإن مثل هذه الطرق غالبًا ما تعيش مفارقة قاسية: أهميتها الاقتصادية لا تنعكس دائمًا على مستوى تجهيزها وتأمينها. فكل حادث كبير يعيد النقاش نفسه حول البنية التحتية، لكن النقاش يخفت سريعًا بمجرد انتهاء مراسم الدفن وخروج آخر مصاب من المستشفى.

المشهد الذي أعقب الحادث كان بدوره كاشفًا. عناصر الوقاية المدنية تسابق الزمن لانتشال الضحايا وتقديم الإسعافات الأولية، والدرك الملكي يؤمّن حركة السير ويفتح تحقيقًا لتحديد الملابسات. غير أن هذه الصورة، رغم أهميتها، تعكس أيضًا طبيعة تدخل الدولة بعد الكارثة أكثر مما تعكس قدرتها على منع الكارثة قبل وقوعها. فالمغرب، مثل كثير من الدول، أصبح يمتلك خبرة كبيرة في إدارة الأزمات بعد حدوثها، لكنه لا يزال يواجه صعوبة في بناء ثقافة وقائية تجعل الطريق فضاءً آمنًا لا مساحةً يومية لاحتمال الموت.

والأرقام تجعل الصورة أكثر قسوة. فحوادث السير في المغرب تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نزيف اجتماعي واقتصادي مستمر، لا يقتصر أثره على عدد الضحايا فقط، بل يمتد إلى أسر تفقد معيلها، وأطفال يدخلون مبكرًا في دائرة الهشاشة، ومستشفيات عمومية تستنزفها الإصابات الخطيرة، واقتصاد يخسر سنويًا مليارات الدراهم بسبب الكلفة المباشرة وغير المباشرة لهذه الحوادث.

غير أن الجانب الأكثر إيلامًا يبقى إنسانيًا. ففي مثل هذه الحوادث، لا تتحطم المركبات وحدها، بل تتشقق أيضًا حياة كاملة كانت تسير بشكل طبيعي قبل دقائق. هاتف يرنّ دون جواب، مقعد فارغ ينتظر صاحبه، وأسر ستظل تتذكر صباح الأربعاء لا كتاريخ عابر، بل كلحظة انقسم فيها الزمن إلى “قبل” و”بعد”.

لهذا تبدو حوادث السير في المغرب أكبر من مجرد أخبار يومية في صفحات الحوادث. إنها سؤال ثقيل حول معنى التنمية نفسها: هل يمكن الحديث عن مشاريع كبرى واستثمارات ضخمة بينما يبقى الطريق اليومي للمواطن محفوفًا بهذا القدر من الخطر؟ وهل تقاس قوة الدول فقط بما تبنيه من موانئ ومناطق صناعية، أم أيضًا بقدرتها على حماية مواطنيها في أبسط تفاصيل حياتهم، من رحلة سفر عادية قد لا يعودون منها أبدًا؟