في الأسواق كما في الإدارات، داخل المقاولات الصغيرة كما في النقاشات اليومية للمواطنين، يتكرر سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه عميق في دلالته: لماذا يشعر عدد متزايد من المغاربة أن مسار الصعود الاجتماعي والاقتصادي أصبح أكثر تعقيداً مما كان عليه في السابق؟ ولماذا يتنامى الانطباع بأن النجاح الاقتصادي لم يعد يرتبط فقط بالكفاءة والابتكار والعمل، بقدر ما يرتبط أحياناً بمدى القرب من دوائر النفوذ أو القدرة على الولوج إلى شبكات الامتياز؟
هذا السؤال لم يبق في حدود النقاش الاجتماعي العام، بل عاد إلى الواجهة داخل المؤسسة التشريعية عبر مبادرة سياسية محددة. فقد وجهت سلوى البردعي، البرلمانية عن المجموعة النيابية لحزب “العدالة والتنمية”، سؤالاً كتابياً إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، حول نتائج تقرير “جودة النخب 2026”، الصادر عن مؤسسة “خلق القيمة” بشراكة مع جامعة “سانت غالن” السويسرية. التقرير كشف تراجع ترتيب المغرب في مؤشر يقيس قدرة النخب على خلق القيمة المضافة ومكافحة الريع والاحتكار.
وفق معطيات التقرير، تراجع المغرب إلى المرتبة 92 عالمياً من أصل 151 دولة، بعدما كان يحتل مرتبة أفضل في السنوات السابقة. هذا التراجع لا يبدو مجرد تغيير رقمي في سلم التصنيفات الدولية، بل يعكس إشكالاً أعمق يرتبط ببنية النموذج الاقتصادي نفسه، وبطريقة إنتاج الثروة وتوزيعها، وبمدى قدرة النخب الاقتصادية والسياسية على تحويل السلطة إلى قيمة مضافة حقيقية بدل تحويلها إلى امتيازات متراكمة.
ويقوم هذا المؤشر على فلسفة مختلفة عن المؤشرات التقليدية للنمو والازدهار. فهو لا يقيس حجم الثروة أو معدل الاستثمار فقط، بل يحاول الإجابة عن سؤال جوهري: هل تساهم النخب في توسيع قاعدة الإنتاج وخلق الثروة لفائدة المجتمع، أم أنها تميل إلى تعظيم حصتها من الثروة عبر آليات الريع والاحتكار واستغلال مواقع النفوذ؟
في هذا الإطار، تُصنَّف النخب ذات الجودة العالية باعتبارها تلك التي تدفع نحو الاستثمار المنتج، وتشجع الابتكار، وتوسع فرص الشغل، وتخلق دينامية اقتصادية جديدة. في المقابل، تميل النخب منخفضة الجودة إلى الاعتماد على الوضعيات الاحتكارية، والعلاقات غير التنافسية، والامتيازات المؤسسية، بما يسمح باستخلاص القيمة دون خلقها فعلياً.
غير أن دلالة هذا النقاش لا تتوقف عند حدود التحليل الاقتصادي النظري، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فحين تضيق المنافسة داخل بعض القطاعات، وتتوسع ظواهر التركّز الاقتصادي، تصبح المقاولات الصغرى والمتوسطة في وضع أكثر هشاشة، وترتفع تكاليف الدخول إلى السوق، وتتقلص فرص الاستثمار المتكافئ.
بالنسبة لرواد الأعمال الشباب على وجه الخصوص، تتحول هذه البيئة أحياناً إلى عامل تثبيط. إذ يصبح السؤال ليس فقط حول جودة الفكرة أو قوة المشروع، بل أيضاً حول القدرة على الصمود داخل منظومة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع شبكات النفوذ والعلاقات. وهو ما يدفع بعض الفاعلين إما إلى الانكفاء أو إلى البحث عن أسواق خارجية أكثر انفتاحاً.
في العمق، لا يتعلق النقاش بالأفراد بقدر ما يتعلق ببنية المؤسسات وقواعد اللعبة الاقتصادية. فالتجارب الدولية تُظهر أن الاقتصادات الناجحة لا تقوم بالضرورة على “نخب مثالية”، بل على مؤسسات قوية قادرة على ضبط تضارب المصالح، ومنع الاحتكار، وضمان شفافية السوق، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي.
ومن هذا المنظور، فإن أي قراءة لتراجع ترتيب المغرب ينبغي ألا تنزلق نحو التبسيط أو التعميم، بل أن تطرح سؤال فعالية السياسات العمومية في مجالات الحكامة الاقتصادية، وتنظيم المنافسة، ومحاربة الممارسات الاحتكارية، وضمان تكافؤ الفرص.
المفارقة التي يبرزها التقرير تتمثل في أن المغرب، رغم هذا التراجع في المؤشر العام، يحقق أداء أفضل في مؤشر “الجيل القادم لخلق القيمة”، حيث يحتل مرتبة متقدمة نسبياً، ما يعكس وجود مؤشرات على إمكانات مستقبلية مرتبطة بالاستثمار في البنية التحتية والإصلاحات طويلة المدى.
لكن الفجوة بين الإمكانات المستقبلية والواقع الحالي تظل قائمة. وهي فجوة تكشف صعوبة تحويل الاستراتيجيات الكبرى إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن والمقاولة والطبقة الوسطى في حياتهم اليومية.
وفي النهاية، قد لا يكون جوهر الإشكال في الترتيب الدولي نفسه، بل في ما يعكسه من أسئلة أعمق تتعلق بالثقة في النموذج الاقتصادي. فالتنمية لا تُقاس فقط بالمشاريع الكبرى أو المؤشرات الماكرو اقتصادية، بل أيضاً بمدى شعور المجتمع بأن الفرص موزعة بعدالة، وأن قواعد المنافسة واضحة، وأن النجاح ممكن عبر العمل والابتكار لا عبر الامتياز والاحتكار.
وحين يتراجع هذا الشعور، تصبح الأرقام مجرد انعكاس لخلل أعمق يمس العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الفاعل الاقتصادي والسوق، وبين الجهد الفردي والفرص الجماعية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرحه هذا النقاش لا يقتصر على سبب تراجع المغرب في مؤشر “جودة النخب”، بل يمتد إلى سؤال أكثر جوهرية: إلى أي حد يستطيع النموذج الاقتصادي الحالي أن يُنتج نخباً قادرة على خلق القيمة بدل إعادة توزيع الامتيازات، وعلى بناء اقتصاد تنافسي عادل يواكب تحديات المستقبل؟