بين خطابين رسميين… هل يعيش المغرب مفارقة الأرقام أم مفترق السياسات؟
ليست المشكلة في الأرقام حين تصدر عن مؤسسات الدولة، بل في الطريقة التي تلتقي بها هذه الأرقام أو تتصادم داخل الخطاب الرسمي نفسه. ففي أقل من أربع وعشرين ساعة، وجد الرأي العام نفسه أمام روايتين تنتميان إلى الدولة ذاتها، لكنهما تقرآن الواقع الاقتصادي من زاويتين مختلفتين. فمن جهة، قدمت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي أمام البرلمان صورة تؤكد أن مؤشر المديونية يسير في منحى تنازلي، وأن صندوق النقد الدولي يشيد باستدامة الدين المغربي، وأن عجز الميزانية يتراجع، وأن المؤشرات المالية تسير وفق ما خُطط له. ومن جهة ثانية، كان والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري، في حضرة الملك محمد السادس، يوجه خطاباً تقنياً يحمل بين سطوره رسائل سياسية واقتصادية عميقة، لا تتحدث عن الأرقام بقدر ما تتحدث عن حدود النمو نفسه، وعن الفجوة التي تفصل الاقتصاد الكلي عن الواقع الاجتماعي للمواطنين.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية، لأن صحافة النظر لا تكتفي بما قيل، بل تبحث عما لم يُقل.
فالوزيرة لم تكن تخاطب الأسواق المالية فقط، بل كانت تبعث برسائل طمأنة إلى المستثمرين والمؤسسات الدولية قبيل إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027. حديثها عن انخفاض نسبة دين الخزينة إلى حوالي 66.6 في المائة من الناتج الداخلي الخام، واستقرار مؤشرات خدمة الدين، وإشادة صندوق النقد الدولي بسلامة هيكلة الدين، ليس مجرد عرض تقني، بل إعلان بأن الحكومة ترى أن الاقتراض لا يزال تحت السيطرة، وأن المالية العمومية قادرة على تحمل أعباء المرحلة المقبلة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه مباشرة هو: إذا كانت الصورة بهذه الإيجابية، فلماذا اختار والي بنك المغرب، وهو المسؤول الأول عن السياسة النقدية، أن يضع أمام الملك تشخيصاً مختلفاً في الجوهر؟
الجواهري لم يناقض الحكومة بالأرقام، لكنه ناقضها في المعنى.
فعندما قال إن بلوغ مصاف الدول الصاعدة لا يتحقق إلا إذا صاحبه توزيع أفضل لثمار النمو، فإنه كان ينسف، بهدوء شديد، الخطاب السياسي الذي روّج خلال السنوات الأخيرة لفكرة أن المغرب أصبح بالفعل ضمن نادي الاقتصادات الصاعدة. الرجل لم يقل إن المغرب أصبح دولة صاعدة، بل قال إن الوصول إلى هذا الهدف ما يزال رهيناً بشروط لم تتحقق بعد. والفارق بين العبارتين ليس لغوياً، بل استراتيجي، لأنه يميز بين مشروع لم يكتمل، وخطاب سياسي يقدم المشروع وكأنه تحقق.
هذه الجملة بالذات ربما كانت أكثر العبارات حساسية في الخطاب كله.
فحين يتحدث والي بنك المغرب عن ضرورة “توزيع أفضل لثمار النمو”، فهو يقر ضمناً بأن النمو الحالي لا يصل إلى جميع المغاربة بنفس الدرجة، وأن الثروة لا تزال تتركز في قطاعات وفئات محدودة، بينما يستمر الإحساس الاجتماعي بأن الحياة اليومية لم تتحسن بالوتيرة نفسها التي تتحسن بها المؤشرات الاقتصادية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
الحكومة تتحدث عن نمو، وبنك المغرب يتحدث عن توزيعه.
الحكومة تتحدث عن استقرار الدين، وبنك المغرب يتحدث عن هشاشة سوق الشغل.
الحكومة تتحدث عن نجاح المالية العمومية، بينما يشير والي البنك المركزي إلى أن المواطنين لا يشعرون بنفس مستوى هذا النجاح.
إنها ليست معركة أرقام، بل معركة تعريف النجاح نفسه.
ومن هنا يصبح ملف الدين الخارجي أحد أهم مفاتيح فهم هذا التناقض الظاهر.
فخلال السنوات الأخيرة، ارتفع رصيد التزامات المغرب تجاه البنك الدولي إلى ما يقارب 12 مليار دولار. وبالنسبة للحكومة، لا يمثل هذا الرقم مصدر قلق، لأن طبيعة الاقتراض تغيرت جذرياً. فلم تعد القروض تقتصر على تمويل السدود والطرق والموانئ، بل أصبحت تمول إصلاحات هيكلية كبرى، مثل تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح التعليم، والتحول الرقمي، والانتقال الطاقي، وإصلاح المؤسسات العمومية، إضافة إلى دعم السياسات التنموية التي تضخ التمويل مباشرة في خزينة الدولة مقابل تنفيذ إصلاحات متفق عليها.
اقتصادياً، يبدو هذا المنطق مفهوماً.
فالمغرب واجه منذ سنة 2020 صدمات متتالية: جائحة كوفيد-19، سنوات الجفاف، ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد، ثم إطلاق أوراش اجتماعية ضخمة واستثمارات مرتبطة بالتحضير لكأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030. وفي مثل هذه الظروف، يصبح اللجوء إلى مؤسسات كالبنك الدولي خياراً أقل كلفة من الاقتراض التجاري، بفضل أسعار الفائدة الأقل، وآجال السداد الطويلة، وفترات السماح، وما يوفره ذلك من ثقة لدى الأسواق الدولية.
غير أن السؤال الذي يطرحه خطاب الجواهري لا يتعلق بكلفة الدين، بل بعائده.
هل تحولت هذه القروض إلى إنتاجية أعلى؟
هل خلقت فرص شغل كافية؟
هل انعكس الاستثمار العمومي على مستوى الدخل الحقيقي للأسر؟
هل أصبح المواطن يشعر بأن النمو الذي تتحدث عنه الحكومة ينعكس على حياته اليومية؟
هذه الأسئلة هي التي تعطي للخطاب النقدي عمقه الحقيقي.
فحتى لو كانت نسبة الدين مستقرة، وحتى لو أشاد صندوق النقد الدولي بقدرة المغرب على تدبير مديونيته، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أخرى، وهي أن نجاح السياسة المالية لا يقاس فقط بقدرتها على الاقتراض أو خفض العجز، وإنما أيضاً بقدرتها على تحويل هذا الاقتراض إلى قيمة مضافة يشعر بها المواطن.
ومن زاوية أخرى، حمل خطاب والي بنك المغرب رسالة أكثر حساسية تتعلق بالنموذج الاقتصادي نفسه.
فقد أشار إلى استمرار الفجوة بين الأداء الاقتصادي كما تقيسه المؤشرات، وبين الانطباع العام لدى المواطنين. وهذه العبارة تختصر معضلة اقتصادية تعيشها دول كثيرة: قد ترتفع معدلات النمو، لكن إذا لم تتحسن فرص الشغل، ولم تتراجع الفوارق الاجتماعية، ولم يرتفع الدخل الحقيقي، فإن النمو يتحول إلى رقم اقتصادي بلا أثر اجتماعي.
وهنا يلتقي الاقتصاد بالسياسة.
ففي سنة تسبق الاستحقاقات الانتخابية، تصبح مثل هذه الرسائل أكثر من مجرد ملاحظات تقنية. فهي تمنح المعارضة مادة سياسية جاهزة، لأنها صادرة عن مؤسسة دستورية مستقلة لا تُحسب على أي حزب. ولذلك فإن الجملة التي تحدث فيها الجواهري عن ضرورة توزيع ثمار النمو قد تتحول إلى أحد أكثر العناوين حضوراً في النقاش العمومي خلال الأشهر المقبلة.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً الإشارة إلى أن الحكومة لا تعمل في ظروف عادية.
فالمغرب يواصل الاستثمار في الأمن المائي، والطاقات المتجددة، والبنيات التحتية، والحماية الاجتماعية، وهي أوراش تحتاج إلى تمويل ضخم، كما أن الدولة اختارت عدم التضحية بالاستثمار العمومي رغم الأزمات المتتالية، انطلاقاً من قناعة بأن النمو المستقبلي لا يمكن بناؤه بسياسات التقشف وحدها.
وهنا يظهر جوهر النقاش الحقيقي.
ليس السؤال: هل ارتفع الدين؟
وليس السؤال: هل انخفضت نسبته؟
بل السؤال الذي سيحدد مستقبل الاقتصاد المغربي هو: هل يستطيع المغرب تحويل كل درهم مقترض إلى إنتاج وثروة وفرص عمل وقدرة تنافسية؟
لأن الدين في حد ذاته ليس خطراً، إذا كان يبني اقتصاداً أكثر قوة. لكنه يصبح عبئاً عندما يتحول إلى مجرد وسيلة لتغطية العجز وتمويل النفقات الجارية دون رفع القدرة الإنتاجية.
وفي النهاية، لا يبدو أن هناك تناقضاً كاملاً بين خطاب وزيرة المالية وخطاب والي بنك المغرب، بقدر ما توجد زاويتان مختلفتان لقراءة المشهد. الأولى تنظر إلى سلامة المؤشرات المالية واستدامة الدين، والثانية تنظر إلى الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه المؤشرات على حياة المواطنين. وبين الخطابين تتشكل الحقيقة الكاملة: فالمغرب نجح إلى حد بعيد في الحفاظ على توازناته الماكرو-اقتصادية رغم الصدمات، لكنه لم يحسم بعد معركة تحويل هذا الاستقرار إلى رخاء اجتماعي واسع وتقليص للفوارق وتحسين ملموس في التشغيل والدخل. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لم يعد هو القدرة على الاقتراض، بل القدرة على تحويل القروض إلى تنمية يشعر بها المواطن، لأن نجاح الاقتصاد لا يُقاس فقط بما تقوله المؤسسات المالية الدولية، بل أيضاً بما يلمسه المواطن في سوق العمل، وفي دخله، وفي جودة الخدمات التي يتلقاها كل يوم.