تحليل سياسي: جنوب لبنان بين استعادة الدولة واختبار السيادة.. هل ينجح الجيش اللبناني في ملء الفراغ؟

0
41
تحليل سياسي يرصد دلالات انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان، ومستقبل اتفاق الإطار مع إسرائيل، وتأثيره على سيادة الدولة، ودور حزب الله، واحتمالات التصعيد الإقليمي.
عناصر من الجيش اللبناني في أحد المواقع - مصدر الصورة: رويترز

لا يعكس انتشار الجيش اللبناني في بلدة زوطر الغربية مجرد خطوة أمنية مرتبطة بتطبيق اتفاق الإطار مع إسرائيل، بل يمثل بداية اختبار سياسي معقد يتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها. فالمسألة لم تعد تقتصر على إزالة السلاح أو تأمين عودة السكان، وإنما تتعلق بسؤال أكبر: هل تستطيع الدولة اللبنانية استعادة احتكارها للقوة على كامل أراضيها، أم أن الجنوب سيدخل مرحلة جديدة من إدارة التوازنات بدلًا من إنهاءها؟

الجيش أمام مهمة تتجاوز الأمن

تاريخيًا، كان الجنوب اللبناني مساحة تتقاطع فيها اعتبارات السيادة مع معادلات الردع الإقليمية. لذلك فإن انتشار الجيش اليوم يحمل بعدًا سياسيًا يتجاوز البعد العسكري.

فالجيش لا يُطلب منه فقط الانتشار في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، وإنما يُطلب منه أيضًا أن يثبت أن الدولة اللبنانية قادرة على إدارة الأمن بعيدًا عن ازدواجية السلطة والسلاح.

وهذا يضع المؤسسة العسكرية أمام مهمة شديدة الحساسية؛ إذ إن نجاحها سيعزز شرعية الدولة، بينما قد يؤدي أي تعثر إلى إعادة إنتاج مبررات استمرار القوى المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية.

معركة القانون لا تقل أهمية عن معركة الميدان

النقاش الدائر حول آلية تفتيش الملكيات الخاصة يكشف أن لبنان يحاول تجنب الوقوع في معادلة الأمن على حساب القانون.

فالجيش يحتاج إلى صلاحيات واسعة لإنجاز مهمته، لكن القضاء يسعى في المقابل إلى الحفاظ على الضمانات القانونية المتعلقة بحرمة الملكية الخاصة.

هذه المعضلة ليست تقنية فحسب، بل تعكس طبيعة الدولة اللبنانية التي تحاول إعادة بسط سلطتها ضمن إطار دستوري، لا عبر إجراءات استثنائية قد تثير اعتراضات سياسية أو قانونية.

ومن هنا تبدو فكرة منح أذونات تفتيش “رقعة برقعة” محاولة لإيجاد توازن بين مقتضيات الأمن واحترام سيادة القانون.

إسرائيل لا تبدو مستعدة لتسليم الملف بالكامل

في المقابل، تكشف التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية أن تل أبيب لا تتعامل مع الاتفاق بوصفه نهاية للعمليات العسكرية، بل باعتباره إطارًا يسمح لها بالحفاظ على هامش واسع من حرية الحركة.

فالاستمرار في التوغلات، وتنفيذ الغارات، وعمليات التفجير داخل الأراضي اللبنانية، يرسل رسالة سياسية مفادها أن إسرائيل ستحتفظ بحق التدخل كلما رأت أن مصالحها الأمنية مهددة.

وبذلك، فإن انتشار الجيش اللبناني يجري في بيئة أمنية غير مستقرة، حيث لا تزال إسرائيل تحتفظ بأدوات ضغط ميدانية قد تؤثر في تنفيذ الاتفاق.

الولايات المتحدة.. الضامن الحقيقي للاتفاق

يشير اتفاق الإطار إلى دور مجموعة التنسيق العسكري بقيادة الولايات المتحدة، ما يعكس حقيقة أن الضمانة الأساسية لتنفيذه ليست لبنانية ولا إسرائيلية، وإنما أمريكية.

وهذا يمنح واشنطن موقعًا متقدمًا في إدارة الملف الأمني جنوب لبنان، ويجعلها طرفًا مؤثرًا في تحديد وتيرة الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني.

لكن هذا الدور يحمل أيضًا مسؤولية سياسية؛ إذ إن أي إخفاق في تنفيذ الاتفاق قد ينعكس على صورة الولايات المتحدة باعتبارها الراعي الرئيس للتفاهم.

أين يقف حزب الله؟

لا خلاف على أن تطبيق الاتفاق يمس بصورة مباشرة مستقبل دور حزب الله في الجنوب.

فانتشار الجيش اللبناني وإزالة البنية العسكرية غير الحكومية يعنيان عمليًا إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمقاومة، وهو ملف ظل لعقود أحد أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية اللبنانية.

ولذلك، فإن نجاح الاتفاق يتوقف إلى حد كبير على قدرة جميع الأطراف على تجنب تحويل الانتشار العسكري إلى مواجهة داخلية أو إلى صراع سياسي حول شرعية السلاح.

الجنوب اللبناني يدخل مرحلة انتقالية

ما يجري اليوم لا يمثل نهاية الصراع، بل بداية مرحلة انتقالية قد تستمر سنوات.

فالجيش اللبناني مطالب بإثبات قدرته على إدارة الأمن، وإسرائيل تراقب تنفيذ الالتزامات، والولايات المتحدة تحاول الحفاظ على الاتفاق، بينما تتابع القوى السياسية اللبنانية انعكاسات هذه التطورات على موازين القوى الداخلية.

وفي مثل هذه المراحل، تكون إدارة التفاصيل أكثر أهمية من توقيع الاتفاقات نفسها.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: نجاح تدريجي للاتفاق

إذا تمكن الجيش اللبناني من الانتشار الكامل، واستمرت إسرائيل في الانسحاب التدريجي، فقد يشهد الجنوب مرحلة من الاستقرار النسبي تسمح بعودة السكان وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار.

السيناريو الثاني: تنفيذ جزئي

قد يستمر الاتفاق شكليًا مع بقاء خروقات إسرائيلية متقطعة وتأخر في تنفيذ بعض البنود، بما يحول الجنوب إلى منطقة إدارة أزمة بدلًا من منطقة سلام.

السيناريو الثالث: انهيار التفاهم

إذا تصاعدت الخروقات أو تعثرت عملية إزالة البنية العسكرية غير الحكومية، فقد تعود المواجهة العسكرية إلى الواجهة، بما ينسف المسار السياسي الذي بدأ مع اتفاق الإطار.

اختبار للدولة.. والتزام الأطراف

يمثل انتشار الجيش اللبناني في الجنوب اختبارًا لقدرة الدولة على استعادة دورها السيادي بعد سنوات طويلة من تداخل الاعتبارات الأمنية والإقليمية.

لكن نجاح هذا المسار لن يعتمد على الأداء العسكري وحده، بل على مدى التزام جميع الأطراف بتطبيق الاتفاق، وعلى قدرة المؤسسات اللبنانية على إدارة التوازن بين الأمن وسيادة القانون.

ولهذا، فإن مستقبل الجنوب اللبناني لن يُحسم فقط بما ينجزه الجيش على الأرض، وإنما أيضًا بما تستطيع السياسة تحقيقه في تثبيت سلطة الدولة ومنع عودة المنطقة إلى دوامة الصراع المفتوح.