حين يصبح الصمت شريكاً للفساد… من يحاسب إذا سكت الجميع؟

0
98

ليست المشكلة في أن تُنشر معطيات أو وثائق تزعم وجود شبهات فساد أو استغلال للنفوذ، فالنشر في حد ذاته لا يُنشئ حقيقة قانونية ولا يصدر حكماً بالإدانة. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتضمن تلك المعطيات ادعاءات خطيرة تمس تدبير المال العام أو العقار أو النفوذ، ثم تمر داخل الفضاء العام من دون أن تثير الحد الأدنى من التفاعل المؤسساتي الذي يطمئن المواطنين ويُخضع الوقائع – إن وُجدت – للتحقق وفق القانون. ففي دولة تعلن باستمرار التزامها بمبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يكفي تداول الشعارات، بل يصبح الامتحان الحقيقي هو كيفية التعامل مع الادعاءات ذات الصلة بالمصلحة العامة، عبر التحقيق أو النفي المدعوم أو التوضيح، وليس عبر ترك الفراغ يتسع حتى يبتلع الثقة نفسها.

بعيداً عن الجدل المرتبط بالجهة التي نشرت تلك المعطيات أو بخلفياتها السياسية والإعلامية، يبقى السؤال أكثر عمقاً من هوية الناشر. فالديمقراطيات لا تُقاس بمدى شعبية وسائل الإعلام، وإنما بقدرة مؤسساتها على التعامل مع المعلومات ذات الطابع العام وفق قواعد القانون. لذلك فإن النقاش لا ينبغي أن ينصرف إلى تصنيف المنابر أو التشكيك في نواياها، بل إلى مدى جدية الوقائع المنشورة، وإلى الآليات التي يفترض أن تتولى التحقق منها، حمايةً للمصلحة العامة، وصوناً لحقوق جميع الأطراف، سواء ثبتت الادعاءات أو ثبت العكس.

هذه هي النقطة التي تتحول فيها القضية من مجرد مادة إعلامية إلى سؤال مؤسساتي. فعندما يُتداول حديث عن شبهات تمس استغلال النفوذ أو التصرف في العقار أو المال العام، فإن أول ما ينتظره المواطن ليس الضجيج الإعلامي، بل وضوح موقف المؤسسات المختصة. لأن غياب أي تفاعل رسمي، سواء عبر فتح الأبحاث وفق المساطر القانونية أو إصدار توضيحات مدعومة بالمعطيات، يخلق فراغاً لا يملؤه سوى الإشاعة، ويغذي الشعور بأن بعض الملفات تظل بعيدة عن دائرة المساءلة، بصرف النظر عن صحتها أو بطلانها.

ومن هنا يبرز أحد أخطر التحولات التي تصيب العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ فحين يتكرر الصمت أمام ملفات تثير اهتمام الرأي العام، يبدأ المواطن في إعادة تعريف معنى العدالة نفسها. لم يعد السؤال: هل وقعت المخالفات فعلاً؟ بل أصبح: هل توجد مؤسسات قادرة على التحقق منها بالسرعة والشفافية اللازمتين؟ ذلك أن الثقة لا تُبنى فقط بإدانة المذنب، وإنما أيضاً بتبرئة البريء عبر إجراءات واضحة وعلنية تحترم القانون وتُطمئن المجتمع.

ولا يقف الأثر عند حدود المؤسسات القضائية أو الرقابية، بل يمتد إلى المجال السياسي بأكمله. فالأحزاب التي بنت جزءاً كبيراً من خطابها على مكافحة الفساد تجد نفسها أمام اختبار حقيقي كلما أُثيرت ملفات من هذا النوع. فإذا اكتفت بالصمت أو انتقت القضايا التي تتفاعل معها وفق حسابات الاصطفاف السياسي، فإن خطابها يفقد تدريجياً قيمته الأخلاقية، ويتحول في نظر المواطنين إلى أداة ظرفية تُستدعى خلال الحملات الانتخابية أكثر مما تُمارس باعتبارها التزاماً دائماً تجاه المجتمع.

أما إعلامياً، فإن استمرار تداول الملفات الحساسة دون مآلات واضحة يضع الصحافة بدورها أمام تحدٍ معقد. فالإعلام ليس سلطة للإدانة، ولا القضاء فضاءً للتأثر بالضجيج، لكن تجاهل القضايا ذات الاهتمام العام لا يخدم الحقيقة أيضاً. لذلك يبقى الدور المهني للإعلام هو عرض الوقائع المنسوبة إلى مصادرها، والتمييز بين الادعاءات والحقائق المثبتة، ومتابعة ما تقوم به المؤسسات المختصة، بعيداً عن التشهير أو إصدار الأحكام المسبقة.

اقتصادياً، لا تتوقف آثار مثل هذه الملفات عند حدود العقارات أو الأشخاص المعنيين بها. فكل شبهة تمس تدبير الثروة أو النفوذ وتظل بلا معالجة واضحة، تنعكس على صورة مناخ الاستثمار وعلى إحساس الفاعلين الاقتصاديين بتكافؤ الفرص. فالمستثمر، كما المواطن، لا يبحث فقط عن قوانين جيدة، بل عن يقين بأن تطبيق القانون لا يخضع لاختلاف المواقع أو موازين النفوذ.

واجتماعياً، تتسلل الرسائل الأكثر خطورة بصمت. فعندما يترسخ لدى الناس انطباع بأن الملفات الكبرى لا تجد طريقها إلى التحقق المؤسسي، بينما تُطبق القواعد بسرعة في القضايا اليومية البسيطة، يبدأ الإحساس بالمساواة أمام القانون في التآكل. وحينها لا يصبح الضرر مقتصراً على قضية بعينها، بل يمتد إلى منظومة الثقة التي تربط المواطن بالدولة، وهي الثروة غير المرئية التي يصعب استعادتها متى فقدت.

إن أخطر ما قد تواجهه أي دولة ليس مجرد وجود مزاعم أو شبهات فساد، لأن أي مجتمع معرض لظهور ادعاءات تستوجب الفحص والتحقيق، وإنما أن يتحول تداولها إلى حالة اعتيادية لا تستدعي التحقق المؤسسي ولا التوضيح المسؤول. ففي تلك اللحظة يفقد القانون إحدى أهم وظائفه، وهي طمأنة المجتمع بأن كل ادعاء جدي يمس المصلحة العامة يجد طريقه إلى الآليات المختصة، وأن العدالة لا تُقاس بالصمت، بل بقدرتها على البحث والتثبت وإعلان النتائج وفق الضمانات القانونية.

وفي النهاية، لا تُبنى هيبة الدولة بكثرة الشعارات، ولا تستقيم الثقة العامة بكثافة الخطابات حول الحكامة والشفافية، وإنما تُبنى حين يشعر المواطن أن المؤسسات تتعامل مع كل الادعاءات الجدية بالمعيار نفسه، دون انتقائية أو تردد، وأن لا أحد فوق القانون، كما لا أحد يُدان خارج القانون. فالدولة القوية ليست تلك التي تخلو من الأسئلة، بل تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة على الإجابة عنها.