بين نفي نفوذ لقجع واتهام الكاف بالتلاعب… ماذا يكشف رومان مولينا عن الوجه الخفي لكرة القدم الإفريقية؟

0
109

في كرة القدم الإفريقية، لا تبدو المعارك الحقيقية دائمًا داخل المستطيل الأخضر. فكلما انتهت مباراة، بدأت أخرى أكثر تعقيدًا داخل دهاليز الاتحادات، حيث تتحول السلطة إلى شبكة علاقات، والقرارات إلى موضوع جدل، والأحكام إلى مادة للتأويل السياسي والإعلامي.

في هذا السياق، أعاد الصحافي الفرنسي المتخصص في التحقيقات الرياضية رومان مولينا إشعال نقاش ظل حاضرًا منذ سنوات، بعدما قدم قراءة مغايرة للصورة التي ترسخت لدى جزء من الرأي العام حول نفوذ رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف).

ما يلفت الانتباه في حديث مولينا أنه لم يكتف بنفي وجود نفوذ مؤسسي مباشر للقجع داخل أجهزة القرار في الكاف، بل ميز بين نوعين مختلفين من القوة: قوة المؤسسات، وقوة شبكات العلاقات. فبحسب روايته، فإن الرجل لا يتحكم في دواليب الكاف، وإنما يمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع رؤساء اتحادات ومسؤولين قادرين على التأثير في بعض الملفات.

هذه المقاربة، سواء اتفق معها المتابع أو اختلف، تفتح بابًا مهمًا لفهم كيفية اشتغال السلطة داخل المؤسسات الرياضية الإفريقية. فالنفوذ في كثير من الأحيان لا يُمارس عبر النصوص القانونية وحدها، بل عبر التحالفات والاصطفافات والتوازنات التي تُبنى خارج قاعات الاجتماعات الرسمية.

لكن الجزء الأكثر حساسية في تصريحات مولينا لم يكن متعلقًا بلقجع، بل بالكاف نفسها.

فالصحافي الفرنسي ذهب إلى أبعد من ذلك عندما قال إن الحكم الأول الصادر في أحد الملفات المتعلقة بالمغرب “تم التلاعب به للإضرار بالمغرب”، مؤكدًا أن ذلك يستند، بحسب قوله، إلى “مصادر موثوقة”. غير أن مولينا لم يقدم في هذا المقطع أدلة أو وثائق تدعم هذا الادعاء، كما لم تصدر، حتى الآن، مواقف رسمية من الكاف أو الجهات المعنية تؤكد أو تنفي هذه الرواية.

وهنا تبدأ القراءة الحقيقية.

فالحديث عن “تغيير حكم” أو “التلاعب بقرار” لا يتعلق بمجرد خلاف رياضي، بل يطرح سؤالًا أخطر يتعلق بسلامة منظومة العدالة الرياضية في إفريقيا. فإذا كانت مثل هذه الادعاءات صحيحة، فإنها تمس مبدأ استقلالية اللجان القضائية، وتضع مصداقية المؤسسة القارية بأكملها أمام اختبار صعب. أما إذا كانت غير صحيحة، فإنها تصبح بدورها اتهامًا بالغ الخطورة يتطلب أدلة واضحة، لأن التشكيك في نزاهة مؤسسة قارية دون إثبات ينعكس أيضًا على الثقة في منظومة كرة القدم الإفريقية.

ومن زاوية أخرى، تبدو تصريحات مولينا امتدادًا لانتقادات أوسع وجهها منذ سنوات إلى طريقة إدارة كرة القدم الإفريقية، حيث سبق أن تحدث في مناسبات مختلفة عن ضعف الحوكمة، وتشابك المصالح، وهشاشة البنية المؤسساتية داخل بعض الهيئات الرياضية، معتبرًا أن الأزمة ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة نظام يسمح بتغول النفوذ الشخصي على حساب قوة المؤسسات.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو أن مولينا، رغم انتقاده لسلوكيات نسبها إلى لقجع في بعض المباريات، يرفض في الوقت نفسه تحميله مسؤولية كل ما يجري داخل الكاف، ويوجه سهام نقده أساسًا إلى المؤسسة نفسها، معتبرًا أن ضعفها البنيوي هو ما يسمح بظهور مراكز نفوذ متعددة، وليس العكس.

وهذا التفريق ليس تفصيلًا لغويًا، بل يحمل رسالة ضمنية مفادها أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الأشخاص، بل في طبيعة النظام الإداري الذي يسمح بتداخل النفوذ الرسمي وغير الرسمي.

ومن منظور أوسع، تأتي هذه التصريحات في لحظة تشهد فيها كرة القدم المغربية حضورًا غير مسبوق على المستوى القاري والدولي، سواء عبر النتائج الرياضية أو تنظيم البطولات أو الاستعداد المشترك لاستضافة كأس العالم 2030. وهو ما يجعل أي نقاش حول موقع المغرب داخل مؤسسات كرة القدم الإفريقية يتجاوز الإطار الرياضي ليكتسب أبعادًا سياسية ودبلوماسية وإعلامية.

لهذا، فإن السؤال الذي تطرحه تصريحات مولينا ليس ما إذا كان لقجع نافذًا أم لا، بل كيف تُدار السلطة داخل الكاف؟ ومن يمتلك القرار الحقيقي؟ وهل تخضع القرارات لمعايير قانونية شفافة أم لتوازنات سياسية وشبكات نفوذ غير معلنة؟

ويبقى الادعاء المتعلق بـ”التلاعب” في الحكم الأول ضد المغرب بحاجة إلى ما هو أكثر من شهادة صحافي، مهما كانت شهرته أو قربه من ملفات كرة القدم الإفريقية. ففي دولة المؤسسات، وفي منظومة رياضية يفترض أن تقوم على الشفافية، لا تتحول الاتهامات إلى حقائق إلا إذا دعمتها الوثائق، أو التحقيقات المستقلة، أو المواقف الرسمية.

وفي النهاية، ربما لا تكمن أهمية تصريحات رومان مولينا في كونها تقدم أجوبة نهائية، بل لأنها تعيد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة: هل تعاني كرة القدم الإفريقية من أزمة أشخاص، أم من أزمة مؤسسات؟ وبين هذين الاحتمالين، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة بما يمكن إثباته، لا بما يمكن تداوله.