حين تُشرّح الروائيات المغربيات المجتمع: الرواية النسائية تكسر صمت السلطة والذاكرة والطابوهات

0
115

لم تعد الرواية النسائية المغربية مجرد جنس أدبي يُقرأ داخل رفوف المكتبات أو قاعات الجامعات، بل تحولت تدريجيا إلى مرآة اجتماعية وثقافية تكشف ما لا تقوله التقارير الرسمية عن النساء، وعن المجتمع، وعن التحولات العميقة التي يعيشها المغرب وهو يعيد صياغة علاقته بالهوية واللغة والذاكرة والجسد والسلطة. في قاعة محمد الكتاني بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، لم يكن الحضور مجرد جمهور يتابع ندوة أكاديمية عابرة حول “الرواية النسائية المغربية بلغات العالم”، بل بدا المشهد أشبه بمحاولة جماعية لفهم كيف استطاعت الكاتبات المغربيات أن ينقلن الأسئلة المؤجلة للمجتمع من هامش الحياة اليومية إلى مركز النقاش الثقافي والفكري.

الندوة التي جاءت امتدادا لمحطتين سابقتين بكل من الدار البيضاء وبرشيد، كشفت أن الرواية النسائية المغربية لم تعد فقط تكتب بالعربية، بل أصبحت تعبر لغات وثقافات متعددة دون أن تفقد صلتها بالأسئلة المحلية المرتبطة بالمرأة والسلطة والهوية والحرية. وهذا التحول لا يعكس فقط انفتاح الكاتبات المغربيات على العالم، بل يكشف أيضا عن تحولات أعمق يعيشها المجتمع المغربي نفسه، حيث لم تعد الكتابة النسائية مجرد تعبير ذاتي أو أدب وجداني، وإنما تحولت إلى مساحة لإعادة تفكيك المجتمع وإعادة قراءة تاريخه من زاوية أخرى.

داخل الجلسة الافتتاحية، لم يكن الحديث عن الشراكات الأكاديمية والتعاون بين المختبرات الجامعية والجمعيات الثقافية مجرد لغة بروتوكولية معتادة، بل بدا وكأنه إعلان ضمني عن إدراك متزايد داخل الجامعة المغربية بأن الأدب النسائي لم يعد موضوعا ثانويا أو هامشيا داخل البحث العلمي. فالاحتفاء بأسماء مثل سعاد الناصر، زبيدة هرماس، سعيدة تاقي، عائشة لمراني العلوي، سمية البوغافرية، وسميرة المراقي لم يكن فقط احتفاء بأعمال روائية، بل محاولة لإعادة الاعتبار لصوت نسائي ظل لسنوات طويلة يُقرأ باعتباره كتابة “موازية” لا كتابة مؤسسة لرؤية جديدة للمجتمع.

اللافت في الندوة أن أغلب المداخلات لم تتوقف عند حدود التحليل الفني للنصوص، بل اتجهت نحو تفكيك الأسئلة الفلسفية والاجتماعية التي تحملها الروايات. ففي قراءة رواية “قاب قوسين أو أدنى”، تحولت فكرة الموت من حدث بيولوجي إلى سؤال وجودي حول الخوف والمعنى والقيم في مجتمع معاصر يعيش توترا بين المادة والروح. بينما فتحت “الثورة الوردية” باب التفكير في صورة عالم تقوده النساء، ليس باعتباره حلما طوباويا، بل باعتباره نقدا ضمنيا لعالم الحروب والعنف وهيمنة منطق القوة.

أما رواية “إني وضعتها أنثى”، فقد أعادت طرح سؤال الجسد الأنثوي وعلاقته بالمؤسسة الاجتماعية، حيث ظهرت الأنوثة كفضاء للصراع بين الرغبة في التحرر وسلطة الأعراف. وهي قضايا لا تخص الأدب وحده، بل تمتد إلى النقاشات اليومية التي يعيشها المجتمع المغربي حول أدوار النساء وحدود الحرية الفردية وإشكالات السلطة الرمزية داخل الأسرة والمجال العام.

وفي مداخلات أخرى، تحولت الرواية إلى أرشيف بديل للذاكرة المغربية. فقراءة رواية “دروب كازابلانكا” أبرزت كيف يمكن للسرد النسائي أن يعيد كتابة تاريخ المغرب الاجتماعي والسياسي من زاوية النساء، لا من زاوية المؤسسات الرسمية أو السرديات الكبرى. هنا تصبح الدار البيضاء وباريس أكثر من مجرد فضاءين جغرافيين؛ إنهما فضاءان يعكسان تشظي الهوية المغربية بين الداخل والخارج، بين الرغبة في الانعتاق وثقل الذاكرة.

ولعل أكثر ما كشفته الندوة هو أن الرواية النسائية المغربية لم تعد منشغلة فقط بوصف معاناة المرأة، بل أصبحت تشتغل على إعادة تخييل السلطة نفسها. ففي الحديث عن “نهر الصبايا”، برزت الأسطورة والطقس والجسد كأدوات لبناء شرعية نسائية بديلة، وكأن الرواية تحاول أن تقول إن النساء لا يطالبن فقط بالمشاركة داخل السلطة التقليدية، بل بإعادة تعريف مفهوم السلطة ذاته.

هذا التحول يتقاطع مع تطور لافت يعرفه المشهد الثقافي المغربي، حيث بدأت الجامعات والمختبرات الأكاديمية تمنح مساحة أكبر لدراسة الكتابة النسائية، ليس باعتبارها موضوعا “نسويا” ضيقا، بل باعتبارها مدخلا لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي يعيشها المغرب. كما أن الانفتاح على الرواية المكتوبة بالأمازيغية، كما ظهر في مداخلة “عروس من حجر”، يكشف أن النقاش لم يعد يقتصر على ثنائية الرجل والمرأة فقط، بل امتد إلى أسئلة اللغة والهوية والهامش الثقافي.

وخلف كل هذه النقاشات، كان هناك سؤال غير معلن يطفو فوق القاعة: لماذا أصبحت الرواية النسائية اليوم أكثر قدرة على ملامسة الأسئلة الحساسة التي يعجز الخطاب السياسي أو الإعلامي التقليدي عن الاقتراب منها؟ ربما لأن الرواية، بخلاف الخطابات الرسمية، لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تفتح جروحا مؤجلة داخل المجتمع، وتترك القارئ أمام ذاته، أمام خوفه، وهشاشته، وصورته عن الآخر.

النقاش الذي شارك فيه الطلبة والباحثون في ختام الندوة لم يكن مجرد تفاعل أكاديمي، بل بدا مؤشرا على أن الرواية النسائية المغربية بدأت تفرض نفسها تدريجيا داخل الذائقة النقدية العربية، لا باعتبارها “أدب نساء”، بل باعتبارها كتابة قادرة على مساءلة المجتمع والدولة والذاكرة واللغة والسلطة في آن واحد.

وفي النهاية، ربما لم تعد القضية اليوم هي ما إذا كانت المرأة المغربية استطاعت أن تكتب الرواية، بل ما إذا كان المجتمع نفسه مستعدا لقراءة ما تقوله هذه الروايات عن أعطابه العميقة، وعن الأسئلة التي ظل يؤجل مواجهتها لسنوات طويلة.